علم وخبر

نزاهة الإنتخابات النيابية: بين النص والتطبيق/قمر محيش

الدكتورة قمر محيش:
مما لا شك فيه أن الإنتخابات النيابية هي الحجر الأساس في النظام الديمقراطي، إذ تعتبر الوسيلة الدستورية التي يملكها الشعب ليعبّر عن سيادته ويجدد شرعية السلطات السياسية ويشارك في إدارة الشأن العام ، فهي حق مقدّس ولا يمكن أن تقاس قيمتها بمجرد إجرائها في موعدها، وسط ضجة إعلامية – شعبوية غير مسبوقة، بل بمجرد توافر فيها الضمانات القانونية التي تكفل حسن سيرها ونزاهتها وشفافيتها، فالإنتخابات التي تفتقر الى كل هذا، ليست سوى شعار جميل فارغ نتغنى به، فالناخب هو العنصر الأهم في العملية الإنتحابية وصناعة القرار السياسي، وعليه قبل أي شيء أن يكون الساهر على هذا الإستحقاق الديمقراطي وليس الخنجر فيه.
وقد سعى المشرع اللبناني، من خلال القانون الإنتخابي الحالي رقم 2017/44 الى تنظيم العملية الإنتخابية عبر مجموعة من القواعد التي تستهدف بالطليعة، تحقيق تكافؤ الفرص بين المرشحين، وضبط الإنفاق الإنتخابي، ومنع إستغلال المال العام أو النفوذ الإداري، وتنظيم عملية الإقتراع والفرز والطعن بالنتائج، فضلاً عن إخضاع العملية الإنتخابية لرقابة قضائية وإدارية على حد سواء.
ويُعد ضبط الإنفاق الإنتخابي من أحد أبرز عناصر هذه الحماية، وقد سبق وتناولناه بالتفصيل في مقال سابق نظراً لأهميته،إذ إنّ تضحم المال السياسي يؤدي حتماً الى تجريد العملية الإنتخابية من عدالتها ويحولها الى نشاط سياسي- مالي بامتياز، لذلك إنّ احترام سقوف الإنفاق والتصريح عن الموارد المالية يشكلان التزاماً قانونياً لا يمكن التهاون فيه ويترتّب على مخالفته جزاءات يجب أن تصل الى إبطال النتائج إذا اقتضى الأمر .ومما لا يخفى أن الإنتخابات في لبنان غالباً ما تشوبها في هذا الإطار ممارسات غير ديمقراطية وقد تتخذ أشكالاً مادية وعينية، رغم أن المادة 62 من قانون الإنتخاب تحظر بشكل صريح تقديم أي خدمات أو مبالغ مالية للناخبين خلال الحملات الإنتخابية ومنها على سبيل البيان لا الحصر: التقديمات والمساعدات النقدية الى الأفراد والجمعيات وجميع المؤسسات الرسمية، الّا أن ضعف الرقابة والشعبوية هي الحضن الآمن لهذه الممارسات، والقانون اللبناني لم يأت بتعريف واضح للرشوة الإنتخابية مما فتح الباب واسعاً للتأويل والإلتفاف وسمح بتسرّب الكثير من المخالفات.
من هنا نشير الَى أن الإنتخابات النزيهة لا تكتمل دون رقابة فعّالة، فالهيئات الرقابية تشكل صمام الأمان لضبط هذه المخالفات والممارسات غير المشروعة، فضلاً عن أن هذه الهيئات الرقابية تعاني بشكل كبير من ضعف الصلاحيات ومحدودية الموارد ممّا يحدّ بشكل كبير من قدرتها على الإحاطة بمثل هذه الإنتهاكات، لذلك لا بُد من دعم هذه الرقابات وتعزيز استقلاليتها ومدّها بالصلاحيات والمقومات اللازمة كونها تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الإنحرافات التي تمس الإرادة الشعبية.
كما تبرز في هذا السياق، أهمية الطعون الإنتخابية التي تشكل ضمانة دستورية جوهرية لحماية الإرادة الشعبية، ونظراً لذلك أوكل القانون مهمة النظر في الطعون الإنتخابية والفصل في النزاعات الناشئة عنها الى المجلس الدستوري باعتباره المرجع القضائي المختص بمراقبة صحة الإنتخابات النيابية على أن يقدم الطعن خلال مهلة ثلاثين يوماً تلي تاريخ اعلان النتائج بما يجعله الحارس القضائي لسلامة العملية الإنتخابية، ولا يمكن تصور قيام تمثيل نيابي صحيح إذا لم تكن نتائجه قابلة للمراجعة القضائية.
وننوّه أيضاً بظاهرة استغلال الوظيفة العامة أو موارد الدولة لأغراض انتخابية وهو ما يعدّ من أخطر أشكال الإنحراف في استعمال السلطة لما ينطوي عليه من مساس مباشر بحياد الإدارة العامة. فأي توظيف للسلطة أو الخدمات العامة لمصلحة جهة سياسية معينة يعتبر خرقاً فاضحاً لمبدأ المشروعية وقد يندرج تحت مسمى” الفساد الإنتخابي”. ولبنان يحتل في هذا الإطار، مراتب متدنية جداً على مؤشر مدركات الفساد الصادر عن “منظمة الشفافية الدولية” ممّا يعكس بشكل واضح وجلي غياب الشفافية والنزاهة عن أي رؤى وقضايا وطنية بما فيها الإنتخابات النيابية.
وفي الختام، ان حسن سير الإنتخابات لا يتحقق فقط عبر النصوص القانونية، إنما يتطلب ثقافة قانونية لدى المرشحين والناخبين على حد سواء. فالتزام القانون يجب أن يكون نابعاً من وعي وطني أنّ العملية الإنتخابية هي شرط أساسي لبناء دولة المؤسسات وعلى المواطن خصيصاً أن يعلم أن هذا الإستحقاق وضع أولاً وأخيراً من أجله، فواجبه أن يكون الساهر الأول على حسن ممارسته. فالإنتخابات النيابية ليست مجرد حدث دوري اعتدنا أن نهلل له، بل هي اختبار حقيقي لمدى احترام دولة القانون فكلما تعززت الضمانات القانونية وتفعّل دور الهيئات الرقابية ازدادت ثقة المواطنين بالعملية الإنتخابية وترسخت شرعية المؤسسات المنتخبة.
“محكمة” – السبت في 2026/2/7

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.