أبحاث ودراسات
نقابة المحامين في بيروت.. في خدمة الإنسان ولبنان/ أمل حداد
أمل فايز حداد (نقيبة المحامين سابقاً)*:
لبنان، الذي أرْوَت ترابه دماء الشهداء،
لبنان، الذي كتب حكايات النضال أطفالُه والنساء؛
وخطَّ أساطيرَ المقاومة فلاسفةٌ وعلماءُ، رؤساءُ وشعراءُ، ذوو عمائم، وأصحابُ قلانس؛
وتبارى للذود عن حياضه شيوخٌ وشبّانٌ، مسيحيُّون ومسلمون وعلمانيّون، أمراءُ ومقدّمون، عمّال وكادحون؛
لبنانُ، البركانُ القاذفُ حُمَماً ملتهبةً،
المحطِّمُ المزدرين كرامتَه،
الساحقُ المحتقرينَ شأنَه،
المنتقمُ من المستخفِّين بحقوقه،
المدمِّرُ المستهينين بمقدَّساته والحُرُمات،
المؤْثرُ الموتَ إنتحاراً على عيشٍ ذليل،
لبنانُ، الناشدُ أَمْنَه والأمان،
الضنين بعزّة نفسِه،
الساعي إلى كريم المأكل،
الغيورُ على حرية الرأي والعقيدة،
الُمباهي بقول ما لا يقولُ سواه،
الكاتبُ ما لا يَخْطُرُ إلاّ على بالِه،
الميّال إلى التمرّد والعصيان،
السريعُ اشتعالُه لأدنى قولةٍ أو إشارةٍ أو تلميحٍ يَغُضُّ من قدره؛
هذا اللبنانُ، العَصِيُّ، العَتيُّ، كان أبناؤه وبناتُه، على صورته ومثاله، أعْصِياءَ لا ينقادون، وعُتاةً يتمرّدون:
في قديم الزمان، وفي وجه الغزاة والفاتحين، وقفوا رماحاً لا تَهُونُ ولا تلينُ.
أمّا في حاضرِ زمانِنا، فها هم يكتبون، بمِدادِ أجسادهم، ملاحمَ مقاومةٍ وشهادات؛… أربَكت العدو الإسرائيلي وقضّت مضاجعه.
وإزاءَ مَنْ آذَوْهُم، في الداخل من بني قومهم والحكّام والمتحكّمين، فقد وَثَبوا نموراً شرسةً لا يَسْتكينون إلى ضَيمْ، وانقضُّوا عِقْباناً جَوارحَ ينتزعون بمخالبهم والبراثن حقوقاً اغْتُصِبَتْ، وحرِّياتٍ دِيْسَتْ، وكراماتٍ امْتُهِنَت، مُحْدثينَ في المجتمع اللبنانيّ، انتفاضة وانقلاباً هنا، أو ثورةً وهَيَجاناً هناك، أو عاميّةً وإعتصاماً هنالك.
واللبنانيون واللبنانيات، في ذلك كلّه، لا يأبهون بما يسقط لهم من شهداء:
فالنارُ عنَدهم ولا العار. والمنايا ولا الدنايا. والساكتُ عن الحقِّ شيطانٌ أخرسُ.
وللحريّة الحمراء بابٌ بكلِّ يدٍ مضرَّجةٍ يُدقُّ
باسم هذا اللبنان، تكلَّم منذ نحوِ خمسة وثمانين عاماً، أحَدُ حكمائه الشباب – النقيب فؤاد الخوري، فقال عبارتَه الذهبيّة التي جعلناها لدورتنا هذه شعاراً:
“الدفاع عن الحرّيّة والوطن حقٌّ مقدَّس لكلِّ مواطنٍ، وواجبُ مفروضُ عليه”.(من كلمة نقيبة المحامين في بيروت أمل فايز حداد في افتتاح أعمال المكتب الدائم لإتحاد المحامين العرب في بيروت بتاريخ 2010/7/13).

هذا الوطن- لبنان الكبير- كان له وما يزال نقابةً رائدةً تواكبه في كلّ محطاته “في السراء والضراء” وتعاند كلّ مَن ينال منه، ومن مواطنيه، ومن قضائه، ومن العدالة. إنّها نقابة المحامين في بيروت، التي تأسست عام 1919، قبيل إعلان لبنان الكبير عام 1920. فهذا لم يكن بالـتأكيد صدفةً، إنّما موعداً مع التاريخ. ونقابة المحامين في بيروت كانت الرافد الأول لرجالات الدولة، آنذك، هؤلاء أوّل الذين آمنوا بهذه الدولة وساهموا في بناء مداميكها الأولى وما فتؤوا يعلون في البناء على مدار مئة سنة ونيف.
هذه النقابة-أمّ النقابات- ليست مجرد كيان قانوني، بل هي رمزٌ متجذرٌ في نضال الشعب اللبناني وتاريخه، حاملةً رسالةَ الحرية والعدالة، ومتصديةً لدورٍ وطني فريد يتجاوز حدود الدفاع عن حقوق المحامين. فهي هيئةٌ متميزيةٌ تحمي الحريات العامة وتصون حقوق الإنسان، وهي التي قادت في أحلك الظروف الدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله القانوني، متحديةً الاحتلال والاستبداد والطغيان، وحاملةً لواء الحق والعدالة.
