بحث في المسؤولية المتصلة بالأعمال العسكرية في ما يخصّ مضيق هرمز/ريما شبارو
القاضي المتقاعدة الدكتورة ريما شبارو*:
توطئة لا بد منها:
مما لا شك فيه ان أسباب وقوع أي حرب ما قد تحصل لسبب جوهري وقد ينتج عنها اسباب أخرى او نتائج تصلح لأن تكون هي بحد ذاتها نواة لحروب متفرعة ان صح القول او التعبير.
من هنا تبرز ما يعرف اليوم بمشكلة مضيق هرمز تلك المشكلة التي ألفت بحدّ ذاتها، نواه جديدة لحروب ربما لآجال قادمة.
اضف لما تقدم، فإنّ التضرر هو بفعل تلك التداخلات او التنازعات الحاصلة بين عدة دول، وفي ما خص وجود المضيق وتداخل موقعه ما بين اكثر من دولة، وبوقت يضحى فيه المتضرر بالذات ليس شركة ما او افراداً، بل دول بحد ذاتها، الأمر الذي يزيد من حدة النزاعات وتموضع كل فريق بمواجهة آخر قد لا يكون بوضع المحايد أو البائد أصلاً عن تلك المسؤولية وعن أسس قيامها او أسباب وقوعها وتعدد مصادر، بالتالي، الاضرار المشكو منها، وهنا تكمن بالفعل دقة البحث وأهميته.
نبحث على التوالي الأقسام الاتية:
القسم الأول: المسوؤولية الناتجة عن الاعمال العسكرية المباشرة، أي الاعمال الحاصلة ضمن مراحل قيام الحرب موضوع المسؤولية.
مبحث اول: معنى المسؤولية المعنية بهذا المؤلف :
ما نعني به هنا المسوولية ليس الموضوعية، بل تلك الناتجة عن الأعمال الحربية سواء بالصورة المباشرة ام حتى غير المباشرة، وعلى النحو الذي سوف نبيّنه تباعاً.
وهي أي المسؤولية هنا، هي أيضاً تلك الناتجة عن الأعمال القصدية، وأيضاً عن الأعمال المتوقع حصولها أو حتى تلك غير المتوقعة الحصول.
مما لا شك فيه ان العمل العسكري قد يكون عملاً تمهيدياً أو مباشراً آنياً أو لاحقاً ناتجاً عن الاستمرارية بالاعمال العسكرية.
واما العمل التمهيدي، فيعني العمل الذي يمهد للعمل العسكري، وهو يقتصر على الاعمال الممهدة له وأخصها الاعلام العسكري، والخطوات أو الإجراءات الرامية إلى بلورة الأمور والتهيئة لاتمام الاعمال ذات الطابع العسكري المحض او المباشر.
المبحث الثاني: ماهية الاعمال العسكرية المقصودة بهذا البحث
الأعمال العسكرية هي تلك الناجمة عن أي عمل عسكري مباشر او متواصل، وهي كذلك الاعمال الحاصلة ضمن أي عمل عسكري او بمعرضه. والأشخاص المعنيون هم كل من يشارك بالعمل العسكري خدمة مباشرة او إدارة ولو عن بعد وبمختلف أنواع الأسلحة مهما تعددت أنواعها او اختلفت مصادرها مع التنويه المسبق برأينا ان الدولة منتجة السلاح ليست معنية بهذا النوع من أنواع المسؤولية اللهم إلا إذا كانت مصابة أي تلك الأسلحة بعيوب التصنيع، وهنا تقع على عاتق المتضرر إثبات ماهية الضرر أو الأضرار الحاصلة أسبابها وظروفها.
وهنا نصل لمعالجة الفاعل المسؤول أو الدول المعنية بالبحث الراهن
المبحث الثالث: المسوولية الجماعية او المشتركة ومعايير التفرقة بينهما في بعض الحالات
مما لا شك فيه أنّ المسؤولية المدنية قد تقع بصورة أساسية ليس على طرف واحد، بل على أطراف المعركة، او المعارك، وهؤلاء هم بكلّ حال الفريق الذي يسعى الشاكي لطلب التعويضات منهم فتكون المسؤولية جماعية او متداخلة ومشتركة.
