أبرز الأخبارمقالات

مدى فعالية مجلس الشيوخ في لبنان/جهاد اسماعيل

كتب جهاد اسماعيل*:
ثمّة إرتباط جوهري بين نشأة مجلس الشيوخ ونشأة الجمهورية اللبنانية ووضع دستورها، لأنّ الظروف التي أدّت إلى إقرار الدستور، عام 1926، هي نفسها التي آلت إلى اعتماد نظام المجلسين في لبنان قبل أن يتمّ إلغاؤه بموجب القانون الدستوري الصادر عام 1927 بإيعاز من سلطات الانتداب وضمّ أعضاء مجلس الشيوخ إلى مجلس النوّاب، بعدما تبيّن، ظاهراً، أنّه يعرقل الحياة النيابية ولا يخدم الهدف السياسي المرجو منه، ثمّ أعيد إحياؤه، بموجب اتفاق الطائف، من خلال صدور القانون الدستوري رقم 18 عام 1990، في المادة 22 من الدستور، للخروج من الطائفية السياسية، بحسب النصّ الدستوري، على اعتبار أنّ النظام السياسي في أيّ بلد، بمعزل عن الأسباب الأخرى، يعكس التركيبة الاجتماعية للمجتمع الذي يسوده، خصوصاً وأنّ التركيبة المجتمعية اللبنانية تقوم على اعتبارات طائفية تطغى، واقعاً، وفي مكان ما، على الاعتبارات القانونية والمؤسّساتية.
إلاّ أنّ المادة 22 من الدستور، لم تحدّد كيفية إنشاء مجلس الشيوخ وعدد أعضائه، وآلية اختيارهم، وصلاحياتهم بشكل خاص ودقيق، ما خلا عبارة “القضايا المصيرية”.
أمام الحال هذه، يسأل السائل، هل إنّ استحداث مجلس الشيوخ في بلد كلبنان، مأزق أم حلّ؟ وما هو مدى فعاليتها على الصعيدين السياسي والدستوري؟
لمّا كان قياس فعالية أيّ نظام أو طريقة للحكم يتحدّد بمدى انطباق الواقع والممارسة على النصوص، فإنّه لا بدّ من دراسة السلبيات والإيجابيات التي تحكم النصّ والواقع على حدّ سواء، على ضوء رأينا في المسألة، وكذلك الآراء الفقهية الخلافية، انسجاماً مع منهجية البحث العلمي والقانوني، وبالتالي البناء على الفكرة وتطويرها بهدف تطبيقها، وتحقيق الهدف المنشود.
السلبيات:
• قد يرى البعض أنّ فكرة الثنائية البرلمانية دونها مشاكل قانونية وسياسية ناجمة عن سكوت المشترع في تحديد دقيق للصلاحيات والدور والآليات، بسبب الإشكاليات المترتّبة عنها من مثل: هل سيعتمد الإنتخاب أم التعيين في تشكيله؟ ماذا سيكون أساس تكوين مجلس الشيوخ، طائفياً أو جغرافياً أو مختلطاً؟ ما هي مدّة الولاية وعدد الأعضاء وكيفية التوزيع بين الطوائف والمناطق؟ ألن يؤدّي ذلك إلى تفاقم المخاوف بشأن التعايش وتقاسم السلطة؟ لمن ستؤول رئاسة مجلس الشيوخ؟ هل يمكن لمجلس النوّاب نقض سلطة مجلس الشيوخ؟ كيف يمكن رسم الصلاحيات ما بين المجلسين من جهة، وبين مجلس الشيوخ والسلطة التنفيذية من جهة أخرى؟
وغيرها من التساؤلات التي من الممكن أن تزيد من الصراع السياسي، وتؤدّي إلى تفاقم الأمور الخلافية.
• قد يرى البعض أيضاً، أنّ تلازم المطالبة بإلغاء الطائفية السياسية، وفق المادة 22 من الدستور، مع إنشاء مجلس الشيوخ، أمر من شأنه أن يبقي الطائفية السياسية مظهراً أساسياً في النظام السياسي- الدستوري اللبناني، وبالتالي بدلاً من أن يكون مجلس الشيوخ إطاراً دستورياً لحلّ بعض المشكلات، يصبح مع الوقت سبباً في تكريس الطائفية، وبالتالي المزيد من الأزمات الوطنية الحادة.
• يسوّق البعض، في إطار رفض فكرة “نظام المجلسين”، أنّ الطرح يأتي في إطار غير دستوري، فلا موضوعية، كما يزعم، في الطرح، يل يظهر كجائزة ترضية تطرح بين الحين والآخر، ويعتبر، في الوقت ذاته، أنّ الطرح يتعارض مع وحدة الأمّة، لأنّ مبدأ “سيادة الأمّة” لا يتجزأ، وكلّ محاولة على هذا الصعيد من شأنه أن يقوّض الإرادة الشعبية من جهة، ويؤدّي إلى الشلل التشريعي من جهة ثانية.