فما من موقف أو حدث كبير تترتب عليه نتائج تمّس الوطن أو بمحيطه إلاّ وكان لنقابة بيروت موقف وقرار.
بالفعل إنّ مبادئ ثابتة وسامية ترعى رسالة نقابة المحامين الوطنية في سبيل مجتمعٍ لبنانيّ أفضل، منها:
1) الوطن موكّلنا الأوّل، والمحامون همْ وكلاء طبيعّيون للوطن في كلّ حين، وأيّ فعل اعتداء عليه هو دعوةٌ مفتوحةٌ للدفاع عنه.
2) للمحامي دورٌ وطنيّ في صيانة القانون وفي الدفاع عن حرمة الوطن وسيادته وحقوق الإنسان وكرامته.
3) تحصين إستقلال لبنان وصون الحريّات العامّة وحقوق الإنسان، هو الدور الأساس لنقابة المحامين منذ تأسيسها. فالحريّة وديعة في أيدينا، وفي زمن الإنهيارات والتشرذم الذي نعيشه، لا بدّ من الدفاع عنها صدّاً لكلّ الأخطار التي تُحدق بها من أيِّ صوبٍ أتت.
4) المرأة شريكة فاعلة في صنع القرار الوطني. ويشرّف نِقابة المحامين قافلة من الزميلات المنضويات الى صفوفها منذ سنة 1932.
5) أعطت النقابة المواطنين مثلاً نموذجياً حول الوحدة الوطنية والعيش معاً ببقائها وحدة متماسكة تصلح ركيزة ضخمة أساسية لبناء وطن.

فلنلقي الضوء على دور النقابة الوطني الرائد في بعض المحطات التي نشير إليها على سبيل المثال لا الحصر:
البداية: النشأة ودور النقابة في محاربة المحاكم المختلطة:
مع بداية العشرينيات من القرن الماضي، ووسط سيطرة الانتداب الفرنسي، برزت نقابة المحامين في بيروت كأوّل صفعةٍ على وجه هذا الإنتداب، عندما رفضت المحاكم المختلطة التي أُنشئت لتحاكم اللبنانيين بغير لغتهم وتفرض عليهم أحكاماً أجنبية. دافعت النقابة باستماتة عن سيادة القانون اللبناني، ورفضت أي تدخل خارجي في النظام القضائي الوطني، لتصبح في طليعة الحركة الوطنية التي تنادي باستقلال لبنان القانوني والسياسي.
في هذه المرحلة، كان المحامون في طليعة صفوف المجتمع، يرفعون شعارات الاستقلال ويقاومون المحاولات الفرنسية لإخضاع لبنان. كان موقف نقابة المحامين يمثل أحد أعمدة النضال الذي أجبر فرنسا على الاعتراف تدريجياً بحق اللبنانيين في سيادة قانونهم على أرضهم.
استقلال ونقابة المحامين: مشاعل الحرية تضيء دروب النضال:
في عام 1943، كانت نقابة المحامين شريكةً حقيقية في معركة الاستقلال، حيث لعبت دوراً محورياً عندما اعتُقلت القوات الفرنسية زعماء لبنان. شهدت النقابة حينها احتجاجات حاشدة وإضراباً شاملاً للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين، وواجهت ضغوطات الانتداب بتصميم لا يُقهر. عكست هذه الاحتجاجات عمق الروح الوطنية داخل النقابة، وشكلت أحد العوامل الأساسية التي أدّت إلى جلاء القوات الفرنسية من لبنان ونيل الاستقلال، لتصبح النقابة رمزاً للوطنية المتأصلة في قلب كل لبناني.
الحرب الأهلية اللبنانية: حماة القانون في زمن الفوضى:
عندما اندلعت الحرب الأهلية في لبنان (1975-1990)، تزعزعت جميع ركائز الدولة، باستثناء ركائز العدالة التي واصلت النقابة دعمها وإعلاءها فوق جميع الانتماءات الطائفية والسياسية. رفضت النقابة، بتماسكها وثباتها، الخضوع لضغوط الأطراف المتنازعة، وحافظت على حيادها المبدئي في الدفاع عن القيم القانونية والإنسانية.
وفي حين تحولت شوارع بيروت إلى ساحة قتال، كان قصر العدل بمثابة الحصن الأخير الذي ظل محايداً، حيث اجتمع المحامون للدفاع عن حقوق الإنسان، ولم يترددوا في توثيق جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان من الأطراف المتنازعة كافة. كانت النقابة في هذه الفترة شرياناً ينبض بالحياة والكرامة، رافضةً اليأس، ومثبّتةً أسس العدالة حتى في أحلك الأوقات، ما جعلها أحد رموز التعايش السلمي في مجتمع مزقته الفتنة.
وفي شهر تشرين الأول من عام 1981، في خضّم الحرب، سجّل المحامون ملحمة وطنية كبرى حين تحدّوا القصف والخوف، وتوجّهوا من جميع المناطق والطوائف إلى قصر العدل لإجراء انتخابات حرّة بعد ثماني سنوات من الانقطاع القسري. كانت تلك التظاهرة الوطنية، التي توّجت بانتخاب عصام الخوري نقيباً للمحامين، علامةً مضيئة في تاريخ لبنان، إذ مثّلت انتصاراً للشرعية والحرية على الرعب والظلام، وأعادت الثقة إلى الجسم النقابي الذي أنهكته الحرب.
