أبحاث ودراسات

دراسة مختصرة حول مدى شمول جرائم محاولة القتل بقانون العفو العام رقم 2026/70/قاسم كريم

المحامي قاسم كريم:
أولاً: موضوع الدراسة
تتناول هذه الدراسة أحكام القانون رقم 70 الصادر بتاريخ 4 أيلول 2026 والمتعلق بمنح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية، وذلك من زاوية الجرائم الواقعة على الحياة، وبوجه خاص:
1. موقف القانون من جرائم القتل القصدي والعمدي.
2. مدى انطباق العفو العام على جرائم محاولة القتل.
3. أثر قرار المجلس الدستوري رقم 2026/12 تاريخ 12 تشرين الأول 2026 في تفسير أحكام القانون.
4. تحديد النتيجة القانونية الراجحة بشأن شمول محاولة القتل بالعفو العام.
ثانياً: الإطار القانوني للعفو العام
تنص المادة 150 من قانون العقوبات اللبناني على أن العفو العام يصدر عن السلطة الاشتراعية، ويؤدي، من حيث المبدأ، إلى إسقاط العقوبات الأصلية والفرعية والإضافية ضمن الحدود التي يرسمها قانون العفو.
وبموجب المادة الأولى من القانون رقم 2026/70، مُنح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026، وشمل من ساهموا فيها بصفتهم فاعلين أو شركاء أو متدخلين أو محرضين أو مخبئين. ويؤدي العفو الكامل إلى سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات المحكوم بها، مع بقاء الحقوق الشخصية والتعويضات المدنية وفقاً للأحكام المقررة في القانون.
إلا أن هذا الشمول العام ليس مطلقاً، إذ عددت المادة الثانية من القانون الجرائم المستثناة من العفو
ثالثاً: موقف القانون من جرائم القتل
نص البند الثاني من المادة الثانية من القانون رقم 2026/70 على استثناء:
القتل عمداً أو قصداً، والجرائم الواردة في قانون الإرهاب الصادر بتاريخ 11 كانون الثاني 1958 بحق المدنيين أو العسكريين وجميع عناصر القوى الأمنية.
وبالتالي، فإن جرائم القتل القصدي والعمدي التامة غير مشمولة بالعفو العام، سواء صدر بشأنها حكم أم لم يصدر.
وتشمل جرائم القتل المقصودة في قانون العقوبات، بصورة رئيسية:
• القتل قصداً المنصوص عليه في المادة 547 من قانون العقوبات.
• القتل القصدي المقترن بأسباب مشددة والمنصوص عليه في المادة 548.
• القتل القصدي المقترن بالعمد أو بسائر الظروف المشددة المنصوص عليها في المادة 549.
ويجب التمييز بين العفو الكامل المنصوص عليه في المادتين الأولى والثانية وبين تخفيض العقوبات المنصوص عليه في المادة الثالثة. فاستثناء جريمة القتل من العفو الكامل لا يعني بالضرورة حرمان مرتكبها من كل تخفيض، إذ وضعت المادة الثالثة نظاماً مستقلاً لتخفيض العقوبات في الجرائم التي لم يشملها العفو.
رابعاً: التنظيم القانوني لمحاولة القتل
نظّم قانون العقوبات اللبناني المحاولة الجرمية في المادتين 200 و201.
وتقرر المادة 200 أن كل محاولة لارتكاب جناية بدأت بأفعال ترمي مباشرة إلى اقترافها، ولم يحل دون إتمامها سوى ظروف خارجة عن إرادة الفاعل، تعتبر كالجناية نفسها، مع جواز تخفيض العقوبة ضمن الحدود التي يقررها القانون.
أما المادة 201 فتتناول الحالة التي تتم فيها جميع الأفعال الرامية إلى اقتراف الجناية، إلا أن النتيجة الجرمية لا تتحقق بسبب ظروف لا علاقة لها بإرادة الفاعل، وهي الحالة المعروفة بالجناية الخائبة.
وعليه، فإن محاولة القتل لا تشكل، من الناحية القانونية، جريمة مستقلة كلياً عن جريمة القتل، وإنما توصف عادةً بأنها:
• جناية محاولة قتل قصداً، سنداً إلى المادة 547 معطوفة على المادة 200 أو المادة 201 من قانون العقوبات؛ أو
• جناية محاولة قتل عمداً أو محاولة قتل مقترنة بظرف مشدد، سنداً إلى المادة 548 أو 549 معطوفة على المادة 200 أو 201.
وقد استقر التطبيق القضائي اللبناني على هذا الأسلوب في الوصف القانوني، أي ربط النص المتعلق بالقتل بالنص العام المتعلق بالمحاولة.