وقد تتعرض الشكوى او الشكاوي جميعها للرد بحال كان المتضرر عالماً بوقوع المخاطر فتقبل بحمل ما قد يتعرض له من مخاطر دون اخذ أي حيطة، وهو أي هذا القسم سوف نفرد له بحثاً خاصاً ضمن خاتمة هذا الكتاب.
وقد يكون الفاعل الرئيسي هو الذي اقدم على ارتكاب العمل المشكو منه بحال قام بذلك العمل بالصورة الإرادية المنفردة والتي تقترب بالأعمال ليس العسكرية، بل قد يصاحب تلك الأعمال نوع من الأعمال الإرهابية التي تتقصد منها بعض الدول العوامل الشبيهة بالإرهاب، أو ما شابه ذلك، فتلقى هنا المساءلة بكليّتها على ذاك الفاعل.
وقد تكون المسؤولية مشتركة، بمعنى انها ناجمة عن اشتراك بين عدة عوامل او عدة أفعال ناتجة عن اعمال عسكرية متعددة او مشتركة وعلى النحو الحاصل بالميدان العسكري المباشر او الواقع بين عدة دول بهذه الحالة.
وأما المسؤولية الجماعية، فهي تتجلّى بالنتيجة بحصول اشتراك متعدد الأوجه في بعض الأحوال لعدة دول تقوم بالأعمال الضارة او التي تؤلّف الاضرار بالسفن او حتى بالأشخاص الذين يفترض وجودهم او قيادتهم لتلك السفن كما بخصوص البضايع المحملة وبالأخص المخاطر الناجمة عن نوعية تلك المواد والتي يعلم الفاعل او القائم بالاعمال الضارة شدة الخطورة الناتجة عنها أو التابعة لها.
بالإضافة لكافة ما تقدم، قد يعمد الغير أيضاً للاشتراك بتلك الأفعال، إما على سبيل السعي للاشتراك المباشر بالاعمال العسكرية بالصورة الفعلية او المباشرة، وإما السعي لمساعدة احدى الدول بالاعمال العسكرية المباشرة، او بحجة القيام بأعمال احتياطية تهدف لمنع الاعتداء على تلك الدول لاحقاً، أو لمنع الدولة المعتدى عليها بهذه الحالة من بلوغ أي تحقيق لأيّ هدف حربي ممكن ان يصبّ بصالحها او ينتج عنه أيّ تحقيق لنصر ما، ولو وقتياً أو حتى ظاهري أو عابر.
وهنا لا بد من لفت الانتباه، إلى ان وجود قواعد دولية، او المساءلة المعنوية او السياسية برأينا لا يجب أبداً ان تعفي تلك الدول وبالأخص المعتدية من وجوب تحمّل المسؤولية الناتجة عن حصول الاضرار أو تفاقمها، وسواء أكانت تلك الأضرار مباشرة أو غير مباشرة.
القسم الثاني: المسؤولية الناتجة عن الأعمال العسكرية الحاصلة بالصورة غير المباشرة ونعني بها هنا تلك المتصلة بفعل قيام ما يسمى حالة اللاحرب واللاسلم.
مما لا شك فيه، ان حصول أي اضطرابات تعود بسببها إلى تلك الأحوال سالفة الذكر أعلاه، يعني ان البحارة وأصحاب السفن باتو يتحملون أوضاعاً صعبة ناتجة عن لا استقرار، ام حالة عدم الاستقرار وان كانت وليدة عدم الاتفاق او التهرب من التوقيع لنهاية لتلك الاعمال العسكرية برأينا لا يجب بتاتاً ان يعفي الدول من وجوب تحمّل المسؤولية المتصلة بأضرار تعود بأسبابها إلى اعتداءات متكررة، او تلك الهادفة بحدّ ذاتها لنشوء الوضع المتصل باللاحرب واللاسلم، وهنا يضحى الفاعل هو المسؤول عن تلك الاضرار، ولا يردّ على ذلك بالقول مثلاً أو فرضاً بأنّه كان على الضحية أو المتضرّر تصوّر تلك النتائج او توقعها لماذا لأنّه من غير خاف عن البيان ان الحاجة ام الاختراع، بمعنى لا يمكن حجب استعمال المضائق البحرية او معاقبة المقترب منها، او الذي يبحر ضمن جوارها، او حدودها، طالما انه كان مضطرّا لذلكن فالاضطرار هنا لا يجب برأينا بتاتاً، ان يؤول لحجب المسؤولية او للتذرّع بقوّة قاهرة هي بالأساس وليدة الاعمال العسكرية او الناجمة عنها او المنبثقة عن تكاملها وعلى النحو المدرج أعلاه.
