علم وخبر

حينَ يصحّ الحُكم في النتيجة القانونية وحدها، يلفظُ منطوقهُ أنفاسهُ الأخيرة (تعليق على حكمي جنايات جبل لبنان بقضيتي الأخوين تانليان والدكتور فود)/هيثم عزو

المحامي الدكتور هيثم عزُّو (أستاذ محاضر في كليات الحقوق في الجامعة اللبنانية):
تردّدتُ طويلاً قبل أن أكتب هذا المقال، الذي لطالما كانَ يراودني حين قراءة بعض الأحكام القضائية، لا تهيّباً من إبداء الرأي القانوني، بل حرصاً على سمو سمعة القضاء في أحكامه؛ غيرَ أنّني وجدتُ أنّ الصمت، في بعض المواضع، قد يُفهم على غير مقصده، وأنّ واجب الكلمة المسؤولة يقتضي ألّا يبقى النقد العلمي الموضوعي حبيس التردّد بشأنها.
ولعلَّ ما حسمَ تردّدي في الكتابة حول هذا الموضوع، هو أنّني تلقّيت منذ يومين، عبر تطبيق «واتساب»، رسالةً من أحد طلابي السابقين في الحقوق، أرفقَ بها حكماً صادراً عن إحدى المحاكم الجنائية في لبنان، قضى بإسقاط دعوى جزائية بحقّ الملقّب بـ«دكتور فود» لعلّة العفو العام؛ ولم تكن تلكَ الرسالة منهُ مجرّد استفسارٍ عابر عن صحة نتيجة حكمٍ قضائي، بل حملت في طيّاتها تساؤلاً علمياً يمسّ صميم ما كنّا نرسّخه على الدوام في قاعات التدريس من أصول تعليل الأحكام القضائية وضوابطها، إذ استعاد الطالب ما تلقّاه منَّا بشأن وجوب أن تأتي الأحكام معلّلةً تعليلاً كافياً ووافياً، يُفصِح عن مرتكزاتها القانونية، ويُظهر سلامة الاستدلال الذي بُنيَت عليه؛ ثم عبّرَ، بمرارةٍ تختزل المسافة بين المعرفة القانونية في صورتها النظرية وتجلياتها العملية، قائلاً لي حرفياً: «إنّ العلم النظري الذي تلقّيناه في الجامعة شيء، والواقع على الأرض في المحاكم شيءٌ آخر». عندها، لم تعُد المسألة بالنسبة لي مجرّد حكمٍ قضائي عابر، شأنهُ شأن الكثير من الأحكام التي تذهب في غياهب النسيان، بل غدا مناسبةً لاستحضار مسؤوليتي كرجل قانون في ألّا تظلّ الأصول والمبادئ القانونية النظرية التي يعلّمها مجرّد قواعد محفوظة في النصوص والمراجع، وضرورة أن تجد أثرها العملي في الممارسة القضائية، حيث يُمتحن العلم بسلامة التطبيق، وتُقاس قيمة التعليل بقدرته على إظهار الأساس القانوني للنتيجة، وتمكين ذوي الشأن من الوقوف على مسوّغاتها ومناقشة وجاهتها.
فأناً كمحامٍ أولاً، أرى أنّ رسالتي لا تقف عند حدود الدفاع عن حقوق المتقاضين، بل تمتدّ إلى الإسهام في تصويب ما قد يشوب الأحكام القضائية من خللٍ في تطبيق القانون أو قصورٍ في التعليل؛ وكأستاذٍ جامعي في كليات الحقوق ثانياً، أجد في التعليق القانوني على القرارات والأحكام القضائية مسؤوليةً أكاديمية وعلمية في هذا الصدد، فتوصلت بكل قناعة الى انَّ احترام القضاء لا يتعارض مع إخضاع أحكامه للنقد العلمي المسؤول، وأنَّ بيان مواضع الخلل فيها ليس انتقاصاً من قيمة القضاء، بل قد يكون أحد أوجه الوفاء له، لإسهامهِ في تعزيز الثقة به والارتقاء بأدائه، كما أنّ نقد الحكم لا يعني الانتقاص من جدارة مصدِره، بل إنّ النقد المؤسّس على العلم والحجّة من شأنه أن يُشكِّل حافزاً قد يحمل المحاكم على مزيد من التأني خلال صياغة أحكامها، إدراكاً منها أنّ الحكم القضائي ليس بمنأى عن المساءلة العلمية، وأنّ جودة الأحكام القضائية، لا تُقاس بسلامة النتائج القانونية فحسب، بل بمتانة المنهجية العلمية التي بُنيَت عليها وتماسك المنطق الاستدلالي الذي أفضى اليها، وكفاية التعليل القانوني الذي يتيح لقارئها التحقق بسلامة ما انتهت اليها.