خامساً: الاتجاهات الممكنة في تفسير مدى شمول محاولة القتل بالعفو
1- الاتجاه القائل بشمول محاولة القتل بالعفو
يمكن الاستناد لتأييد هذا الاتجاه إلى الحجج الآتية:
• إن المادة الأولى جعلت العفو هو الأصل بالنسبة إلى الجرائم السابقة لتاريخ 1 آذار 2026، بينما أوردت المادة الثانية الاستثناءات.
• إن البند الثاني من المادة الثانية ذكر «القتل عمداً أو قصداً» ولم يذكر صراحةً «محاولة القتل» أو «الشروع في القتل».
• إن قوانين عفو لبنانية سابقة استخدمت، عندما أرادت استثناء المحاولة، عبارات صريحة من قبيل «الاغتيال أو محاولة الاغتيال»، ما قد يدل على أن المشترع يميز لغوياً بين الجريمة التامة ومحاولتها.
• إن الاستثناء من قاعدة عامة لا يجوز، كأصل تفسيري، التوسع فيه أو القياس عليه.
وبناءً على هذه الحجج، يمكن القول إن عدم ذكر محاولة القتل صراحةً يجعلها مشمولة بالعفو بوصفها جريمة غير واردة حرفياً ضمن قائمة الاستثناءات.
2- الاتجاه القائل بعدم شمول محاولة القتل بالعفو
وهو الاتجاه الأرجح، ويستند إلى الحجج الآتية:
1. النص الصريح للمادة 200 من قانون العقوبات:
اعتبرت المادة 200 محاولة الجناية بمثابة الجناية نفسها. وبالتالي، فإن محاولة القتل تبقى من الناحية القانونية صورة غير تامة عن جناية القتل ذاتها، ولا تتحول إلى جريمة من طبيعة مختلفة.
2. الوصف القانوني القضائي لمحاولة القتل:
لا تُلاحق محاولة القتل استناداً إلى المادة 200 أو 201 وحدهما، بل استناداً إلى إحدى مواد القتل، ولا سيما المواد 547 أو 548 أو 549، معطوفة على المادة 200 أو 201. ومن ثم تبقى الجريمة داخلة ضمن فئة جرائم القتل القصدي أو العمدي التي استثناها القانون.
3. خطورة التناقض في المعالجة:
إن اعتبار القتل التام مستثنى، بينما تعتبر محاولة القتل مشمولة حكماً بالعفو، يحتاج إلى عبارة تشريعية واضحة تدل على إرادة المشترع إحداث هذا التمييز، ولا سيما أن عدم تحقق الوفاة قد يعود إلى ظرف خارجي محض لا صلة له بإرادة الفاعل.
4. مبدأ التفسير الضيّق للعفو العام:
أكد المجلس الدستوري أن العفو يشكل استثناءً على مبدأي الملاحقة والمحاسبة، وأنه لا يجوز استنتاجه ضمناً أو التوسع فيه، وأن الخروج عن القاعدة الأصلية في الملاحقة والعقاب يفترض شمول الفعل بالعفو بصورة واضحة وغير ملتبسة.
5. وجوب قراءة قانون العفو بالاستناد إلى المفاهيم المستقرة في قانون العقوبات:
شدد المجلس الدستوري على إمكان رفع غموض قانون العفو بالرجوع إلى المفاهيم القانونية المستقرة في قانون العقوبات. ومن أهم هذه المفاهيم القاعدة الواردة في المادة 200، التي تعتبر محاولة الجناية كالجناية نفسها.
سادساً: موقف المجلس الدستوري
أصدر المجلس الدستوري قراره رقم 2026/12 بتاريخ 12 تشرين الأول 2026، فردّ طلب إبطال القانون رقم 2026/70 بكامله، لكنه أبطل بعض العبارات منه وفرض تحفظات تفسيرية ملزمة للسلطات القضائية والإدارية.
وفي ما يتعلق بجرائم القتل، قرر المجلس بصورة أساسية ما يأتي:
1. إن العفو الشامل ذو طابع استثنائي، ويجب تفسيره تفسيراً ضيقاً، فلا يُستنتج ضمناً ولا يُتوسع فيه.
2. إن الغموض في بعض أحكام القانون يمكن رفعه بالرجوع إلى المفاهيم القانونية المستقرة في قانون العقوبات.
3. إن التحفظات التفسيرية التي يقررها المجلس ملزمة لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية.
