مقالات
مواضيع حسّاسة تتعلّق بالإنتخابات/ناضر كسبار
ناضر كسبار (نقيب المحامين السابق في بيروت):
عندما طلب مني الإعلامي اللامع السابق، والمحامي الحالي علي الموسوي، كتابة مقالة لنشرها في العدد الذي سوف يصدر خلال فترة الإنتخابات في تشرين الثاني 2025، فكّرت في عدة مواضيع، إلّا أنّ الموضوع الأبرز كان في توضيح بعض النقاط التي تطرح خلال فترة الانتخابات، ويجود بعض الزملاء بانتقادات لا نؤيّدها لأنّها بعيدة عن الواقع.
فقد نصت المادة 35 من قانون تنظيم مهنة المحاماة والمادة 38 من القانون عينه على ان الجمعية العامة هي المرجع الاعلى للمحامين، وتعقد اجتماعها العادي كل سنة في اول احد من تشرين الثاني…وان الاجتماع يعتبر قانونياً اذا حضره اكثر من نصف عدد الناخبين الذين لهم حق الاشتراك في التصويت. فإذا لم يكتمل هذا النصاب تكرر الدعوة لاجتماع آخر يعقد خلال خمسة عشر يوماً ويكون هذا الاجتماع قانونياً مهما كان عدد الحاضرين.
كما نصت المادة 45 من القانون عينه في فقرتها الأولى على أنّ مدّة ولاية أعضاء مجلس النقابة ثلاث سنوات. وتنتهي كل سنة ولاية ثلث الأعضاء…الخ.
ومن خلال الممارسة الفعلية على الارض، طرحت نقطة محورية وهي أنّ المرشح لمنصب نقيب في الدورة الثانية يجب ان يفوز بالعضوية (ما لم يكن عضوًا في المجلس) حتى يستطيع منافسة من فاز من بقية المرشحين لهذا المنصب. واقترح عدد كبير من المحامين أن يعدّل القانون بحيث يترشح المحامي لمنصب النقيب مباشرة بعد أن يتقدّم بطلب الترشّح لهذا المنصب. فإذا لم يفز لا يكون عضواً في مجلس النقابة. والعبرة من هذا الطرح أنّ من يترشّحون لمركز عضوية ومنصب نقيب قد يفوزون دون غيرهم من المرشّحين فقط للعضوية، وهذا ما حصل عدّة مرات إذ فاز من كان مرشّحاً لمنصب نقيب بالعضوية وكان عددهم أربعة أعضاء. فيدخلون المجلس وقد لا يمارسون العضوية بالشكل المطلوب، من جهة، بسبب التنافر الذي يكون حاصلًا أثناء المعركة الإنتخابية، ومن جهة ثانية لأنّه يكون مرشّحًا لمنصب نقيب، فلا يوافق على تولي مركز داخلي كمقرّر تدرّج أو جدول عام أو غيرها (هذه ليست قاعدة). هذا عدا عن أنّ الأمر قد يؤثّر على المرشّحين فقط لمركز العضوية كما أشرنا اعلاه.
مسألة ثانية تطرح من قبل البعض وهي الآتية:
لماذا نضطرّ لانتخاب أربعة أعضاء جدد كلّ سنة بدلًا من انتخاب 12 عضوًا كلّ ثلاث سنوات، وهكذا يأتي فريق عمل متجانس داخل المجلس. أما الجواب على هذا الطرح فيتمحور حول ضخّ دم جديد كلّ سنة. فلا يغيب المرشّحون عن الناخبين ثلاث سنوات، بل يضطرّون للوجود بينهم بصورة دائمة. كما يخلق حماسًا كلّ سنة خصوصًا وأنّ معظم المحامين ينتظرون هذه المناسبة للتلاقي داخل قاعة “الخطى الضائعة” وانتخاب من يودّون انتخابهم. بالاضافة إلى أنّه إذا تمّ انتخاب 12 عضوًا دفعة واحدة، قد يكون هناك تنافر داخل المجلس ويضطرّون لتحمّل بعضهم ثلاث سنوات، في حين أنّه إذا حصل انتخاب أربعة أعضاء كلّ سنة، قد يحاسب الناخب عضو المجلس الذي يعتبره غير فعّال أو معارض من دون سبب، أو لأسباب أخرى.
أمّا بالنسبة لمسألة الانتخابات بشكل عام في النقابة، فيعتقد البعض أنّ غالبية المحامين تعد معظم المرشّحين بانتخابهم. إلّا أنّ ملاحظاتي حول هذه النقطة فهي التالية:
المحامون، بعكس بقيّة المهن الحرّة كالأطباء والمهندسين وغيرهم، يعرفون بعضهم جيّدًا، ويلتقون بشكل يومي في المحاكم، ويتوكّلون عن موكّلين ضدّ بعضهم ويلتقون لمحاولة الصلح. فهم على تواصل مع بعضهم، ومعظمهم يكون محرجًا مع هذا المرشّح أو ذاك. إلّا أنّ ما لا يعرفه البعض، هو أنّ المحامي يجيد اختيار مرشّحه وذلك من خلال طريقة التعامل في الملفّات، وطريقة تعامله مع القضاة ومع زملائه المحامين ومع الخبراء ومع موكّليه. وكذلك بالإستناد إلى أدبيات المهنة والمناقبية.