غير أنّ هذه الإشكالات أو المخاوف، وإنْ كان قد فرضها الواقع السياسي اللبناني المعقّد، تبعاً للممارسة الزبائنية والطائفية المرضية، والتي تجسّدت على صورة تهديد يلاحق المؤسّسات الدستورية وكلّ اللبنانيين، إلاّ أنّه يمكن تحويل هذا التهديد إلى فرصة، فيما لو توافرت إرادة التغيير عند أهل الحكم، على وقع الحراك المطلبي، وذلك بالاستفادة من النصوص الدستورية، لا سيّما نصّ المادة 22 والمادة 95 من الدستور، والعمل، بصورة جدّية، على حلول إصلاحية للتركيبة الراهنة، تبدأ باستحداث مجلس الشيوخ للبناء على مقوّمات وإيجابيات الفكرة لا بأجندة بعض السياسيين، وفق الآتي:
• لمّا كان مجلس الشيوخ، بطبيعته، انعكاساً واضحاً لتمثيل الجماعات التقليدية، وللمحافظة على فكرة التعدّدية داخل المجتمع الواحد، فيما مجلس النوّاب يمثّل، نظرياً، الفئات الشعبية التي غالباً ما تنزع نحو التغيير والتطوير، فإنّ تطبيق الفكرة على الواقع السياسي اللبناني، من شأنه أن يؤدّي إلى الفصل بين التمثيل الشعبي الذي يجد أساسه في إطار حقوقي وهو المجلس النيابي، وبين التمثيل الطائفي الذي يتجسّد في مجلس الشيوخ.
• تنصّ المادة المادة 22 من الدستور:”مع انتخاب أوّل مجلس نوّاب على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثّل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحيته في القضايا المصيرية”.
ما يؤكّد، بحسب النصّ، أنّ الهدف من إنشاء مجلس الشيوخ هو تجاوز الطائفية السياسية في المجلس النيابي، وهو، في الوقت نفسه، جزء من الخطّة الواردة في المادة 95 من الدستور، وبالتالي فإنّ تحرير مجلس النوّاب من القيد الطائفي قابله تثبيت الطائفية في مجلس الشيوخ، لأنّه لا يمكن إلغاء الطائفية السياسية من دون إلغاء الطائفية المجتمعية، وهذا ما يصعب تحقيقه، على اعتبار أنّ الفصل بين النظام السياسي والمجتمع يعني السماح بأن يكون النظام غريباً عن المجتمع، وهذا ما لم يقصده المشرّع الدستوري قط، ذلك أنّ العقلية الطائفية راسخة، حتّى لو ألغينا التمثيل الطائفي، وما فكرة “مجلس الشيوخ”، بهدف تمثيل العائلات الروحية، إلاّ من أجل الحفاظ على التعدّدية وتطلّعات الطوائف في مؤسّسة دستورية لا تنتقص من إرادة ووحدانية الأمّة جمعاء، ولا ضير، والحال هذه، الجمع بين مبدأين، السيادة الشعبية وسيادة الأمّة، انسجاماً مع فكرة التوفيق بين الطوائف كجماعات بشرية، وبين الشعب كمجموعة من الأفراد.
• من الثابت والواضح أنّ مجالس الشيوخ قد عالجت بعض القضايا الحسّاسة في العديد من الأنظمة الدستورية للدول، وبالتالي، لا شيء يمنع من انطباق الأمر نفسه في لبنان، والاستفادة من التجارب الدستورية المقارنة بما ينسجم مع خصوصية التركيبة اللبنانية، لأنّ المشرّع الدستوري اللبناني، في نهاية المطاف، يدعو، في المادة 95، كلّ المؤسّسات الدستورية، إلى العمل على إلغاء الطائفية السياسية، واعتبار هذا الإلغاء، وفق مقدّمة الدستور، هدفاً وطنياً يقتضي العمل به ضمن خطّة مرحلية، ومن قال إنّ تطبيق مواد دستورية تلزم رؤساء المؤسّسات الدستورية بمعالجة المرض المشكو منه، ولو تدريجياً، يضرّ ولا ينفع؟!
كما أنّ اعتماد الأساس الوطني لا الطائفي في انتخاب مجلس النوّاب ليس بالأمر الصعب، إذ بمقدور القوى السياسية الاتفاق على قانون انتخابي وفق النسبية على دائرة واحدة، ومن خارج القيد الطائفي، بالتوازي مع تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية عملاً بالمادة 95 من الدستور، حينئذ يصبح تطبيق المادة 22 من الدستور من مقتضيات الضرورة الوطنية.