4. إن الأحكام المتعلقة بجرائم القتل المشددة في المادة الثالثة يجب أن تشمل كل جرائم القتل القصدي أو العمدي الواردة في المواد 547 و548 و549 من قانون العقوبات.
5. إن شرط إسقاط الحق الشخصي، في الحالات التي حددها القانون والمجلس، لا يجوز تفسيره بطريقة تخل بمبدأ المساواة بين المتضررين من جرائم قتل متماثلة.
إلا أن المجلس الدستوري لم يتناول محاولة القتل بعبارة صريحة ومستقلة، كما لم يضع تحفظاً تفسيرياً خاصاً يقرر بصورة مباشرة ما إذا كانت محاولة القتل مشمولة بالعفو أو مستثناة لذلك تبقى المسألة قابلة للجدل أمام المحاكم عند التطبيق على الملفات الفردية.
غير أن عدم تناول المجلس للمحاولة صراحةً لا يمنع من الاستناد إلى المبادئ التي قررها، ولا سيما:
• الرجوع إلى أحكام ومفاهيم قانون العقوبات.
• عدم التوسع في منحة العفو.
• اعتبار الملاحقة والعقاب هما القاعدة، والعفو هو الاستثناء.
وهذه المبادئ ترجح تفسير استثناء جرائم القتل على نحو يشمل محاولتها، عملاً بالمادتين 200 و201 من قانون العقوبات.
سابعاً: النتيجة القانونية
بالنظر إلى نصوص القانون رقم 2026/70 ، وإلى المادتين 200 و201 من قانون العقوبات، وإلى المبادئ التفسيرية الملزمة الواردة في قرار المجلس الدستوري رقم 2026/12 ، فإن النتيجة الراجحة هي الآتية:
جرائم محاولة القتل القصدي أو العمدي غير مشمولة بالعفو العام الكامل، متى كان الوصف القانوني للفعل هو محاولة ارتكاب إحدى جنايات القتل المنصوص عليها في المواد 547 أو 548 أو 549 معطوفة على المادة 200 أو 201 من قانون العقوبات.
ويعود ذلك بصورة رئيسية إلى أن قانون العقوبات يعتبر محاولة الجناية كالجناية نفسها، وأن محاولة القتل تبقى مرتبطة قانوناً بنص جريمة القتل التي استثناها قانون العفو.
ومع ذلك، يجب تسجيل التحفظ الآتي:
لم يحسم المجلس الدستوري مسألة محاولة القتل بعبارة صريحة، ولم يُنشر حتى تاريخ إعداد هذه الدراسة اجتهاد قضائي نهائي خاص بتطبيق القانون رقم 2026/70 على محاولة القتل. لذلك فإن الجواب يمثل الرأي القانوني الأرجح، على أن يبقى الحسم النهائي للمحكمة الناظرة في كل ملف وفقاً لوصف الوقائع والمواد المدعى بها.
ولا يعني عدم شمول محاولة القتل بالعفو الكامل حرمان المحكوم أو الملاحق حكماً من الاستفادة من نظام تخفيض العقوبة المنصوص عليه في المادة الثالثة، متى توافرت شروطه ولم يوجد مانع قانوني آخر.
ثامناً: الجواب المختصر عن السؤال المطروح هل جرائم محاولة القتل مشمولة بالعفو العام؟
الجواب الراجح: لا. محاولة القتل القصدي أو العمدي تُعد قانوناً صورة من جناية القتل نفسها، وتُلاحق بموجب مواد القتل معطوفة على المادتين 200 أو 201 من قانون العقوبات، ولذلك تدخل ضمن استثناء جرائم القتل الوارد في المادة الثانية من القانون رقم 2026/70 إلا أن هذا الاستنتاج يبقى قابلاً للمناقشة القضائية لعدم ورود نص صريح عن المحاولة وعدم حسم المجلس الدستوري لها بصورة مباشرة.
المراجع القانونية الأساسية:
1. القانون رقم 70 تاريخ 4 أيلول 2026، المتعلق بمنح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية، ولا سيما المواد الأولى والثانية والثالثة.
2. قرار المجلس الدستوري رقم 2026/12 تاريخ 12 تشرين الأول 2026، الصادر في مراجعة الطعن بالقانون رقم 2026/70.
3. قانون العقوبات اللبناني الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 340 تاريخ 1 آذار 1943 وتعديلاته، ولا سيما المواد 150 و200 و201 و547 و548 و549.
4. الاجتهادات الجزائية اللبنانية التي تصف محاولة القتل بأنها جناية منطبقة على إحدى مواد القتل معطوفة على المادة 200 أو 201 من قانون العقوبات.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/10/20

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!