لذلك، لا أكتب ذلك انتقاصاً من مقام القضاء، ولا اطلاقاً تعميماً على قضاته، بل انطلاقاً من ايماني برسالة العلم الحقوقي والقانوني وبضرورة صون أصول الممارسة القانونية وضوابطها من قِبَل المؤتمنين عليها، وفي مقدّمهم القضاء، بوصفه الحارس لحُسن تطبيق القانون تطبيقاً سليماً، وفقَ منهجية منطقية وعلمية سليمة. ومن هنا، فإنَّ المطلوب ليس أن يكون القضاء معصومًا عن الخطأ القانوني، إذ إنّ القانون أوجد طرق الطعن لتدارك ما قد يشوب الأحكام من خلل قانوني، بل أن المأمول أن يكون الحكم الصحيح في نتيجته القانونية ثمرةَ دراسة قضائية متأنّية، واستدلالٍ منضبط وسليم، وتعليلٍ رصين ومتماسك، تتّسق فيه أسبابه مع منطوقه، وتستند نتيجته إلى أساسٍ قانوني واضح، يُفصح من خلاله عن المسوّغات القانونية التي تبرّرها؛ فالحكم القضائي ليس مجرد نتيجة تُعلن، بل بناء قانوني معلّل، يُظهر كيف انتقل القاضي من الوقائع إلى النص، ومن النص إلى النتيجة، وكلما كان هذا البناء واضحاً ودقيقاً ومعلَّلاً بصورة وافية وكافية، ازدادت الثقة بالحكم، وأصبح مرجعاً يُحتذى به في العلم والفقه والاجتهاد.
وعَوْدٌ على بَدء، وفي تعليق أولي ومقتضب على الحكم الجنائي الذي تم تداول صورته الكاملة، المؤلفة من صفحتيّن، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمتعلق بجرائم ترويج واتجار المخدرات والمنسوبة الى الملقّب (بالدكتور فود)، يُلاحَظ أنَّ الجزء المتعلّق بمصير دعوى الحق العام لم يتجاوز سطراً ونصفاً، اقتصر فيه الحكم فقط على تقرير شمول أفعال المتهم بقانون العفو العام، ومن ثمّ كفّ التعقّبات بحقه عملاً بالمادة 10 أصول جزائية.
ولا يفوتني في المستهل أن أُؤكّد بأنَّ ملاحظاتي القانونية، في هذا التعليق، لا تنصبّ على النتيجة التي انتهى إليها الحكم، بقدر ما تتناول منهجية تعليله ودقّة تكييفه القانوني ومدى تماسك أسبابه مع انسجامها في منطوقه؛ وعليه، فانَّهُ بصرف النظر عن صحة النتيجة التي خلصَ الحكم اليها، فإنَّ بلوغها كان يقتضي إظهار الأساس القانوني الذي استند إليه، وكان عليه بالضرورة -وفق تقنية ومنهجية صياغة الأحكام القضائية La méthodologie de rédaction et de motivation des jugements judiciaires وسنداً لمنطوق أحكام المادة 274 أصول جزائية التي توجب ان يشتمل حكم محكمة الجنايات على تفنيد للأسباب الموجبة للتجريم من عدمه- أن يُعلِّل ويوضّح في متنه كيفَ أنَّ الفعل الجنائي للمتهم مشمولاً بالعفو العام ولاسيما لجهة تحقّقه من انتفاء حالة «التكرار القانوني» الذي يشترطها قانون العفو بخصوص جرائم المخدرات والتي أكدت عليها التحفّظات التفسيرية الملزمة الصادرة عن مجلس الدستوري، بحيثُ يكون التعليل المطلوب في هذه الحالة كاشفاً عن المرتكزات الواقعية والقانونية للنتيجة، لا أن يقتصر على إعلانها فقط لعلة قانون العفو الذي يضع شروطاً للاستفادة منه في هذه الجريمة؛ وكانَ من شأن الإشارة المعلّلة إلى واقع السجل العدلي للمتهم الذي تم ضمنه حتماً الى الملف، أن تُسهم في بيان مدى توافر هذا الشرط، بدلاً من تركه دون معالجة ظاهرة في الحكم. وفي ضوء ما تقدَّم، كان يقتضي بالضرورة قانونياً ومنهجياً بيان مدى انطباق شروط العفو على الفعل والمحكوم عليه، والاشارة الى تحقق المحكمة من شرط التكرار القانوني، ثمَّ تحديد الأثر الإجرائي الملائم في الفقرة الحكمية.
