مكافحة الجرائم المعلوماتية بين المهمة الصحيحة وما يعترضها/شربل عرب
المحامي شربل كميل عرب:
في ظلّ التطوّر المتسارع للجرائم الإلكترونية، أُنشئ مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية ليكون جهازًا متخصصًا بالتعامل مع الجرائم ذات الطابع التقني البحت، كحالات القرصنة، سرقة الحسابات، اختراق الأنظمة، وتتبع الفاعلين المجهولين الذين لا يمكن الوصول إليهم بالوسائل التقليدية.
إلا أن الواقع العملي يشير إلى خلل متزايد في آلية إحالة الشكاوى، ما يطرح تساؤلات جدية حول حسن توزيع الاختصاصات وضمان فعالية الملاحقة الجزائية.
إن حصر الشكاوى الجزائية المحالة إلى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية يجب أن يبقى ضمن الإطار الذي أنشئ من أجله، أي القضايا التي تستلزم تدخلًا تقنيًا متخصصًا، لا سيما عندما يكون الفاعل مجهولًا أو عندما يتطلب التحقيق خبرات تقنية دقيقة لا تتوافر لدى الوحدات العادية.
في المقابل، نشهد إحالة عدد كبير من الشكاوى التي يكون فيها الفاعل معروفًا، أو التي لا تنطوي على أي تعقيد تقني، إلى هذا المكتب، في حين أن المرجع الطبيعي لها هو وحدات الدرك الإقليمي. هذا الواقع يؤدي عمليًا إلى ضغط غير مبرر على جهاز محدود الإمكانيات البشرية، ويُفرغه من قدرته على أداء مهمته الأساسية بكفاءة.
فالآلاف من الشكاوى تُحال سنويًا إلى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية، في وقت لا يتوافر فيه سوى عدد قليل من رتباء وضباط التحقيق، المكلّفين في آن واحد بمهام جسيمة تشمل: المداهمات، التوقيف، التحقيقات، أعمال التبليغ، والمتابعة التقنية. فكيف يمكن لهذا العدد المحدود أن يواكب هذا الكم الهائل من الملفات دون أن ينعكس ذلك سلبًا على سرعة التحقيق وجودته؟
من هنا، تبرز ضرورة ملحّة لإعادة تنظيم آلية الإحالة، بحيث تُحصر الشكاوى ضمن نطاق القضايا التقنية الحساسة فقط، وبما يتلاءم مع طبيعة عمل المكتب واختصاصه الفعلي، الأمر الذي يساهم في تسريع التحقيقات، وتحقيق عدالة أكثر فعالية، وحسن استثمار للموارد الأمنية.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال الدور الأساسي للتوعية المجتمعية. فجزء كبير من الجرائم الإلكترونية ناتج عن جهل المستخدمين بأساليب الخداع الإلكتروني، والتصيّد الاحتيالي، وسوء حماية البيانات الشخصية. إن توجيه الناس إلى سبل حماية أنفسهم رقمياً، وتعزيز الثقافة الرقمية، يشكّل خط الدفاع الأول قبل وقوع الجريمة، وهو عنصر لا يقل أهمية عن الملاحقة القضائية نفسها.
أخيرًا، من الضروري التأكيد على عدم إحالة الشكاوى المقدّمة ضد وسائل الإعلام أو الصحافة إلى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية، كون هذه القضايا تدخل صراحة ضمن اختصاص محكمة المطبوعات، احترامًا لمبدأ التخصص وحمايةً لحرية التعبير ضمن الأطر القانونية.
إن حسن تطبيق القانون لا يقوم فقط على الملاحقة، بل على حسن توزيع الاختصاصات، والتوازن بين الردع والتوعية، بما يضمن فعالية العدالة وصون الحقوق في آن معًا.
“محكمة” – الجمعة في 2026/1/9



