أبحاث ودراسات

إعمال المادة 113 من قانون النقد والتسليف بمعرض مشروع قانون الانتظام المالي يضرّ بحقوق المودعين/فرانسوا ضاهر

القاضي السابق والمحامي فرانسوا ضاهر:
1- منذ إندلاع الأزمة المصرفية في لبنان في 17 تشرين الأول 2019 والبحث جارٍ حول إيجاد حلول لها.
وقد تمثّل أحد أوجه هذه الحلول باعتماد مصطلح ” تحديد المسؤوليات وتوزيع الخسائر” بين أركان هذه الأزمة المباشرين الذين هم: الدولة، مصرف لبنان، المصارف والمودعون.
بدليل ما ورد في مشروع قانون الإنتظام المالي واسترداد الودائع المحال على المجلس النيابي بالمرسوم رقم 2224 تاريخ 2025/12/29 لإقراره.
وقد ورد ” في الأسباب الموجبة” منه التالي:
” منذ أواخر شهر تشرين الأول من العام 2019، دخل لبنان في أزمة مالية وإقتصادية شاملة غير مسبوقة ومتعدّدة الأبعاد والمسؤوليات تشمل الجوانب المالية والنقدية والمصرفية، أدّت الى إنهيار النشاط الإقتصادي، وخلّفت تداعيات إجتماعية. إضافةً الى الأسباب السالف ذكرها، وما تبعها من تخلّف الدولة اللبنانية عن سداد ديونها السيادية، إنعكس سلباً على قدرة الدولة ومصرف لبنان والمصارف على الإيفاء بإلتزاماتهم المالية، وحرمت بالتالي، أصحاب الودائع من التصرّف بودائعهم. ”
” وعند إجراء مراجعة جودة الأصول، يُطبّق مبدأ تراتبية توزيع المسؤوليات وتحمّل الخسائر المكرّس في عمليات إصلاح المصارف، (…) ويعتمد هذا المبدأ لتوزيع المسؤوليات وتحمّل الخسائر بصورة عادلة ومتوقّعة، وبما ينسجم مع أهداف الإنتظام المالي والمعايير الدولية .”
” حفاظاً على سلامة القطاع المصرفي ومناعته، وعلى قدرته على الإستمرار في أداء مهامه ضمن خطة تسديد الودائع، تُوزّع الخسائر الناشئة عن تطبيق مبدأ تراتبية توزيع المسؤوليات وتحمّل الخسائر المذكور أعلاه، ضمن حدود مجموع الأموال الخاصة بكلّ مصرف وصولاً الى الدائنين الأعلى مرتبةً في تراتبية توزيع المسؤوليات.
2- كما أن الضغوط التي يمارسها صندوق النقد الدولي على الدولة اللبنانية لإبرام أي إتفاقية معه تقوم على أن تتبرّأ الدولة من اية مديونية تترتّب بذمتها لمصلحة مصرف لبنان.
ما جعل الدولة في لبنان تتمسّك بمصطلح ” تحديد المسؤوليات وتوزيع الخسائر ” كأداة للتنصّل من مديونيتها العامة تلك تجاه مصرف لبنان.
3- في حين، إن حقيقة الأزمة المصرفية في لبنان تعود الى أن الدولة اللبنانية، ممثلةً بوزارة المالية، قد إستدانت من مصرف لبنان ودائع المصارف المودعة لديه والتي تعود لمودعيها، وذلك حتى تمّ تجفيفها بصورة شبه كاملة، فيما عدا جزء الإحتياط الإلزامي المتبقي منها لدى المصرف المذكور. ما أوقع المصارف في حالة شحّ متقدم في السيولة أدّى الى إندلاع الأزمة المصرفية التي تكشّفت منذ 17 تشرين الأول 2019.
وإن تلك المديونية قد تكوّنت من تغطية عجوزات الميزانيات السنوية التراكمية للدولة اللبنانية وملحقاتها منذ مطلع التسعينيات، والتي من ضمنها الأموال التشغيلية لمرافقها وإداراتها ومؤسساتها وصناديقها، بالإضافة الى كلفة سياسة تثبيت سعر صرف العملة الوطنية، وسياسة دعم العديد من السلع الأوّلية الإستهلاكية، مع ما ترافق مع ذلك الإنفاق العام المتعدّد الأوجه من هدر وسرقة وفساد.