وفي حزيران 1982، حين اجتاحت إسرائيل الجنوب ووصلت إلى العاصمة بيروت، كان للنقابة، بقيادة النقيب عصام الخوري، موقفٌ وطنيّ مشهود: أدانت الاحتلال، طالبت برفع الحصار عن بيروت، ورفعت الصوت عالياً في وجه العدوان دفاعاً عن السيادة والكرامة. كانت النقابة يومها، كما في كلّ زمن، صوت الوطن الحرّ في وجه الاحتلال، ودرعاً يحمي ضمير العدالة وسط النيران.
مواجهة الفساد: معركة النقابة ثابتة وراسخة ومستمرة:
بعد الحرب الأهلية، بدأ لبنان يواجه تحديات من نوع جديد، أبرزها الفساد المستشري في جميع مؤسسات الدولة. وقد رأت نقابة المحامين أن هذه الآفة هي العدو الأكبر للوطن، ووضعت مكافحة الفساد في مقدمة أولوياتها. أطلقت النقابة مبادرات عديدة لرصد الفساد والتصدي له بهدف مراقبة أداء المؤسسات العامة، ومحاسبة من يسيئون استخدام السلطة لتحقيق مكاسب شخصية. وقد أثبتت النقابة من خلال هذه المبادرات الفعالة أنها ليست مجرد مؤسسة نقابية، بل هي “ضمير الوطن” الحي، صوت العدالة الذي لا يسكت.
وبينما كان النظام الطائفي يسعى لتسييس القضاء والسيطرة على المؤسسات، وقفت نقابة المحامين سداً منيعاً، مطالبةً باستقلالية القضاء عن أي تدخلات سياسية، وحرصت على حماية القضاة من أي ضغوط تمارس عليهم. وأكدت النقابة على أن استقلال القضاء هو العمود الفقري لدولة القانون، وأن ضمان نزاهة القضاء هو الخطوة الأولى في بناء مجتمع عادل.
انتفاضة عام 2019 ودور النقابة: صوت الشعب وقلبه النابض:
في أواخر عام 2019 والعام 2020، عندما خرج اللبنانيون إلى الشوارع مطالبين بإسقاط النظام الطائفي الفاسد، وقفت نقابة المحامين إلى جانبهم بقوة، مدافعةً عن حق الشعب في التعبير عن رأيه والمطالبة بحقوقه. أيدّت النقابة مطالب الناس بتغيير شامل لنمط النظام السياسي ومكافحة الفساد، وأعلنت في بياناتها الرسمية أنها لن تتخلى عن دورها في مراقبة وحماية حقوق المواطنين.
ولم يكن هذا الدعم مجرد موقفٍ نظري؛ فقد أطلقت النقابة لجاناً قانونية مختصة لتوثيق حالات الاعتقال التعسفي والانتهاكات ضد المتظاهرين، ولتقديم الدعم القانوني للمتظاهرين الموقوفين، وهو ما عزز من ثقة الشعب بالنقابة ورسّخ دورها التاريخي كسند حقيقي لكل مواطن لبناني يطمح إلى الحرية والكرامة.

النقابة في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية: درع الفقراء والمستضعفين:
في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، والتي طالت جوانب الحياة في لبنان كافة، أخذت النقابة على عاتقها دوراً اجتماعياً بارزاً. أطلقت مبادرات قانونية تهدف إلى حماية حقوق الفئات الضعيفة في المجتمع، والدفاع عن مصالحهم أمام جشع المصارف والسلطات المالية. وقد عملت النقابة على تقديم الدعم القانوني للمودعين الذين خسروا أموالهم نتيجة انهيار النظام المالي، وسعت لحماية حقوقهم ومحاسبة من تسبّبوا في ضياع أموالهم.
ولا ننس عمل نقابة المحامين الدؤوب إبّان فاجعة إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب، فوقفت وما تزال الى جانب أهالي الضحايا والمتضررين، سعياً منها لتأمين حقوق هؤلاء، وكشف الحقيقة وتحقيق العدالة في هذه القضية الكبرى.
كذلك، لم تغفل النقابة عن حقوق المرأة والطفل، حيث أطلقت عدة لجان مختصة لمعالجة قضايا مثل حقوق المرأة، والعنف الأسري، وحقوق الأطفال، وحماية البيئة، وحقوق العمال. فقد أكدت النقابة أن حقوق الإنسان ليست مسألة ثانوية، بل هي الأساس الذي تقوم عليه دولة القانون، وأن بناء مستقبل أفضل يتطلب احترام حقوق جميع أفراد المجتمع، بغض النظر عن انتماءاتهم أو خلفياتهم.
النقابة مؤسس وعضو فاعل في إتحاد المحامين العرب:
منذ نشأتها، أدّت النقابة دوراً عربياً فاعلاً في اتحاد المحامين العرب، وكانت في كلّ مؤتمراته صوت لبنان العروبي، المدافع عن العدالة والحرية والحق والعروبة.
وخلال الأعوام 2009 إلى 2011، إستمرّت النقابة، برئاسة النقيبة أمل فايز حداد في هذا الدور التاريخي، في تجسيد البعد الوطني والعربي في أسمى صوره. فقد أكدت في بياناتها ومشاركاتها أن رسالة النقابة لا تقتصر على الشأن المهني، بل تشمل الدفاع عن القضايا العربية العادلة، وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية، وعن وحدة لبنان واستقلاله وسيادته
وانخرطت النقابة كما دائماً، بفعالية في أعمال اتحاد المحامين العرب. كما شدّدت النقابة في خطاباتها على الحوار والتلاقي، وعلى ضرورة نبذ العنف الكلامي والمادي، معتبرةً أنّ الحوار هو السلاح الأسمى لحماية الوطن.