أمّا النقاط الدقيقة التي سوف أتطرّق إليها، وهي حسّاسة جدًّا، وموضوع خلاف كبير، فهي مسألة واجبات المرشّح من تهاني وتعازي. كذلك الولائم التي يقيمها، والكلام عن مسيرته المهنية والنقابية والاجتماعية وغيرها. هذه المواضيع الدقيقة والحسّاسة التي يحاول الكثيرون الابتعاد عن كتابتها ومناقشتها، يجب أن تطرح على بساط البحث بطريقة جدّية.
وبالفعل،
1- ينتقد معظم الزملاء المحامين المرشّحين الذين يقومون بواجبات التعازي والتهاني وغيرها، دون أن يعلموا أنّ هذه الواجبات تكلّف المرشّح الوقت والجهد. إذ أحيانًا يمضي الساعات الطوال على الطرقات للوصول إلى مكان التعزية والقيام بالواجبات مع زميله أو زميلته. طبعًا نحن لا نقول بأنّه يقتضي انتخاب المرشّح الذي يمضي حياته بالقيام بهذه الواجبات، ولا يتحلّى بالعلم والثقافة والمناقبية والنشاط وحبّ العطاء. ولكنّ هذا الأمر هو عنصر من العناصر المطلوبة من المرشّح، لأنّها تدلّ أيضًا أنّه قريب من زملائه، وبأنّه يحترم حزنهم وفرحهم.
2- موضوع الولائم. وهذا موضوع حسّاس جدًّا جدًّا. ويتفاصح البعض بانتقاد المرشّحين الذين يقيمون الولائم، وهم أوّل من يلبّونها. ويحكم الارشيف الكبير الذي أملكه من الصور، ولديّ مئات الصور لهم وصحن الحمص أمامهم. ومن يتكلّم عن هذا الموضوع بشكل مبتذل، إنّما يهين زملاءه وكأنّهم يلبّون الولائم لينتخبوا هذا المرشّح أو ذاك. وبحكم انخراطي في العمل النقابي منذ أوائل الثمانيات، لا أتذكّر أنّ مرشّحًا وخصوصًا لمنصب نقيب، لم يقم الولائم. أما الفرق فهو أنّه لم يكن هناك “فايسبوك” وصور للولائم. زوجة أحد النقابيين إنتقدت الولائم، فأرسلت لها أكثر من ثلاثماية صورة من الكرتون تعود إلى عشرات السنين حيث كانت الولائم عامرة. ثمّ ألم يكتب الزميل جوزيف أبو فاضل عن “حرب الفنادق” يوم كان مرشّحان (أصبحا نقيبين لاحقًا) يقيمان بشكل شبه يومي الولائم في الفنادق؟
أكتب هذا الكلام لا لأشّجع إقامة الولائم أو تلبيتها، ولكن لأقول إنّها فرصة للتلاقي بين الزملاء. ومن لا يريد تلبيتها فليمكث في منزله لا أن ينتقد ويحضر في الطليعة والصور الحديثة موجودة.
3- ينتقد بعض الزملاء المحامين زملاءهم المرشّحين أنّهم يتكلّمون عن أنفسهم وعن أعمالهم وإنجازاتهم خلال مسيرتهم المهنية والحياتية والنقابية. فهل يريدونهم أن يتكلّموا عن أعمال وإنجازات الآخرين؟. منذ عدة سنوات كان معالي النائب المحامي فؤاد السعد (رحمه الله)، يخطب في مجلس النوّاب ويضع يده في جيبه. فطلب منه دولة الرئيس سحب يده من جيبه فقال له: على الأقلّ أضع يدي في جيبي وليس في جيوب الآخرين.
وبالتالي على المرشّح أن يتكلّم عن تاريخه وعن أعماله وعن إنجازاته وعن مسيرته المهنية والنقابية. وعن تطلعاته المستقبلية. وأن يبتعد عن تقزيم المرشّحين الآخرين. ونصيحتي للمرشّحين أنّ الناخب يحترم المرشّح الذي لا يقزّم بزميله المرشّح الآخر والذي يدير معركته الانتخابية بأدب ومناقبية، ويشرح مواقفه لأنّها بالنتيجة معركته.
نقابة المحامين، كانت ولا تزال أمّ النقابات، وهي أمّنا الجامعة وملاذنا الآمن، ولا يمكن أن ينال منها، ومن الزملاء المحامين والزملاء المرشّحين، صوت نشاز من هنا، وصوت نشاز من هناك. والحقيقة تنتصر دائمًا في النهاية.
(نشرت هذه المقالة في النسخة الورقية من مجلة محكمة – العدد 53 – تشرين الثاني 2025).
“محكمة” – السبت في 2025/11/15