وكذلك، كانَ يقتضي أيضاً ضبط الفقرة الحكمية بما يتلاءم مع التكييف القانوني المعتمد في الحكم، بحيثُ كان عليه أن يُعلن في تلك الفقرة اسقاط الدعوى العامة عن المتهم لعلة العفو، لا الاكتفاء بكلمة كف التعقبات عنه، والذي هو الأثر القانوني المترتّب على سقوطها.
وكذلك الأمر كانَ يقتضي أن يعطف الحكم، في معرض تسويغه إطلاق سراح المتهم، أحكام المادة 10 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والذي استند اليها في فقرته الحكمية لإسقاط الدعوى الجزائية لعلَّة العفو العام، على أحكام احدى المادتين 276 و412 منه، كسند قانوني مبررِّ لإطلاق سراح المتهم الموقوف في حالة سقوط الدعوى، اذ إنَّ المادة 10 تحدد أسباب سقوط الدعوى، في حين أنَّ المادتين المشار اليهما تحدد الأثر المترتب على زوال الدعوى والذي يؤول حكماً الى زوال المُسوِّغ القانوني للتوقيف في هذه الحالة، إذ إنَّ المادة 10 التي اكتفى بإيرادها الحكم ليست اطلاقاً السند القانوني المبرِّر لنتيجة إطلاق السراح وانَّما هي السند القانوني المبرِّر لإسقاط الدعوى والمحدد لحالات سقوطها وإن تكن هذه الأخيرة أثرًا قانونيًا حتميًا للنتيجة الأولى، متى ما كان المتهم غير موقوف لداعٍ آخر؛ فالتسبيب القانوني السليم لا يقتصر على بيان السند الذي أفضى إلى سقوط دعوى الحق العام، بل يقتضي أيضاً إظهار السند القانوني الذي يبرّر ترتيب الأثر الإجرائي المتمثّل بإطلاق سراح المتهم؛ وعليه، كان من الملائم، لهذه الغاية، إيراد النصوص الإجرائية ذات الصلة في هذا الصدد، وعطف أحكام هذه المواد القانونية على بعضها البعض، بما يُظهر تكاملها في تأسيس النتيجة التي انتهى إليها الحكم، ويحدّد بوضوح الأساس القانوني لكلٍّ من سقوط الدعوى والأثر المترتب عليه، لتشكّل مع بعضها البعض سنداً قانونياً واضحاً ومتماسكاً ومبرِّراً لكل منطوق الفقرة الحكمية.