وفي المؤتمرات العربية والدولية، كانت مواقف النقابة تعبّر عن لبنان في وجه مشاريع التقسيم والتطرف، داعيةً إلى صون العيش المشترك وإلى تحصين المجتمع ضد التدخلات الأجنبية. هكذا كانت بيروت، عبر نقابتها، منارةً للحرية والفكر، تذكّر العرب والعالم بأنّ لبنان وطن حدوده الحرية، وبأنّ المحامين فيه هم حملة مشعل القيم الإنسانية والقانونية على السواء.
وإيماناً منها بتداول السلطة التنفيذية في الإتحاد بين جميع المحامين العرب وبالتالي بين نقابات جميع الدول التي ينتمي إليها الأعضاء الأصليون والمنضمون،
وبما أنّ نقابتنا هي من النقابات المؤسسة للإتحاد عام 1944، وبما أن الزميل الأستاذ عمر الزين هو من المحامين المنتسبين إلى نقابة المحامي في بيروت وكان لأدائه النقابي ونشاطاته على صعيد الإتحاد الأثر الطيب والفاعل لبنانياً وعربياً مما دفعه لتقديم ترشيحه لمنصب الأمين العام، وقد أصدر مجلس نقابة المحامين في بيروت في جلسته المنعقدة بتاريخ 2011/6/17 قراراً بدعم ترشيح وتأييد إنتخاب المحامي الأستاذ عمر زين لمنصب الأمين العام، ودعا السادة النقباء وممثلي النقابات والأعضاء المنضمين التجاوب مع هذا الموقف الذي يستحقه الزميل الأستاذ عمر زين، وتوحيد الجهود لإفساح المجال لهذا الزميل الناشط والحائز على تقدير وثقة الجميع بأن يحمل راية الحق والعدالة لتحقيق أمل النهوض المنشود،
ونظراً للإتصالات التي قامت بها نقابة المحامين في بيروت ولدور النقابة الرائد وطنياً وعربياً،
ونظراً لإدارة وحكمة ودراية نقيب المحامين في طرابلس الراحل النقيب الأستاذ بسام الداية رحمات الله عليه. ونظراً للجهود المبذولة من الزميل الأستاذ عمر زين، ونظراً للدعم والتأييد الذي لاقاه ترشيحه من السادة جميع النقباء السابقين في بيروت وطرابلس، وفي انتخابات اليوم الأول للمكتب الدائم في 2011/7/7 فاز الأستاذ عمر زين بمنصب الأمين العام لإتحاد المحامين العرب بالإجماع وهو أول لبناني يولى سدة الأمانة العامة والتي ترتب عضوية لبنان فيه مسؤولية كبيرة في الدفاع عن حقوقنا الوطنية، والقضايا العربية وقضايا العدل والسلام في العالم وحقوق الشعوب البائسة، وفي مقدمها قضية فلسطين وحقوق شعبها الوطنية المشروعة في مواجهة إسرائيل وممارساتها العدوانية، واستمرارها في احتلال الأراضي العربية المغتصبة، وانتهاكها القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي. كما تجدّد النقابة إلتزامها التضامن العربي في الدفاع عن هذه الحقوق الوطنية والإنسانية ومشاركة فاعلة في بذل الجهود من أجل إحقاقها.
وفي افتتاح المكتب الدائم في دورته الأولى للعام 2011 في طرابلس – لبنان تحت شعار:” الأمة العربية بين طموح التغيير… ومخططات الطائفية والتقسيم والتدخّل الأجنبي” ألقت النقيبة أمل حداد كلمة في الإفتتاح بعنوان “نعموا بالرئاسات والعبادات” وفي ختام أعمال المكتب صدرت مقررات ومنها متعلق بلبنان، جاءت كالآتي:
1- يؤكد المكتب الدائم أن شعار هذه الدورة ” الأمة العربية بين طموح التغيير… ومخططات الطائفية والتقسيم والتدخّل الأجنبي ” يتوافق مع تاريخ لنان الثابت والمستمر منبتاً للقومية العربية، وموئلاً للحرية والديمقراطية، نابذاً للعصبية والإنغلاق في قلب الوطن، وملتقى الحضارات والأديان.
فلبنان وطن حدوده الحرية، باسمها يُقاوم، ولأجلها يبذل الدم، دماء شهدائه في الجنوب وفي كل أرجاء الوطن، الدليل على تمسّك اللبناني بكيانه الواحد وتحصّنه ضد كل المؤمرات ومحاولات الفتن التي تهدّده فيبقى صامداً يشارك المجتمع الذي بكل ما يمزقه وما يهدده من مخططات الطائفية والتدخّل الخارجي، مؤمناً أن الطريق الطويل والصعب تحفزنا متّكلين على أصالتنا الإنسانية ومؤمناً أيضاً ان دور المحامين الطليعي يجعل منهم رُوّاداً في إصلاح أوضاع الأمة العربية.