• إنّ تقويض فكرة “نظام المجلسين”، من زاوية النتائج، وغياب تحديد دقيق للصلاحيات، لا يبرّر تجاوز النصّ الدستوري على إطلاقه، ولا يجيز الإنقلاب على الفكرة بذريعة الممارسة السياسية، لأنّ مجلس الشيوخ، في الأساس، هو حلّ لمشكلة نعانيها لا العكس، لا سيّما وأنّ المشرّع الدستوري كان قد أكّد تضييق الصلاحيات التي يتمتّع بها المجلس، عندما أدخلها في عبارة “القضايا المصيرية”.
فالقضايا المصيرية، برأينا، وخلافاً لكلّ الأراء المغايرة، لا تعني، تماماً، كلّ المواضيع الأساسية الواردة في المادة 65 من الدستور، فثمّة فوارق بين الأساسية والمصيرية، لأنّ من شأن هذا التفريق أن يزيل هواجس بعض الطوائف والمكوّنات لجهة أنّ المواضيع الأساسية من صلاحية مجلس الوزراء، حيث يتخذها بأغلبية موصوفة.
ثمّ على فرض أنّ القضايا المصيرية هي تلك المواضيع الأساسية الواردة في المادة 65، فإنّ، كما هو معلوم، من يرسم التشكيلة الحكومية والسياسات العامة للدولة هي الطوائف التي تتمثّل بالأحزاب السياسية، وبالتالي، إنّ إقامة أيّ تعديل، لن يغيّر في الأمر شيئاً، بحيث لو جرى نقل صلاحية تقرير القضايا المصيرية، الأساسية، من مجلس الورزاء، المنبثق عن الأحزاب السياسية، إلى مجلس الشيوخ المنبثق عن الطوائف والأحزاب نفسها، فما الذي سيتغيّر؟!
علاوة على أنّ المطروح، اليوم، وفي الدستور، تمثيل الطوائف وتجاوز الطائفية السياسية، على خلاف ما هو قائم في بعض الدول، الولايات المتحدة الأميركية، سويسرا، الجزائر ..الخ، ما يلبّي تطلّعات الطوائف والأحزاب من جهة، ويؤدّي إلى تطبيق قواعد دستورية ينشدها كلّ لبناني يتوق إلى التمثيل الوطني ومبدأ المواطنية من جهة أخرى!
• وإنْ كان الاتجاه في أكثرية الأنظمة السياسية هو التخفيف من صلاحيات مجلس الشيوخ وجعلها استشارية، فإنّ هذا المنحى لا يجب أن يكون إلاّ تبريرياً لوجوده لا إلى حجبه عن الحياة السياسية، بدليل أنّ المادة 22 من الدستور لم تعط المجلس صلاحيات تشريعية واضحة وفضفاضة، بل أناطت به البحث في القضايا المصيرية، التي، برأينا، تلامس طبيعة وتركيبة البلاد، بحيث تنهض مسؤولياته وصلاحياته، في مساحة استثنائية، في كلّ مرّة يتعلّق الأمر بالنظام السياسي والمجتمعي برمّته، وهذا، بالأصل، لا ينفكّ عن الواقع السياسي المتبع في مجلس الوزراء نتيجة للتوازنات التي تعطّل، في معظم الأحيان، فعالية الحكومة، وبالتالي، فإنّ استحداث مجلس الشيوخ قد يعالج هذه المعضلة ويضمن التوازن في آلية ما، ولا يفرغ “صلاحية التنفيذ” من مضمونها من جهة، ويوطّد مبدأ “فصل السلطات” من جهة أخرى.
لذلك، فإنّ إنشاء مجلس الشيوخ، قد لا يؤدّي إلى انتظام كامل للمؤسّسات الدستورية، إنّما يحتضن الكيان اللبناني وخصوصية تركيبته المجتمعية، ويجمع بين التوازن الطائفي في الحياة السياسية، وبين إرادة التغيير عن كلّ الممارسات النمطية التي أرهقت الوطن، وباتت ذات أكلاف عالية يدفعها كلّ المواطنين دون استثناء، وهذا من شأنه أن يؤدّي إلى الاستقرار الاجتماعي والمؤسّساتي، وهو، أحد الأسباب الرئيسية والموجبة لاستحداث مجالس الشيوخ في العالم، شريطة أن لا يتمّ تحويل المجلس الثاني إلى صورة مطابقة عن مجلس النوّاب، لأنّ ما ننشده هو تجاوز المعضلات التي يعتريها الواقع، بالإحتكام إلى المبادئ الدستورية لا إلى الطائفية والزبائنية السياسية.
*باحث في القانون الدستوري
“محكمة” – الجمعة في 2020/1/31

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!