علم وخبر
لماذا على النيابة العامة إحالة ملف المحامي أمام نقابة المحامين؟/ناضر كسبار
ناضر كسبار (نقيب المحامين السابق في بيروت):
غالباً ما يخلط رجال القانون بين اذن الملاحقة الجزائية والملاحقة المسلكية. علماً ان لكل منهما احكامه وشروطه واجراءاته، ونتائجه.
فالشكوى الجزائية ترد ضد المحامي امام نقابة المحامين من قبل النيابة العامة، حتى ولو قدمت كشكوى مباشرة امام قاضي التحقيق، فهو لا يستطيع مخاطبة النقابة بل النيابة العامة. ويحيل النقيب الشكوى عادة – ونقول عادة لأنّ البعض يعتقد انه ملزم على إحالتها امام مفوض قصر العدل، في حين انه يستطيع احالتها امام اي عضو مجلس نقابة في المجلس – امام مفوض قصر العدل الذي يحقق مع المحامي، ويعرض الملف امام مجلس النقابة لاتخاذ القرار إمّا بإعطاء الاذن او بحجبه.
هنا، يستطيع المقرر تحضير تقرير للنقيب، او قد يطلب النقيب منه تحضير تقرير ورفعه اليه لاتخاذ القرار من قبله شخصياً بخصوص المسألة المسلكية. فإذا كان المقرر قد استمع بالتفصيل اللازم للمحامي، يتخذ النقيب القرار المناسب وخصوصاً الاحالة أمام المجلس التأديبي. وقد لا يكتفي بالتقرير الذي أعدّه المقرر، ويقرّر تكليفه مجدداً، أو تكليف عضو مجلس نقابة آخر، أو عضو مجلس سابق التوسّع في التحقيق ورفع تقرير إليه لاتخاذ القرار المناسب.
أمّا الشكوى المسلكية، التي تختلف عن الشكوى الجزائية، فهي تتعلّق بالجرم المسلكي الذي يرتكبه المحامي. وهي تختلف عن الشكوى الجزائية التي تتعلق بالجرم الجزائي الذي ينسب الى المحامي.
من هنا. قد يلاحق المحامي مسلكياً ولا يلاحق جزائياً. فإذا حل محام محل زميله في دعوى دون إذن النقيب، أو قدّم ضدّ زميله دعوى دون الاذن، يكون قد ارتكب جرماً مسلكياً لا جزائياً. وهناك حالات قد لا يوافق المجلس على اعطاء الاذن ضد محامٍ في الشكوى الجزائية، إلا ان النقيب يقرر ملاحقته مسلكياً، كأن يتم تقديم شكوى جزائية ضد محام بجرم احتيال مثلاً، فيحجب المجلس الاذن عن المحامي، إلا ان النقيب يقرر ملاحقته مسلكياً لأنّه أقحم نفسه في أمور معيّنة كالسمسرة مثلاً، أو التوقيع على اوراق مع موكّله لم يكن عليه توقيعها. أو كأن يظهر على شاشة التلفزيون ويتكلم في ملف دعوى قيد النظر، فيقدّم أحدهم شكوى ضده بجرمي الذم والقدح. فيحجب المجلس الاذن عن المحامي لعدم وقوع الجرم الجزائي، إلّا أنّ النقيب يقرّر ملاحقته مسلكياً لأنّه تكلّم في ملفّ دعوى قيد النظر.
من هنا، وقد يكون هذا هو الهدف الاول من هذه المقالة، يقتضي التفريق بين الجرمين الجزائي والمسلكي. وبالتالي على النيابة العامة عندما تُقدّم أمامها الشكوى الجزائية ضدّ المحامي، ان ترسل الملف امام النقابة، لا ان تبدأ بالتحقيق ومحاولة حل القضية لأنّها بسيطة أو يبدو من ظاهرها أنّها كيدية ضد المحامي. اذ بمجرد تسجيل الشكوى في سجل الشكاوى ووضع النيابة العامة يدها عليها، يجب إحالتها فوراً امام النقابة. هذه المسألة عُرضت امام المجلس من قبلي يوم كنت مفوضاً لقصر العدل. قلت يومها ان بعض المدعين العامين لا يرسلون الشكوى، وعندما نراجعهم يقولون لنا إنّ الهدف هو التخفيف عنا لأنّ الشكوى بسيطة وتمّ حفظها لأنّها لم تكن تحتاج الى تحقيق طويل بل بسيط جداً. وكان جوابنا انه حتى في مثل هذه الحالة يقتضي إحالتها فوراً امام النقابة. لماذا؟
لأنّه بمعزل عن اتخاذ المجلس القرار بإعطاء الاذن او بعدم إعطائه. وبمعزل عن الجهد الذي تقوم به النيابة العامة للتخفيف عن النقابة لأنّها ترى ان الشكوى بسيطة. فإن للمجلس بعد دراسة الملف ان يلفت نظر النقيب، او قد يكون المقرر فقط هو الذي يلفت نظره، او قد يتنبّه النقيب للأمر لدى عرض الملف، الى ان المحامي قد ارتكب جرماً مسلكياً. ففي هذه الحالة يتخذ النقيب الاجراء اللازم إمّا بتوجيه تنبيه شفهي او تنبيه خطي للمحامي او إحالته امام المجلس التأديبي، طبعاً بعد اتباع الاجراءات اللازمة ومنها الاستماع اليه من قبل عضو مجلس نقابة حالي او سابق في حال قرر التوسّع في التحقيق لأنّ العضو السابق ليس موجوداً في المجلس، ولا يطلع على ملف الشكوى الجزائية. أما اذا لم ترسل النيابة العامة الملف، فلا يمكن للنقيب إجراء رقابته على الموضوع، وقد لا يلاحق محامٍ مسلكياً مع انه يكون قد ارتكب الجرم المسلكي.
وهذا الامر ينطبق على الحالات التي يرتكب فيها المحامي جرماً جزائياً ومسلكياً، أو فقط جرماً مسلكياً، وتتم المصالحة في النقابة مثلاً او بين الاطراف. فلا تكفي المصالحة، بل يقتضي اتخاذ الاجراءات اللازمة في حال وقوع الجرم المسلكي حتى ولو تمت المصالحة.
“محكمة” – الجمعة في 2025/12/12