هذا مع التنويه والاشارة الهامة قانوناً، إلى عدم ملاءمة استعمال مصطلح «كف التعقّبات» المذكور في الحكم موضوع التعليق، باعتبار أنَّهُ لا يستقيم منطقاً اعتماده أمام قضاء الحُكم، سواء القاضي المنفرد الجزائي أو محكمة الجنايات، إذ إنَّهُ يعني قانوناً فقط كف الملاحقة الجزائية بحق المدعى عليه ووقفها والاحجام عن متابعتها وهو قرار كانَ يتم اتخاذه قاضي التحقيق وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم والذي تمَّ استبداله لاحقاً في القانون الجديد بقرار «منع المحاكمة» ordonnance de non lieu والذي يعني منع احالة المدعى عليه للمحاكمة أمام قضاء الحكم فيما هو منسوبٌ اليه، لوجود سبب واقعي أو قانوني من الاسباب المنوَّه عنها في المادة 122 من القانون الناظم لأصول المحاكمات جزائية، بما يعني ذلك أن منع المحاكمة يكف التعقّبات، أي يوقف استمرار الملاحقة الجزائية ضده؛ وهذا القرار يمكن قانوناً العودة عنه لاحقاً، في حال كان مبنياً على سبب واقعي فقط ومنها ظهور أدلة جديدة بعد صدوره، يتم تقدير جديتها وكفايتها حصراً من النائب العام، فيُفتح التحقيق مجدداً بشأنها أمام قاضي التحقيق بناءً لطلب النيابة، إذا تبينَ لها أنها تفي بالغرض المذكور، على ما نصَّت عليه أحكام المادة 127 من القانون المذكور.
وفي المقابل، فإنَّ اصطلاح «ابطال التعقّبات» وهو التعبير الأنسب والصحيح الذي كان على الحكم الجنائي اعتماده في فقرته الحكمية، يعني ابطال الملاحقة الجزائية واهدار أساسها القانوني بأثر رجعي لتوافر سببٍ من الأسباب القانونية حصراً، دون الأسباب الواقعية، وهي ذات الأسباب القانونية المشار اليها في المواد 122 و 198 و274 و290 أصول جزائية والتي تتثمَّل في حالتين مفادهما عدم جُرمية الفعل المدعى به أو عدم توجّب عليه عقوبة سالبة للحرية وذلك امَّا لكون الفعل لا يُؤلف جرماً جزائياً بنتيجة عدم توافر أركانه مجتمعةً، أو لأنَّ النزاع ذات طابع مدني أو تجاري وليس جزائيًا، أو لصدور قانون جديد يجرّد الفعل من أي وصف جرمي ويجعله مباحاً، أو لزوال عنه الصفة الجرمية لسبب من أسباب التبرير، أو لأنّه معفى من العقاب بنتيجة سقوط المسؤولية الجزائية عنه لسبب من موانع العقاب، أو لأنَّ الفعل معاقب عليه فقط بالغرامة دون الحبس، أو لسقوط الدعوى الجزائية موضوعه لأحدٍ من أسباب سقوطها قانوناً.
وبناءً على ما تقدَّم، فإنَّ هذا الفارق الجوهري قانوناً بين اصطلاحي «كفّ التعقّبات» و«إبطال التعقّبات» لا يقف عند حدود التسمية، بل يتجلّى في الطبيعة القانونية لكلٍّ منهما، وفي نطاق حجّيته القانونية وقوة مفعول الآثار المترتّبة عليه.
فالحكم القاضي بإبطال التعقبّات يكون له مفعول رجعي إلغائي سنداً لأحكام المادة 333 أصول جزائية، ويحُول أيضاً دون إعادة ملاحقة الشخص عن الفعل ذاته ولو أُسبغ عليه وصف قانوني آخر على ما نصت عليه أحكام المادة 276 أًصول جزائية، وذلك بخلاف قرار منع المحاكمة الصادر عن قضاء الظن والتحقيق والذي كان يسمى في قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم بقرار كف التعقبات كما ذكرنا سالفاً والذي لا يحول بطبيعته دونَ ملاحقة مجدداً، المستفيد منهُ، وفقاً للشروط القانونية والآلية المحددة في المادة 122 أصول جزائية والمشار اليها آنفاً في المتن؛ ومن ثمّ، فإنّ التمييز بين هذه المفاهيم القانونية ليس تمييزاً لفظياً، بل هو تمييز في طبيعة القرار، وحجّيته، ومدى جواز العودة إلى الملاحقة بعد صدوره.