وقبل قفل هذا القسم لا بدّ من التأكيد على انه من المؤكد ان الدول المسؤولة عن الاضرار المدنية سوف تسعى لحجب المسؤولية او حتى لمنع أيّ مساءلة بحجة إلقاء تلك التبعات على عاتق خصومها، وهذا الامر من البديهيات التذرّع به أو إمكان أو تصوّر اللجوء اليه بوقت بات فيه العالم يفتقر وللأسف، لأيّ حسّ بالمسؤولية وبوقت وللأسف تكراراً بات القوي هو الحاكم، وهو يكاد ان يكون الحكم في آن معاً.
القسم الثالث : الانفراد بمراقبة المضيق وتأثير ذلك بخصوص تحديد الجهة المسؤولة عن الاضرار الواقعة
لا بدّ بادئ ذي بدء من دراسة بهذه الحالة، شروط وقواعد واسس وأسباب وصولاً للخلوص بترتيب المساءلة او المسؤولية عن الاضرار الحاصلة وهنا بالتالي يكون علينا موجب البحث بمعنى الانفراد او الاستقلال بإدارة شؤون المضيق موضوع البحث الحالي.
لعلّ اهمّ ما يلفت الباحث هو معرفة قواعد الانفراد بإدارة المضيق والبحث بالتالي بأسبابه وشروطه.
بالواقع، ان الجواب على تلك النقطة ليس بالأمر اليسير، ذلك ان الانفراد يشترط لحصوله ان تكون الدولة التي يقع المضيق ضمن حدودها قادرة بهذه الحالة وبالصورة الثابتة على رعاية شؤون المضيق وخصوصياته، فإن تعذر ذلك انعدم القول بإمكانية وجود انفراد بالمساءلة، او بتحمل المسؤولية اللهم إلا إذا نتجت الاضرار موضوع المساءلة عن اعمال مقصودة، الامر الذي يجعل المسؤولية واقعة على عاتق تلك الدولة بالذات.
ويختلف الأمر بحال حصول الانفراد او الاستقلال بإدارة موقع المضيق او حدوده، فتكون تلك الدولة هي المعنية بالتالي بهذه الحالة لجهة تحمّل المسؤولية طبقاً لقاعدة الغنم بالغرم، لكونها قد استفادت من استيفاء رسوم محددة، فيضحى على عاتق تلك الدولة بالذات، موجب السعي لتحمل الأعباء الناتجة عن اعمال الإدارة وبالأخص متى صاحب بالتالي، ذلك مثلاً او فرضاً، الاستيفاء لرسوم مرور السفن وسواها من الإجراءات والقواعد ذات الصلة.
ومع ذلك، لا تكون تلك الدولة مسؤولة بحال تخللت عملية الإدارة – الاعمال العسكرية الحاصلة، ولو بالصورة المتقطعة او العابرة – لأن من شأن ذلك التأثير على مبدأ الاستقلال بإدارة المضيق، فضلاً عن كون أنّ الاستقرار يجب ان يصاحب الإدارة، فإنْ حصل عدم الاستقرار او عدم الاستقلال، تعذر القول بوجود مسؤولية مباشرة ثابتة أو أكيدة ويبقى مع ذلك بكل حين بإمكان المتضرر اثبات العكس، او وقوع الاضرار بفعل تلك الإدارة ولو الحاصلة عن طريق الاعتداء او الاغتصاب بالقوة في ما عنى المضيق موضوع البحث الحالي، ما لم يصاحب ذلك، وكما قدمنا أعلاه قبول المتضرر سلفاً بالمخاطرة او عدم تحسّبه لتلك المخاطر او حتى مصاحبة تلك الأفعال المشكو منها بفعل اهمال أو تقصير من قبل القبطان، أو حصول أي اخلال من قبل ربان السفينة بقواعد الإبحار وشروط السلامة وسواها من النقاط ذات الصلة وعلى النحو المشروح آنفاً.
