مقالات

الوكالة القضائية ليست لمن يشاء.. وحقوق الناس ليست للبيع والشراء/شربل عرب

المحامي شربل كميل عرب:
إنّ تنظيم مهنة المحاماة ليس امتيازاً شخصياً للمحامي، ولا وسيلة لإقصاء الآخرين عن متابعة شؤونهم الخاصة، بل هو قانون صادر عن المجلس النيابي وفقاً للأصول يتصل مباشرةً بالعدالة وبحقوق الناس وحرّياتهم وأموالهم، وتطبيقه واجب وليس خيار.
وفي هذا السياق، جاءت المادة 61 من قانون تنظيم مهنة المحاماة، المعدلة بالمرسوم رقم 1971/385 والقانون رقم 1991/42، بنص واضح لا يحتمل الالتباس: “لا يجوز توكيل غير المحامين لدى المحاكم”.
وبالتالي، فإنّ الوكالة القضائية ليست وكالة عادية يمكن أن تُعطى لأيّ شخص بموجب إرادة صاحب العلاقة، ولا يمكن لخبرة إدارية أو وظيفة سابقة أو معرفة شخصية أن تنشئ لشخص صفة قانونية لم يمنحه إيّاها القانون، فإمّا يتابع صاحب العلاقة معاملته شخصياً حيث يحقّ له أو يوكل محامياً وممنوع عليه توكيل سمسار أو شخص ليس محامياً خاصة بعض المجازين في الحقوق فهم ليسوا محامين، فالمحامي من انتسب للنقابة وحلف اليمين وليس من حمل إجازة نسي موادها.
وينطبق ذلك بصورة واضحة على مكاتب تخليص المعاملات.
فمن حقّ هذه المكاتب أن تمارس الأعمال الإدارية التي يسمح بها القانون خارج قصور العدل والمخافر ، ضمن حدود صفتها واختصاصها، ولكن لا يجوز أن تتحوّل إلى وسيلة لممارسة الوكالة القضائية أو تمثيل الغير أمام المحاكم، أو تولي الملفات القضائية بالنيابة عن أصحابها، متى كان القانون يوجب توكيل محامٍ، كما لا يحقّ لها القيام بالدعاية بتخليص معاملات قانونية.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى أي شخص، أياً كانت صفته السابقة، كموظف أو عسكري متقاعد أو صاحب خبرة إدارية، مع كامل الاحترام لتجربته ومكانته.
فالخبرة الإدارية لا تساوي الصفة المهنية للمحامي، ومتابعة معاملة إدارية لا تساوي تمثيل شخص أمام القضاء.
والمسألة ليست حماية للمحامي فقط، بل حماية للقضاء والمتقاضي.
المحاماة تخضع لنظام قانوني ومهني وتأديبي يفرض على المحامي واجبات محدّدة، ومنها السرّية المهنية والاستقلالية والنزاهة واحترام القضاء.
لذلك، فإنّ حصر الوكالة القضائية بمن يملك الصفة القانونية ليس حماية لسوق العمل فقط أو لمورد المحامي، بل هو حماية للمتقاضي الذي يسلّم حقوقه ومصالحه إلى شخص يفترض أن يكون خاضعاً للمنظومة القانونية والمهنية التي وضعها المشرّع لهذه الغاية.
ولا يجوز أن تتحول قصور العدل إلى مجال لاستقطاب أصحاب الحقوق، أو إلى مكان يستعمل فيه بعض الأشخاص علاقاتهم السابقة أو معرفتهم بالموظفين والأقلام والدوائر لاكتساب الموكلين.
فإذا كان القانون يمنع المحامي نفسه من استجلاب الزبائن بواسطة الوسطاء والسماسرة، فمن باب أولى ألا تتحوّل صفة غير المحامي إلى وسيلة لاستقطاب أصحاب الدعاوى والملفات القضائية.
إنّ تطبيق المادة 61 يطرح أيضاً مسؤولية كلّ من يسمح، ضمن حدود صلاحياته ووظيفته، بممارسة وكالة قضائية من شخص لا يملك الصفة القانونية.
فمن يمارس الوكالة خلافاً للقانون يتحمّل تبعات فعله وفق النصوص المنطبقة، أما من يعلم بالمخالفة ويسهّلها أو يسمح باستمرارها، فإنّ دوره يجب أن يكون موضع مساءلة قانونية بحسب صفته وطبيعة تدخّله وتوافر عناصر المسؤولية بحقّه.
ولا يعني ذلك افتراض مسؤولية جزائية لمجرّد وقوع المخالفة؛ فالمسؤولية الجزائية تحتاج دائماً إلى توافر أركان الجرم الذي يحدّده القانون.
لكن في المقابل، لا يجوز أن تصبح المخالفة أمراً عادياً لمجرّد أنّ من يرتكبها ليس محامياً، أو لأنّ هناك من اعتاد السماح له بالدخول إلى المسار القضائي ومتابعة ملفّات الغير.
والمطلوب بسيط وواضح: تطبيق المادة 61 كما وضعها المشرّع.
فمن أراد متابعة شأنه الشخصي، فله أن يفعل ذلك ضمن الحدود التي يسمح بها القانون.
ومن أراد متابعة معاملة إدارية، فليمارسها ضمن حدود اختصاصه القانوني.
أما من يريد تمثيل الغير أمام القضاء وممارسة الوكالة القضائية حيث أوجب القانون توكيل محامٍ، فعليه أن يكون محامياً.
لا مكتب تخليص معاملات، ولا موظفاً سابقاً، ولا عسكرياً متقاعداً، ولا صاحب علاقات أو خبرة إدارية يمكن أن يحل محل الصفة القانونية التي اشترطها المشرّع.
فالعدالة ليست سوقاً للعلاقات، وقصر العدل ليس مجالاً للسمسرة، والوكالة القضائية ليست حقاً لمن يشاء أن يمارسها.
وحيث قال القانون: «لا يجوز توكيل غير المحامين لدى المحاكم»، وجب أن يكون هذا النص هو الحد الفاصل بين العمل المشروع وبين ممارسة اختصاص قضائي لم يمنحه القانون إلّا لمن يحمل صفة المحامي.
“محكمة” – السبت في 2026/9/26

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!