2- بعد الترحيب بنيل الحكومة اللبنانية الثقة في المجلس النيابي، يؤكد المكتب الدائم على ضرورة تمسّك اللبنانيين بوحدتهم الوطنية ويدعوهم إلى إستمرار الحوار والمزيد من التلاقي لتعزيز ميثاقهم الوطني الذي يجمع مكونات الشعب اللبناني كافة، والمحافظة على وحدة لبنان وتعزيز المؤسسات الدستورية فيه عبر الممارسة الديموقراطية التوافقية وعلى أساس القواعد التي نصّ عليها إتفاق الطائف.
3- يؤكد المكتب الدائم على أن العدوان الإسرائلي الدائم على لبنان المتمثّل باستمرار إحتلال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وبلدة الغجر والإختراق اليومي للأجواء اللبنانية والمحاولات الدائمة لسرقة المياه اللبنانية وآبار الغاز والنفط والتنقيب في المياه اللبنانية الإقليمية، فضلاً عن التهديدات المتواصلة بالحرب على لبنان، تفرض جميعها على اللبنانيين المزيد من التمسّك بوحدتهم الوطنية وسلمهم الأهلي والإلتفاف حول المؤسسات الوطنية ورفض مشاريع توطين الفلسطنيين في لبنان، وتعاون الشعب والجيش والمقاومة لمواجهة هذا التربّص الصهيوني وحماية الأرض والأمن والتمسّك بإستكمال تحرير ما تبقّى من الأراضي اللبنانية المحتلة.
الرؤية المستقبلية: نحو إصلاح قضائي شامل ومستقل:
تطمح نقابة المحامين في لبنان إلى مستقبل مشرق، حيث يكون القضاء مستقلاً كلياً والنظام القانوني قوياً وعادلاً. وقد وضعت النقابة رؤيةً واضحةً لإصلاح النظام القضائي، تقوم على تعزيز الشفافية والاستقلالية، وضمان حماية القضاة من التدخلات السياسية. وتعتبر النقابة أن الإصلاح القضائي هو الطريق الوحيد لبناء دولة مدنية تقوم على سيادة القانون.
من هنا، تعمل النقابة على تطوير أنظمة التدريب للمحامين الشباب، وتحديث القوانين التي تكفل حقوق المواطنين، وتكثف جهودها لبناء شراكات مع المجتمع المدني والنقابات الأخرى، من أجل نشر الوعي القانوني والتصدي لكل ما ينتهك حقوق الإنسان ويسيء إلى دولة القانون.

نقابة المحامين في بيروت مرآة مجد وكرامة:
أحيت نقابة المحامين يوبيلها الذهبي في 1969/10/6 في عهد النقيب الأستاذ فايز حداد، ويوبيلها الماسي في 1994/10/15 في عهد النقيب الأستاذ ميشال خطار، ويوبيلها المئوي في 2019/4/16 في عهد النقيب الأستاذ أندره الشدياق، كلها بحضور رئيس الجمهورية وأركان الدولة.
مئة عام ونيف من النضال في سبيل الحق،
قرن من العلم والممارسة والإجتهاد ليكون الحق الشرعة الأسمى بين الناس،
مئة عام ونيف عمر نقابة المحامين في لبنان، ولكنه ليس عمر المحاماة فيه ولا عمر رسالته القائمة على الحق والعدل والسلام.
1- بعض الفقرات من كلمة النقيب الأستاذ فايز حداد في مناسبة اليوبيل الذهبي.
“كان من الحق والعدل أن ترفل هذه النقابة اليوم بوشاح هذا العيد.
ولا عجب في ذلك ولا فضل، فالمحاماة كانت وما زالت كما قال عنها “داغسو” قديمة كالقضاء، شريفة كالفضيلة، ضرورية كالعدالة…”
إن عيد النقابة اليوم هو عيد القيم صارعت حتى تبقى، وصاولت حتى تدوم واحتربت دونها وما زالت وهي أقوى ما تكون شكيمة وأشد ما تكون عزيمة على الحفاظ عليها هو عيد الحق والحرية والعدالة والتضحية.
خذوا عيدها من أصوات المحامين ساعة تنطلق في نصرة مظلوم وساعة تشرع أقلامهم في سبيل وساعة تتألق في نجدة محروم…
عيدها هو إسهام على غير وهن في بناء لبنان السيد الحر المستقل.
تخليداً لهذا اليوبيل كان لا بد لنقابتنا أن تقدم على عمل من صلب أهدافها، فرأت أنّ التشريع في لبنان متشعّب مشتّت، والقوانين المرعية يعود بعضها الى العهد العثماني وبعضها الى عهد الانتداب والبعض الآخر الى عهد الاستقلال، فلم تر من عمل احسن من تأنين تشاريع بمعنى جمعها ودمجها وصهرها بحيث توجد قوانين متكاملة تسهل على المحامين والقضاة وكل ذي مصلحة الرجوع اليها ولذلك تؤدي نقابتنا خدمة قانونية جلّى ليس للمحامين فحسب بل للبنان بأسره.
تحقيقاً لهذه الغاية، الفّت النقابة سبع لجان متخصصة تعنى بهذا المشروع تؤلف هذه اللجان هيئة عامة برئاسة نقيب المحامين على ان تقدم نتيجة اعمالها الى وزارة العدل.
