مقالات

نزيف الطرقات في لبنان: حين يغيب القانون وتستباح الأرواح/عاطف منصور

المحامي عاطف حسن منصور:
لم تعد حوادث السير في لبنان مجرد وقائع عابرة أو أرقام تتكرر في نشرات الأخبار، بل أصبحت كارثة وطنية تزهق الأرواح وتستنزف المجتمع. فطرقات البلاد تحولت إلى شِباك موت تتداخل فيها عوامل الإهمال والفوضى وإنعدام الردع.
تعددت الأسباب والموت واحد، لكنها تلتقي جميعها عند غياب تطبيق القانون وضعف الثقافة المرورية. فالسرعة المفرطة والقيادة المتهورة وإستخدام الهاتف أثناء القيادة، وعدم إحترام إشارات السير أو أولوية المرور، هي في مقدمة الأسباب البشرية التي تؤدي إلى الحوادث القاتلة. يضاف إليها القيادة في حال التعب أو تحت تأثير المواد المسكرة، وعدم الإلتزام بوضع حزام الأمان أو خوذة الرأس، فضلاً عن عبور المشاة في غير الأماكن المخصصة.
ومن الأسباب الجوهرية لتفاقم الحوادث المرورية وجود عشرات الالآف من الوافدين والمقيمين الأجانب الذين يقودون سيارات ودراجات نارية من دون رخص قانونية أو تدريب مسبق على القوانين المحلية للمرور، فضلاً أن عدداً منهم يستخدم المركبات لأغراض العمل والنقل اليومي في ظل غياب رقابة فعلية (كالتكتوك مثلاً)، وهذا يستوجب تنسيقاً بين الأجهزة الأمنية ووزارتي العمل والداخلية حماية للأرواح واحتراماً لسيادة القانون.
أما من الناحية التقنية، فتشكل الحالة السيئة للطرقات أحد الأسباب الجوهرية، إذ تنتشر الحفر والمطبات العشوائية وإنعدام الإنارة أو الإشارات الضوئية والتحذيرية، إلى جانب غياب الصيانة الدورية للمركبات وتعطل نظام المعاينة الميكانيكية والسماح في إستيراد الإطارات المستعملة. كما أن المركبات غير المؤمنة وغير المرخصة تجوب الطرق من دون حسيب أو رقيب.
وتبرز اليوم ظاهرة الدراجات النارية كأخطر ما يهدد السلامة العامة، إذ تقاد من دون رخص ولا لوحات، وغالباً من قبل قاصرين أو عمال توصيل لا يخضعون لأي تدريب، ما حول هذه المركبات إلى قنابل متحركة تزرع الخوف في الشوارع وتستبيح الأرواح.
القانون اللبناني، وبموجب قانون السير رقم 2012/243 الصادر بتاريخ 2012/10/22، واضح في تحديد المسؤوليات وتنظيم إستخدام الطرق وفرض الغرامات والعقوبات على المخالفين، غير أن المشكلة تكمن في ضعف تطبيقه، مما أفقده فعاليته وهيبته. فالمادة الأولى تخضع إستعمال الطريق لشروط السلامة العامة، فيما تفرض المواد اللاحقة آليات للمراقبة والمعاينة والتدريب، لكن التنفيذ غائب أو إنتقائي في معظم المناطق.
ولعل الحل المنشود يكمن في إعادة النظر ببعض مواد هذا القانون عبر تعديل يواكب الواقع المروري والإقتصادي الراهن بحيث تشدد العقوبات وتفعل آليات الردع، ويعاد تنظيم منح رخص القيادة وفق معايير أكثر صرامة وتدريباً إلزامياً. إنّه تمن مشروع يأمل اللبنانيون أن يتحقق قريباً ليعيد إلى القانون هيبته، ويضع حداً لنزيفٍ لم يعد يحتمل.
إنّ إقرار إصلاح كهذا يشكل ضرورة وطنية قبل أن تتحول الطرق إلى مقبرة مفتوحة. فالقانون يجب أن يطبق لا أن يعلق، والمسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والأفراد، والمطلوب اليوم إرادة تنفيذ لا نصوص معلقة أو متابعة مؤقتة، لأنّ حماية الحياة هي أسمى القوانين.
“محكمة” – الخميس في 2025/11/13

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.