4- غير أن السلطة التي ترمي الى التنكّر لمديونيتها العامة تجاه مصرف لبنان وجدت في المادة 113 ق.ن. ت. ضالتها، والتي تقول :
” يتألف الربح الصافي (لدى مصرف لبنان) من فائض الواردات على النفقات العامة والأعباء والإستهلاكات وسائر المؤونات. ”
“يقيد 50% من هذا الربح الصافي في حساب المصرف المركزي يدعى “الاحتياط العام” ويدفع 50 بالمئة الى الخزينة. ”
” عندما يبلغ الإحتياط العام نصف رأسمال المصرف يوزّع الربح الصافي بنسبة 20 بالمئة للإحتياط العام و80 بالمئة للخزينة. ”
” وإذا كانت نتيجة سنة من السنين عجزاً، تغطى الخسارة من الإحتياط العام وعند عدم وجود هذا الإحتياط او عدم كفايته تغطّى الخسارة بدفعة موازية من الخزينة. ”
وإذا أصبح رصيد حساب ” الإحتياط العام “، من جراء إقتطاع مبلغ بموجب الفقرة السابقة، أقل من نصف الرأسمال يجرى توزيع الربح الصافي مجدداً بنسبة 50 بالمئة لهذا الحساب و50 بالمئة للخزينة، الى أن يبلغ الحساب مجدداً نصف الرأسمال. ”
5- بحيث أمكن الدولة إستخدام تلك المادة حتى تحوّل مديونيتها لمصرف لبنان الى خسائر واقعة عليه يتحمّلها هذا الأخير. وتكون بذلك قد تبرّأت من موجب سداد تلك المديونية وألقت عليه عبء سدادها الى المصارف الدائنة بها، وذلك حتى يمكن هذه الأخيرة الإيفاء بإلتزاماتها تجاه مودعيها بردّ ودائعهم إليهم.
وقد ورد في نص المادة 9 من مشروع القانون المشار اليه فيما يتعلق بآلية التسديد في المرحلة الأولى، ما حرفيته :
” يتمّ تمويل تكلفة التسديد في المرحلة الأولى للودائع بالمشاركة بين مصرف لبنان والمصارف وفقاً لمعايير وقواعد يحدّدها مصرف لبنان، على ألاّ تتعدى حصة مصرف لبنان الإجمالية 60% من الدفعات النقدية من المبالغ المتوجبة للمودعين بعد الأخذ في عين الإعتبار أوضاع السيولة في المصارف المنوّه عنها وإحتساب التوظيفات الإلزامية للمصارف.”
6- وبذلك تكون السلطة في لبنان قد تنصّلت من مديونيتها العامة لمصرف لبنان، وتالياً تجاه المصارف عبر هذا الأخير، وأبقت أصولها محرّرة من ضمان إيفائها. وألقت بالمقابل على مصرف لبنان عبء هذا الإيفاء وضمانه بأصوله المحدودة حجماً، نسبة الى الأصول والإيرادات التي تتمتّع بها الدولة اللبنانية.
ويكون من ثمّ قد انحصر إيفاء مديونية مصرف لبنان للمصارف بأصوله وإيراداته المحدودة، وإنحصر بالتالي ضمان إيفاء الودائع المصرفية العالقة بحجم تلك الأصول والإيرادات. في حين، إن الدولة اللبنانية هي ملزمة بإيفاء كامل مديونيتها العامة لمصرف لبنان، على أن تكون أصولها وإيراداتها الكبيرة والهامة هي الضامنة لذلك الإيفاء. الأمر الذي يعزّز إمكانية إيفاء المودعين في لبنان كامل ودائعهم العالقة لدى المصارف والمتعثّرة في سيولتها.
وهذا، ما قالت به المادة 12 من نفس مشروع القانون المشار اليه، فيما يتعلق ” بالشهادات المعزّزة “، بما حرفيته :
1- يُصدر مصرف لبنان شهادات مالية تمثّل رصيد الودائع المتوسطة والكبيرة والكبيرة جداً المحدّدة في المادة الثامنة من هذا القانون. تتحمّل المصارف نسبة 20% من مسؤولية تسديد إصدار الشهادات المعزّزة.”