وقد ناشد النقيب حداد في خطابه، الدولة، تقديم قطعة أرض لإنشاء نادٍ للمحامين، كما طالب بإقرار قانون تنظيم مهنة المحاماة الجديد(صدر في العام 1970) الذي كانت تقف دون صدوره عوائق ومداخلات بسبب بعض ما تضمنه مشروع القانون من تعديلات مهمة لا سيّما لجهة الشهادة المؤهلة التي كان يعارضها طلاب الحقوق ولجهة الزامية توكيل محام في الشركات المساهمة والتي كانت تعارضها جمعية التجار والصناعيين .
وفي 1970/6/5 وافق مجلس الوزراء على مشروع عقد المساقاة مع نقابة المحامين في بيروت لتأجيرها قطعة ارض لمدة 99 سنة ضمنه العقار رقم /1027/ ملك الدولة في الاشرفية القائم عليه قصر العدل وقد جرى توقيع عقد المساقاة بين الدولة اللبنانية ونقابة المحامين بتاريخ 1970/7/27 لإنشاء ناد للمحامين.
وقطعة الأرض هذه إستبدلت بأرض ” بيت المحامي ” في عهد معالي النقيب الأستاذ شكيب قرطباوي.
2- بعض الفقرات من كلمة النقيب الأستاذ ميشال خطار بمناسبة اليوبيل الماسي لنقابة المحامين بتاريخ 1994/10/15:
” إن للبناني مع الحرية حكاية من عمر الزمن.
فلبنان الكوكب الطالع من الأرض، لولا الحرية لسقط وأنطفأ من زمان،
والحرية للبنانيين، قابلة، تستقبلهم اجنة، تحتضنهم أطفالاً وتمحضهم من العنفوان وفرص التقدم أبقى وأثمن ما يورث في الأرض.وهو مجد من أمجاد لبنان أعطي لبنيه.
وليس كثيراً أن أقول: ان مجداً من أمجاد لبنان تلك، أعطي لنقابة المحامين التي لها شرف إستقبالكم اليوم مع صحبكم والضيوف، لمشاركتها في فرح اليوبيل وهو مجد الدفاع عن الحريات في لبنان.
وشهادة لأسلافنا الكبار الذين لم يمالقوا متسلطاً، أروي بكل فخر وإعتزاز واقعتين فقط:الأولى: عندما تشّكلت بتاريخ 1919/12/19 أول لجنة إدارية لجمعية المحامين، من وديع الدوماني رئيساً معيناً من الحاكم الإداري وانتخاب أربعة أعضاء هم: عوني إسحق وألبير قشوع وبشاره الخوري ونجيب عبد الملك، إجتمعت هذه اللجنة في أول إجتماع لها وأصدرت قراراً تضّمن أربعة طلبات أوّلها:” أن تكون اللغة العربية وحدها لغة المحاكم الرسمية”
والثانية: أنه بتاريخ 1924/1/22 إجتمعت الجمعية العمومية للمحامين برئاسة النقيب بترو طراد وقررت الإضراب العام لمدة ثلاثة أيام عن المرافعات وحضور الجلسات في جميع المحاكم والدوائر القضائية إحتجاجاً على إنشاء المحاكم الأجنبية، إذ اعتبر هذا الإجراء تدخلاً في القضاء اللبناني.
وإذ استعرضنا مواقف المحامين ونقابتهم الوطنية لضاق الوقت في سردها لأنها ليست سانحة عبرت، بل ثابتة ما فرط بها شعب الا تنازل عن حقه بالحياة. إنها الثابتة المحفورة في أعماق كل لبناني، واللافتة المرفرفة في أعلى سماوات لبنان وعلى قاب قوسين من موطن تحليق النسور.”

3- بعض الفقرات من كلمة النقيب الأستاذ أندره الشدياق بمناسبة اليوبيل المئوي لنقابة المحامين بتاريخ 2019/4/16:
“حيثما هُمُ المحامون، هم وكلاء طبيعيون للوطن بنعمة الهوية وميثاق الحياة. محامون ساهموا في إعداد التشريعات عندما إنفجرت أزمة بنك إنترا على خلفية محاولة الإنقضاض على السرية المصرفية اليافعة وإحدى لآلئ الوطن التشريعية، بهدف إرساء ثلاثية أقتصادية مالية ذهبية قائمة على مرتكزات متانة القطاع المصرفي، وتغطية العملة الوطنية بالمعدن الأصفر، وحرية التحاويل النقدية بين لبنان المقيم ولبنان المنتشر.
محامون كانوا، ونقابتهم في الطليعة، المرحبين بإقرار المجلس النيابي أواخر الثمانيات القانون المحظِّر بيع أو رهن إحتياط السبائك الذهبية إلا بموجب صك تشريعي. ولا يزالون لغاية هذه اللحظة يقاربون بوعي وعناية التكيّف مع المحاولات الخبيثة والمشبوهة الرامية إلى ضرب المقومات الإقتصادية والمالية للدولة والمتمظهرة بضرورة إقرار تشريعات متعلقة بمكافحة الإرهاب وتبييض الأموال توسلاً لفرض عقوباتٍ على النسيج اللبناني الإجتماعي الواحد.
