مقالات
التعامل مع المسؤول غير التعامل مع المسؤول السابق.. فتصرّفوا بحذر/ ناضر كسبار
ناضر كسبار (نقيب المحامين في بيروت سابقاً):
في اوائل الثمانيات، وبحكم وجود مكتب النائب المحامي المرحوم اوغست باخوس في بلدته البوشرية، وكذلك منزله، زاره أحد أقربائه مع إبنه الذي أصبح قاضياً، القاضي المرحوم جوزيف رابيل، إبن البوشرية أيضاً. فرحّب الأستاذ باخوس بهما، وقال له: يا بني، أنت في بداية مسيرتك القضائية، فاتبع المبادئ التي علموك عليها في المعهد وخصوصاً موجب التحفظ، واعمل قناعاتك ولا تردّ على أحد.
وأضاف الأستاذ باخوس: غداً سوف يأتي نواب وأشخاص آخرون ويطلبون منك خدمات. لا تعمل إلّا قناعاتك. نحن النواب مطلوب منا الاتصال بكم من أجل تخلية سبيل هذا المدعى عليه أو ذاك. نحن نطلبها منكم ولكن لا تعملوا إلّا وفق مبادئ القانون وحرّية ضميركم.
وختم الأستاذ باخوس: أنظر إلى شقيقي المرحوم جان. كان قاضياً لا يردّ على أحد ولا يتأثر بأحد ولا يساير أحداً. طلب منه أحد النوّاب النافذين الحكم بدعوى، أجابه: إذا كان من توصي به على حقّ فسوف أعيده إليه، وإذا لم يكن على حقّ فسوف أحكم ضدّه. فانتُقم منه وعُيّن في البقاع الغربي. فكان يذهب ثلاث مرّات بالأسبوع إلى البقاع مع وعورة الطرقات وعدم وجود اوتوسترادات. فينطلق بسيّارته الفولسفاكن في الخامسة صباحاً، إلّا أنّ العهد الجديد يومها أنصفه وعُيّن رئيساً أوّل لمحاكم الشمال.
وتوجّه الأستاذ باخوس مجدداً نحو القاضي رابيل الذي كان يفتخر بأنه يذهب بالباص إلى طرابلس – نقليات الأحدب الشهيرة – لأنّه لم يكن يملك سيارة: يا بني. اليوم يطلبون منك الخدمة وغداً ينسون أنّهم طلبوها. وإذا وقعت في مشكلة لا أحد يلتفت إليك.
وفي السياق عينه، وفي جلسة ضمّتنا والزميل العزيز الأستاذ إيلي آصاف، أخبرنا بأنّ أحد مدراء شركة مهمّة طلب منه جمعه على غداء مع أحد أصدقائه الضبّاط. فتمّ تحديد موعد الغداء. وفي هذا الوقت علم المدير أنّ الضابط المذكور لم يعد في مركزه، فاخترع حجّة وألغى الغداء. فأخبرت الحاضرين أنّ أحد أصدقائي الضباط كان في الشرطة العسكرية ويجيب على عدّة اتصالات في الوقت عينه. وما ان تقاعد حتى قال لزوجته بلهجته “البشرانية”، نسبة الى مدينة المقدّمين بشري، “يا مرا شوفيلي هالتلفون معطل ما عاد حدا يتصل”. فعلمنا أنّنا نتكلم عن الضابط ذاته هو العميد الدكتور حبيب كيروز.
أخبرني أحد المسؤولين المتقاعدين ان رجل دين كان بحاجة إلى قرار منه قد يكون محقاً، فاتصل به واجتمعا واستبقاه على مائدة الغداء. وبعد انتهاء ولايته، طلب موعداً فتأخر الموعد أياماً دون جواب ولو لم يتصل ويطلب إلغاء الموعد، لكان دام عدّة أسابيع.
فإلى كل مسؤول. اتبع القانون وتصرّف بحذر مع أصحاب المصالح، لأنّك عندما تصبح مسؤولاً سابقاً لن يتعاملوا معك بالروحية واللياقة ذاتها.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/9/22