2- تكون الشهادات المحدّدة في الفقرة الأولى من هذه المادة معزّزة بإيرادات الأصول التي يملكها مصرف لبنان ومداخيلها، وبعائدات تصفية هذه الأصول في حال حصولها، بما لا يخالف أحكام القانون 86/42 تاريخ 24/9/1986 المتعلّق بحماية إحتياطي الذهب لدى مصرف لبنان، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
أ- إيرادات السلع والمعادن الثمينة،
ب- محفظة العقارات،
ج- مختلف الحصص في الشركات،
د- إيرادات الديون السيادية والخاصة المستحقة لمصرف لبنان،
هـ- الأرصدة النقدية والإحتياطات المتاحة”.
“3- (…)
7- كما أن تنصّل الدولة اللبنانية من مديونيتها لمصرف لبنان وتحميلها الى هذا الأخير، تحت باب الخسائر التشغيلية، المسند الى حكم المادة 113 ق.ن.ت.، والتي تكون ناتجة عن ادارته لمؤسساته وأجهزته ومرتبطة بممارسته لمهامه ووظائفه التي أناطها به قانون النقد والتسليف، قد جعله في وضعية المتعثّر في إيفاء تلك المديونية للمصارف. الأمر الذي إرتدّ على إمكانية هذه الأخيرة في إيفاء ودائع المودعين لديها كاملة.
8- كما أن التحوير المتعمّد في طبيعة المديونية العامة وتوزيعها كخسائر على أركان ثلاثة رئيسيين، مصرف لبنان والمصارف والمودعين، وإبقاء الدولة كركن تكميلي وليس أساسياً، استناداً الى تلك المادة تحديداً 113 ق.ن.ت.، قد ادّى الى سقوط القطاع المصرفي في شحّ كبير ومستدام في سيولته.
ما سهّل الإنقضاض عليه تحت وطأة هذه الوضعية، حتى إستصدار القانون رقم 2025/23 تاريخ 2025/8/14، الذي رمى الى إعادة هيكلته تحت عنوان: ” إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها “. لناحية، إما أن يتمّ تصحيح وضع كل مصرف على حدة بعد خسارته لأصوله أولاً، حتى يتمّ فيما بعد إعادة رسملته من جديد، وإما أن يتمّ الذهاب الى شطبه عن لائحة المصارف العاملة وتصفيته.
هذا ما تمّ النص عليه بالمادة 10 من ذات مشروع القانون، فيما يتعلق بآلية تحديد دين الدولة تجاه مصرف لبنان، بقولها :
1- “في ضوء إعادة تقييم الأصول المالية لمصرف لبنان وفقاً للمادة الرابعة أعلاه يحدّد الرصيد لأي دين مستحق على الدولة اللبنانية لصالح مصرف لبنان، بالتشاور ما بين وزير المالية وحاكم مصرف لبنان على أن يتخذ مجلس الوزارء القرار النهائي بهذا الشأن بعد الأخذ في عين الإعتبار مبدأ إستدامة الدين العام.”
2- “على مجلس الوزراء تقديم مساهمة إضافية في رأسمال مصرف لبنان من اجل تعزيز ملاءته عند الإقتضاء، وفقاً لأحكام المادة 113 من قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي.”
3- “تحدّد آلية تسديد أي دين لصالح مصرف لبنان والمساهمة الإضافية في رأسماله المشار اليه أعلاه، بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير المالية. ”
9- وبذلك يتبدّى أن السلطة في لبنان قد إستخدمت المادة 113 ق.ن.ت. المعدّة أصلاً لتغطية الدولة لخسائر مصرف لبنان التشغيلية، وحوّلتها الى أداة إستخدمتها لتجيير مديونيتها الذاتية العامة الى مصرف لبنان على أنها خسائر تشغيلية يتحمّلها هو تجاه المصارف الدائنة بها. ولا تكون الدولة فيها إلاّ مؤازرة للمصرف المذكور بعد إستنفاده لكامل أصوله وإحتياطاته.
الأمر الذي يرتدّ سلباً على حقوق المودعين، لجهة أن حجم الضمانة التي تمثلها أصول مصرف لبنان وإيراداته وإحتياطاته هي أدنى بكثير من حجم الضمانة التي تمثلها أصول الدولة ومداخيلها وإيراداتها.
10- في المحصّلة، يواجه المودعون في لبنان كذلك القطاع المصرفي خديعة العصر التي تتمّ شرعنتها على قدمٍ وساق. عسى أن يتصدّى لها المجلس الدستوري بكلّ جرأة بعد صدور قانون الإنتظام المالي وإسترداد الودائع.
“محكمة” – الخميس في 2026/10/22

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!