زملاءٌ أيضاً من أصحاب الإختصاص، لما وُقعت ” إتفاقيةٌ قاهرةٌ ” بتاريخ الثالث من تشرين الثاني 1969 حاروا في تصنيفها من زاوية القانون الدولي العام، فألغاها مجلسنا النيابي الضام أكثرَ من ثلاثين محامياً منتصف الثمانيات، فيما، من جملة الويلات التي استجرتها، التخلي عن جزء من السيادة الوطنية، وخلقُ statut d’extra-territorialité للشعب الفلسطيني المشرد قهراً من أرضه المحتلة، وتعارضُها مع آخر إتفاقية هدنة موقّعة في 23 آذار 1949 بين لبنان وإسرائيل في جزيرة رودس من أصل أربع سقطت في حزيران 1967، مما عبّد الطريق أمام تسلّح مخيمات اللاجئين الفلسطينين المحيطة بالعاصمة وبعض البلدات اللبنانية.
إن النقابة التي شهدت على كلٍّ من تحرير أول أرض عربية غزاها الكيان العبري حتى بيروت عام 1982، والإنسحابِ الإسرائيلي دون أي قيد أو شرط إلى ما وراء الحدود الجنوبية المرسّمة، ما عدا النقاط المتحفّظ عليها، وبإزاء إستمرار رزوح مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم الشمالي من بلدة الغجر وقرية النخيلة تحت إحتلال العدو، تُعلن بالفم الملآن:
أولاً: تمسكها بعزم لا يلين وبتصميم لا حَيْد عنه، بإتفاق الهدنة الموقّع بين لبنان وإسرائيل بمساعي مبعوث الأمم المتحدة آنذاك رالف بانش:
1- لكون هذه الإتفاقية المتصدرة معظم القرارات الدولية بدءاً من القرار 425 وصولاً إلى القرار 1701 تنص في مادتها الخامسة على ان الحدود النهائية للبنان هي تلك الفاصلة بينه وبين دولة فلسطين المحتلة، الأمر الذي يستفظعه العدو الإسرائيلي لما له من تبعات قانونية بالغة المدلولات من جهة، ولتضاربها، من جهة أخرى، والنظرية العبرية بإنتفاء وجود حدودٍ جغرافية نهائية لكيانها التوسعي المتحول اليوم إلى دولة قومية – يهودية، بدليل ضم الكنيست الإسرائيلي بموجب قانونين صادرين على التوالي في 1980 و1981 القدس الشرقية وثلثي مرتفات الجولان إلى أرض إسرائيل.
2- لاستحالةِ التخلي أو التنازل عن ” أحد أقسام الأراضي اللبنانية ” على ما جاء في حرفية المادة الثانية من الدستور.
3- لارتداد كل المفاهيم القانونية هذه إلى مقدمة الدستور التي تحظّر التوطين والتقسيم، بما يعزز مشروعية قراريْ الجمعية العمومية للأمم المتحدة، الأول رقم 181 الذي يولي مدينة القدس نظاماً خاصاً برعاية دولية بإدارة الأمم المتحدة والمعروف باللاتينية بنظام Corpus separatum، والثاني رقم 194 الذي يكرّس حق عودة الشعب الفلسطيني إلى دياره.
4- لاعتبار الخط الأزرق خطاً وهمياً تحاول إسرائيل أن تتخذه منه قاعدة إنطلاق عند النقطةBP23 على بعد عدة أمتار من الحدود، إنتهاكاً السيادة البحرية الأقليمية اللبنانية حيث المكتشفات النفطية والغازية المعتبرة بمثابة مورد من مواردِ ثروة البلاد الطبيعية التي هي بحمى الدستور.
ثانياً: إثْر إقامة علاقات ديبلوماسية مع سوريا وإنزياح الأيام السود التي شابت الوشائج بين البلدين، ومع ارتقاب العودة الآمنة للنازحين السوريين، وعِقب إنتهاء الجيش اللبناني من نزع الألغام المزروعة من قبِل التنظيمات الإرهابية وإنبلاج فجر جديد على اللبنانيين كافة بعد النصر المَبين لعملية ” فجر الجرود”، وتحقيقاً للمادة الأولى من الدستور التي تحدد بدقة متناهية خط الحدود بين لبنان وسوريا، من المأمول أن تُعاود المحادثات بالصدد بين الدولتين من النقطة التي توقفت عندها لجنة الغزاوي-الخطيب مطلع السبعينات لإنجاز الترسيم النهائي لحدودنا الشرقية.”
الخلاصة: تاريخ يستمّر:
نقابة المحامين في بيروت، التي تجاوز عمرها اليوم المئة وستّ سنوات، كانت وما تزال إحدى أهم ركائز الوطن وضميره الحيّ. لعبت أدوارًا وطنية بارزة في مختلف المراحل، من الاستقلال إلى الحرب، ومن إعادة الإعمار إلى الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان. لم تتخلَّ يومًا عن رسالتها، ولم تنحنِ أمام العواصف، فبقيت الرافعة التي ينهض بها لبنان كلّما حاولوا كسره، والمنبر الذي يعلو فيه صوت العدالة كلّما خفتت الأصوات.
ولأنّ الأمانة تقتضي الوفاء للتاريخ، لا بدّ لي، وأنا نقيبة المحامين السابقة، أن النقابة أدّت دورها الوطني على أكمل وجه خلال ولايتي، وذلك بالتعاون مع مجلس النقابة الذي رافقني طوال سنتين من العمل الدؤوب بين عامي 2009 و2011، في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان، حيث كان الوطن بأمسّ الحاجة إلى صوتٍ عاقلٍ ومسؤولٍ يعبّر عن ضميره ويصون كيانه.