وغنيٌّ عن البيان، أنَّ المشترع الاجرائي كان قد استعملَ في القانون الناظم لأصول المحاكمات الجزائية مصطلح ابطال التعقبات في النصوص الخاصة بالقاضي المنفرد الجزائي، في حين عمد الى استعمل، في النصوص المتعلقة بمحكمة الجنايات تارةً تعبير كف التعقّبات وتارةً أخرى تعبير ابطال التعقّبات، وهذا الدمج بينهما في هذا الشأن هو نوع من الهذيان التشريعي في ظل ما يترتّب على كلٍّ من هذيّن الاصطلاحيّن من آثار قانونية متمايزة ولاسيَّما أنّ القاضي المنفرد الجزائي ومحكمة الجنايات، وإن اختلفا من حيث الاختصاص النوعي في الجرائم المناط بكل منهما النظر فيها، فإنَّهما يشتركان في كونهما من قضاء حُكم؛ وعليه، فإنّ الدعوى، عند وصولها إليهما، تكون قد تجاوزت مرحلتي الملاحقة والتحقيق، ودخلت مرحلة الفصل النهائي في موضوعها ووصلنا الى نهاية المطاف في التعقّبات، وبالتالي لا يمكن القول هنا بكفِّها، أي بعدم متابعتها، في ظل اكتمالها بوصولها لمرحلة الحُكم؛ بل الأصح القول بإبطالها، في ظل بلوغها المرحلة النهائية، وترتيب على البطلان مفعول الإلغاء بصورة رجعية، منذ تاريخ الشروع بها.
وأخلص إلى القول، إنّ هذا المقال موضع التعليق على حكمٍ جنائي، ليس إلا رسالةً مهنيةً صادقة، تنبع من محبّتي لقضاء بلادي وغيرتي على قيمة أحكامه حين وضعها في ميزان الثقل القانوني والحقوقي؛ وما التمني الذي أطمح به هو أن يكون كل حكم صادر عن أي محكمة لبنانية كانت، نموذجاً يُدرَّس ويُحتذى به في محافل القانون عربياً ودولياً؛ ولكن وإنصافاً للحقيقة وتداركاً لها ومنعاً من تشويهها، فإنّني أجزم أنَّهُ في قضائنا قضاةً يمتلكون من العمق القانوني والملكة التحليلية وحُسن الصياغة ما يستحقّ التنويه والتقدير؛ بل إنَّ بعض الأحكام الصادرة عن قضاة منفردين تتجلّى فيها أحياناً متانةٌ في التعليل ودقّةٌ في الاستدلال والتحليل، قد لا نجد نظيراً لهما في بعض الأحكام الصادرة عن مراجع قضائية أعلى.
وأغتنم هذه المناسبة للتنويه أخيراً بالحكم الذي نشرته مجلة «محكمة» منذ يوميّن، والصادر حديثاً بتاريخ 2026/10/15 عن محكمة جنايات جبل لبنان، برئاسة القاضية رانيا يحفوف، وعضوية المستشارين إيهاب عبد الرحيم وسمر عبد الهادي مشموشي، والذي رغم عدم معرفتي الشخصية بهم، عرفتهم مَن هم من خلال حكمهم والذي استوقفني بعمقه القانوني، واستدرجني إلى قراءته بشغفٍ حقوقي ومتعةٍ فكرية، لما ينطوي عليه من دقّةٍ في التحليل ومتانةٍ في التعليل وبلاغة في العرض وجمالٍ في الصياغة وفكر حقوقي وانساني رصين، فبدا لي تحفةً قضائية متناسقة في ألوان بنائها القانوني، لا يمكن للحقوقي حين المرور جانبها الاكتفاء بإلقاء نظرة عابرة عليها، اذ ستأثرهُ بجمال شكلها ومضمونها وتستدرجه الى التمعّن في عمقها وتبعث في نفسهِ تقديراً للجهد العلمي والقانوني المبذول فيها.
واني لا أورد هذا المثال للمفاضلة بين القضاة أو المحاكم، بل للتأكيد أنَّ في الاجتهاد اللبناني نماذج مشرّفة تستحق أن تُبرز وتُدرّس وتُحتذى، وأنّ الإشادة بالحكم المتقن لا تتعارض مع نقد أي حكم يفتقر إلى ما يلزم من منهجية وتعليل، رغم أنَّ لمصدريه أحكامًا أخرى ذات شأن؛ فكلاهما وجهٌ من وجوه الوفاء للعدالة وللعلمِ والقانون…
والله من وراء القصد،
بكلّ تحفُّظ واحترامٍ.
“محكمة” – الأحد في 2026/10/18

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!