القسم الرابع : دور الضحية او المتضرر كسبب مانع للمسؤولية او حاجب لها ولو بالصورة النسبية أو الجزئية
مما لا شك فيه ان الضحية هنا هو أصحاب السفن الدول التي أعلنت سلفاً وتكراراً انها لا تبغي أبداً التدخل بتلك الحرب الدائرة، حرب مضيق هرمز، او بمحاذاته.
ان الضحية يضحى دورها مع ذلك قائماً وواضحاً بحال كان عليها التوقّع لأي ضرر، وكما أوردنا أعلاه، فلم تمتنع عن الإبحار او لم تستجب فرضاً لتهديدات الدولة التي تتذرع بأنّ المضيق بعهدتها، علماً بأنّ الانفراد وكما ذكرنا – منذ المقدمة بالادعاء بأن المضيق بعهدة دولة ما – يجعلها تتقبل ولو سلفاً تحمّل أي اضرار، فإن سبق وقوع تلك الاضرار، بالتالي التحذيرات المحكي عنها أعلاه، يضحى المتضرر له الدور او حتى المشاركة ان جاز التعبير، بوجوب تحمل ولو جزء من تلك المسؤولية المتصلة بالأضرار المادية، وتبعاً لما قد توضّح في ما سبق لتلك النواحي.
وقبل قفل البحث الراهن، لا بد من التأكيد بكل الأحوال على النقاط الجوهرية الآتية:
أوّلاً: ان قيام المسؤولية ووقوع الاضرار المشكو منها، لا تعني أبدا القول بأن للحروب قواعدها وأسباب قيامها، والا لو اجيز ذلك القول يعني الاعفاء من تحمّل أي مسؤولية، الامر الذي يتنافى مع الاحكام والقواعد الشرعية، ويجعل من شرعة الحقوق فارغة من أحكامها، ويضحى الانسان وكأنه عليه الرضوخ ولو مسبقاً لكلّ النتائج والشرائع المتصلة بحروب قام من قام بافتعالها منصّباً نفسه هو الحاكم والحكم، ويضحى الفاصل او المرجع للمتضرر شرعة القوي، أي شرعة الغاب، ان جاز القولـ او استعمال التشابيه.
ثانياً: ان المتضرر له الحق في أية مرحلة، التقدم بالشكاوى، ويكون هنا برأينا المرجع المختص ليس حكماً أو حتماً، المحاكم الدولية، بل أيضاً وهذا هو الأهمّ ضمن فصل البحث الراهن، محكمة وقوع الضرر المشكو منه، فإن تعذر معرفة المحكمة المختصة بصورة شائكة، او من الصعب معرفتها يضحى القاضي او المحكمة المختصة ساعتئذٍ هي المحكمة الدولية، ويكون برأينا انّ على تلك المحاكم ان تعنى بدراسة كل القواعد والأسباب والشروط المتصلة بوقوع الاضرار المشكو منها أو الناتجة عنها وتبعاً للمشروحات المشار اليها بهذا الخصوص.
واخيراً يضحى بالفعل ما قد يصح الوقوف عنده هو أسباب ومعايير واسس رفع المسؤولية، وبوقت لا يعقل القول فيه بحصول او بوقوع او اعتبار الحرب بحدّ ذاته فعلاً يندمج مع القوة القاهرة أو يبيح الوقوف عندها والامتثال لأحكامها خصوصاً وهذا هو الأهمّ، بوقت تستمر فيه الحروب او تضحى الواقعة بين الدول المتصارعة التي تكون بالمدى القريب ولربما البعيد، بحالة لا حرب ولا سلم، هنا برأينا لا مجال للقول بوجود قوة قاهرة للتملص من أي مسؤولية بهذا الشأن.
وللبحث تتمة..
* جزء من كتيّب قيد الطبع.
“محكمة” – الجمعة في 2026/10/22