إن الرسالة التي ندبتُ نفسي لها لا تقتصرُ على حقلٍ واحدٍ، إنما تتناول مختلف الحقول الوطنية، دفاعاً عن حقوق خاصة وعامة مهدورة وصيانة لمبادئ هي سياج الأفراد والجماعات. هكذا نشأت نقابة المحامين ترفد الدولة اللبنانية المعاصرة لها ثروات في العلوم السياسية والمبادئ الإخلاقية والتطلعات القانونية والدستورية. إن تاريخ النقابة حافل بالمآثر والقيم التي اكتنزها المحامون الرسل عبر ذواتهم في ذات وطنهم لبنان ليطلقوها ذوداً عن الحقّ، وزاداً للجائع إليه، وسيفاً قاطعاً للظلم والقهر، وموئل الدفاع عن الحريات على إختلاف حقولها وميادينها.
هذه هي الوديعة الوطنية والإنسانية التي رأيت أنني قد أوءتمنت عليها انتصاراً للعدالة التي تتصف بالمعرفة والجرأة والتجرّد خدمة لا إستئثاراً. على هذه الدروب التي سلكتها إزددت رغبة في التصدي والعراك حتى النصر، النصر الوطني الجماعيّ لا النصر الفرديّ الشخصيّ.
لقد حاربت أحابيل السياسة المتلبسة بالوطنية والمصلحة الشعبية العامة، ومزقت الحجب والستائر، وكشفت الخفايا والبواطن، لتجلو الحقائق في مصدرها وموردها ومقاصدها. ولم أشهر السيف طعناً وتجريحاً وتشهيراً بل بذلاً للجهود والتضحيات في التوافق أولاً بين الآراء المتضاربة، وفي الإهتمام بالتسوية التي تؤدي إلى تضافر القوى للنهوض بما يقي الوطن والأمّة من الإنقسام والتجزئة والإنهيار، وإذا بدا إعوجاج أو إلتواء كانت المبادرة المثلى في التقييم والتصحيح والإصلاح.
وأؤكد أنّ النقاية تستمّر بالتواصل مع مختلف الفئات، في جميع المواضيع إختلافاً أو إتفاقاً وإتمام توحيد الكلمة، في صيانة لبنان في إطار إلتزام الثوابت التي قام عليها أساساً الكيان اللبناني وقواعده، ضمن الأسرة اللبنانية الواحدة، فيحترم كل فرد من أفرادها حقوق الآخرين ويلتزم واجباته ويعتمد الحوار وتبادل وجهات النظر أداةً وحيدةً لحل أي نزاع طارئ. ومن المهم جداً أن يتقن اللبنانيون رصانة الحوار وآداب المخاطبة، فالعنف الكلامي أو المادي يزيدان الأمور تعقيداً دون إفساح المجال لإيجاد الحلول لها. وتدعو على الدوام إلى مناهضة النزاعات السياسية بالأساليب والطرق الديمقراطيّة.
كما أن النقباء ومجالس النقابة المتعاقبة لم يتوانوا عن مناقشة الشؤون الوطنية وإتخاذ المواقف التي تناسب الوضع العام بكلّ ما يتصل بالمصلحة الوطنية، وترسيخ دور النقابة في بناء الكيان الوطني وقيادة الرأي والتزام الدفاع عن الحريات العامة وجميع الحقوق التي يجب المحافظة عليها لرفع شأن المواطن في حياته الفردية والإجتماعية.
الخاتمة: نقابة المحامين بين الماضي والمستقبل:
تظل نقابة المحامين في لبنان مناضلةً حيّة تقدم تضحيات وطنية جسيمة، ورمزاً للعدالة والنضال من أجل الحق. ومنذ تأسيسها وحتى اليوم، لم تتخلَّ النقابة عن قيمها، ولم تستسلم لضغوط السلطة أو الإغراءات المالية. هي النقابة الشامخة بوجه كلّ الأعاصير، وستبقى رمزاً لا يتزعزع لنضال لبنان من أجل السيادة والحرية والعدالة ودولة القانون.
مهما تغيّرت الظروف وتعدّدت التحدّيات، ستظلّ نقابة المحامين في لبنان ضمير المجتمع الحي، وملاذ المظلومين، وصوت الحرية الذي لن يسكت في وجه أي ظلم. إنّها مرآةُ مجدٍ وزهرةُ نُبلٍ وكبرياء، “وفي اللّيلة الظلماء يُفتقد البدرُ”. مِنْ رحم المجتمع اللبنانيّ وُلدت، فيه ترعرعت، تُعطيه أفضل ما لديها من دون كلّلٍ أو تعب من أجل حياةٍ أجمل.
وليس ابلغ عن رسالتها الوطنية بعض أبياتٍ من الشعر قالها سعيد عقل عن نقابة المحامين في يوبيلها الماسي:
“ما الحقُّ؟ أنتِ! اشمخي كالنَسرِ عِبْرَ مَدى
نَمَتْكِ مدرسةٌ شعَّتْ هُدًى بهُدى
مِنها الأُولى لقَّنوا الدنيا كرامتها
منكِ الأُولى القولُ هُمْ والآخرونَ صَدى”
* (نشرت هذه الدراسة القيّمة عن نقابة المحامين في النسخة الورقية من مجلة “محكمة” – العدد 53 – تشرين الثاني 2025)
“محكمة” – الاثنين في 2025/12/1



