مقالات

من لحظة القسم الى آخر المرافعة: حصانة المحامي لا تنتهي/ربيع طنوس

المحامي ربيع حنا طنوس:
المحاماة ليست مهنة تُمارس فحسب، بل رسالة تُقاس بكل ما فيها من صدقٍ وشرفٍ ومسؤولية. هي صوت العدالة حين تخفت الأصوات، وميزان الحق حين تميل الكفّة. في عمقها إلتزام أخلاقيٌّ قبل ان يكون قانونياً، ووقارٌ يلازم صاحبها منذ أن يضع يده على نصّ القسم، متعهداً أن يبقى أميناً للحق، نصيراً للعدالة، مكرّساً نفسه لخدمة الانسان والقانون.
منذ لحظة القسم، يولد في المحامي عهدٌ غير قابل للتجزئة، عهد الكلمة الحرة والموقف النزيه. ومن هذه اللحظة تحديداً، تبدأ حصانته المعنوية والقانونية، لا بوصفها إمتيازاً شخصياً، بل كضمانةٍ أساسية لقيام العدالة. وقد جاء نص المادة العاشرة من قانون تنظيم مهنة المحاماة ليكرّس هذا العهد في أبهى صوره، إذ ورد فيها ما يلي:” أقسم بالله العظيم، وبشرفي، أن أحافظ على سر مهنتي، وأن أقوم بأعمالها بأمانة وأن أحافظ على آدابها وتقاليدها، وأن أتقيّد بقوانينها وأنظمتها، وأن لا أقول أو أنشر، مترافعاً كنت او مستشاراً، ما يخالف الأخلاق والآداب، أو ما يخل بأمن الدولة، وأن أحترم القضاء، وأن أتصرف في جميع أعمالي تصرفاً يوحي الثقة والاحترام.
ولا يجوز للمحامي أن يبدأ في ممارسة المحاماة قبل حلف هذا اليمين”.
بهذا النص، يجعل المشرّع من القسم المدخل الإلزامي للمحاماة، لا من حيث الشكل فحسب، بل في الجوهر والمشروعيّة. فلا وجود قانونياً لممارسة المهنة قبل القسم، لان هذا اليمين هو الذي يمنح المحامي شرعيته الأدبية والقانونية معاً، فيصبح عمله تحت مظلّة القسم وضمن ضوء الحصانة.
القسم هنا ليس لحظة رمزيّة عابرة، بل نقطة ولادة المهنة في ضمير صاحبها، ومنها تستمد الحصانة معناها وعلّتها. فمن دون هذا الالتزام العلني بالشرف، لا يستقيم الدفاع ولا يُصان الحق، لأن المحامي يصبح مؤتمناً على العدالة بقدر ما يكون اميناً على قسمه. ومن ثم لم تأتِ الحصانة كمنحةٍ، بل كامتداد طبيعي لهذا القسم. فهي حماية للمهنة بقدر ما هي صونٌ لكرامتها، وضمانة لحرية الدفاع لا لمصلحة الشخص. فالمحامي لا يُباشر مهنته إلا بعد أن يعاهد الله وشرفه وضميره على أن يحترم القانون، ليُمنح بعد ذلك الحصانة التي تُمكّنه من ممارسة هذا الاحترام بحرية واستقلال.
ولعل ما يزيد هذا المفهوم صلابةً ووضوحاً أنّ المشرّع اللبناني أفرد للحصانات والضمانات باباً خاصاً في قانون تنظيم المهنة، بدءاً من المادة ٧٤ وما يليها ولاسيما المادتين ٧٦ و ٧٩ اللتين وردتا صراحةً تحت هذا العنوان. وهو ما يعكس تشدّد المشرّع في موجبات تأمين الحماية القانونية للمحامي أثناء قيامه بواجب الدفاع، بإعتبار أن أيّ مسٍّ بحصانته هو في جوهره مسٌّ بإستقلالية العدالة عينها. فالحصانة ليست ترفاً تشريعياً، بل جزء من البنية القانونية التي تصون حق الدفاع وتضمن توازن السلطة أمام قوس القضاء.
وعليه، فإن الحصانة ليست ظرفاً زمنياً محدوداً بزمان أو مكان، بل حالة دائمة تلازم المحامي ما دام اسمه مقيداً في الجدول العام. إنها تبدأ منذ لحظة القسم، وتبقى ما بقي أميناً لقسمه، مخلصاً لقيم المهنة، الى أن تنتهي حياته أو يزول قيده بأسباب الزوال الإرادية أو القانونية. فهي إذن ليست إمتيازاً بل مسؤولية، وليست حصناً، بل عهداً بين المحامي والعدالة. فالمحامي لا يحتمي بالحصانة لنفسه، بل ليحمي بها قضيته، ليظل قادراً على قول الحق دون خوفٍ أو ممالأة. هي حصانة الموقف الشريف والكلمة النزيهة التي تتقدّم على كل مصلحة شخصية أو نفوذ.
ولهذا كانت المحاماة ميثاقاً أخلاقياً قبل أن تكون نصاً قانونياً. فمن لا يَصون قسمه، لا تحميه حصانة. ومن بقي أميناً لها، تظل الحصانة تلتزمه حتى بعد أن يخلع ثوب المرافعة، لأن الشرف المهني لا يُعلق على المشجب ولا تُطمر جذوره في الثرى، بل يظل ينبت في ذاكرة العدالة كلما ذكر صاحبُه، شاهداً على نقاء الكلمة وصدق القسم .
لهذه الأسباب، تبقى الحصانة التي منحها القانون للمحامي رمزاً للأمانة قبل أن تكون درعاً للحماية وعهداً متصلاً من لحظة القسم إلى آخر المرافعة.
“محكمة”- الاثنين في 2025/11/17

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.