مقالات

إلامَ ترمز العدالة؟!/جمال الحلو

القاضي م. جمال الحلو:
حين نتأمل صورة العدالة في مخيّلتنا، تطالعنا امرأةٌ معصوبة العينين، تحمل في يدها ميزانًا، وفي اليد الأخرى سيفًا. صورةٌ اختزلت، عبر الزمن، معانيَ عميقةً في رموز ثلاثة: العين المعصوبة، والميزان، والسيف.
لكن لماذا اختيرت امرأةٌ تحديدًا لتجسيد العدالة؟ ولماذا عُصبت عيناها؟ ولماذا تحمل الميزان في يد، والسيف في اليد الأخرى؟
إنها أسئلة قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة، غير أنّ وراء كل رمز منها معنى يستحق التأمل.


“لماذا المرأة”؟
قد يتساءل البعض: لماذا جُسّدت العدالة في صورة امرأة، ولم تُجسّد في صورة رجل؟
يرتبط هذا التصوير في بعض التفسيرات القديمة بالرمزية الأنثوية للعدالة، وما تحمله المرأة في المخيال الإنساني من معاني الرعاية والرحمة والحماية. فصورة العدالة، وإن كانت تحمل السيف، ليست صورةً للعنف؛ وإن كانت تمسك بالميزان، فليست صورةً للحساب الجافّ وحده.
إنها عدالةٌ تجمع بين الحزم والرحمة، وبين قوة القانون وإنسانية الغاية.
فالعدالة لا تكون عدالةً حين تتحول إلى انتقام، ولا تكون رحمةً حين تنقلب إلى تهاون. إنما تستقيم حين تعرف متى تكون حازمة، ومتى تفسح مجالًا للرحمة، ومتى تضع كل إنسان أمام مسؤولية أفعاله.
“لماذا عُصبت عينا العدالة”؟
أما العينان المعصوبتان، فهما من أبلغ رموز العدالة.
فالعدالة لا ينبغي أن ترى لونًا أو جنسًا أو نسبًا أو جاهًا أو مالًا، ولا أن تنظر إلى مركز الخصم أو مكانته الاجتماعية. إنها لا ترى الأشخاص كما هم في أعين الناس، بل تنظر إلى الحقّ والدليل والقانون.
ولهذا كان عصب العينين رسالةً واضحة:
أمام العدالة، لا ينبغي أن يكون للهوى بصر، ولا للمحاباة طريق.
فالخصمان متساويان أمام القانون، وكلٌّ منهما يملك حق عرض دعواه وتقديم حججه وأدلته ودفاعه، ثم يأتي الحكم بعد سماع الطرفين وتمحيص ما قُدّم أمام العدالة.
إنّ العدالة الحقيقية لا تسأل: من هو هذا الشخص؟
بل تسأل: ماذا يقول الدليل؟ وماذا يقضي القانون؟ وأين الحق؟
“ولماذا الميزان”؟
أما الميزان، فهو صورةٌ بليغة للموازنة بين الحقوق والادعاءات والحجج.
فالعدالة لا تُقيم حكمها على الانطباع، ولا على العاطفة، ولا على مجرد سماع رواية واحدة، وإنما تزن ما يُعرض عليها، وتفاضل بين الأدلة، وتستمع إلى الخصوم، ثم تصل إلى النتيجة التي يفرضها الحق والقانون.
والميزان هنا ليس مجرد أداة للوزن، بل رمزٌ إلى التوازن والإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه.
وحين تختل كفّةٌ، لا تستقيم العدالة حتى يعود الميزان إلى اعتداله.
“ولماذا السيف”؟
ويبقى السيف، وهو ربما أكثر الرموز إثارةً للتساؤل.
فالسيف يرمز إلى قوة القانون وهيبته وقدرته على إنفاذ الحكم. فالعدالة التي لا يملك القانون وسيلةً لإنفاذها قد تبقى مجرد أمنية جميلة، بينما العدالة النافذة هي التي تحمي الحقوق، وتردع الاعتداء، وتصون المجتمع.
لكن السيف لا يعني التشفي أو الانتقام؛ فوظيفته الرمزية ليست الانتقام من الجاني، وإنما إظهار أن للقانون قوةً تحمي أحكامه وتصون الحقوق التي أُهدرت.
وهنا تكتمل الصورة:
العين المعصوبة تعني عدم التمييز، والميزان يعني الإنصاف، والسيف يعني قوة القانون.
ثلاثة رموز، لكنها في حقيقتها منظومة واحدة؛ فلا قيمة لميزانٍ لا يزن بعدل، ولا فائدة من عدالةٍ بلا قوة تحميها، ولا معنى لقوةٍ قانونيةٍ إذا فقدت ميزان الإنصاف.
حين تتكامل الرموز تولد العدالة:
ولعل أجمل ما في هذه الصورة أنّها لا تضع السيف وحده، ولا الميزان وحده، ولا العين المعصوبة وحدها؛ بل تجمعها جميعًا.
فالعدالة عينٌ لا ترى إلا الحق، وميزانٌ لا يميل إلا إلى الإنصاف، وسيفٌ لا ينبغي أن يُشهر إلا باسم القانون.
وإذا اختلت واحدة من هذه الدعامات اختلّ مفهوم العدالة نفسه؛ إذ لا تكفي قوة القانون إذا غاب الإنصاف، ولا يكفي الإنصاف إذا غابت القدرة على حمايته، ولا يستقيم أيٌّ منهما إذا دخل التمييز والهوى من باب المحاباة.
ومن هنا، فإنّ العدالة ليست مجرد امرأة تحمل رموزًا صامتة؛ إنها مبدأٌ حيّ، ومسؤوليةٌ ثقيلة، وأمانةٌ لا تستقيم المجتمعات إلا بها.
فالعدل ليس أن ننتصر لمن نحب، ولا أن نعاقب من نكره؛ العدل أن نقف على مسافة واحدة من الجميع، ثم ننحاز إلى الحق.
والعدالة في ميزان الإيمان:
وما أروع أن يلتقي المعنى الإنساني للعدالة مع ما قرره القرآن الكريم من مبدأ لا يتبدل بتبدل الخصومة والمواقف، قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8)
فحتى الخصومة لا تبرر الظلم، والكراهية لا تُسقط حق الخصم في العدل.
وهنا تبلغ العدالة ذروتها: أن تعدل مع من تحب، فهذا أمرٌ قد يكون يسيرًا؛ أما أن تعدل مع من تختلف معه أو تكرهه، فهناك يظهر معدن الإنسان، وهناك يُختبر صدق العدل.
خلاصة وعبرة:
ولعلّ الصورة التي نقف أمامها منذ قرون تختصر درسًا لا يخصّ القضاة وحدهم، بل يخصّ كل إنسان.
اعصب عينيك عن المحاباة، واحمل ميزانك بالإنصاف، ولا تستخدم سيفك إلا حيث يفرض الحق والقانون ذلك.
فالعدل لا يُقاس بما نفعله مع من نحب، بل بما نفعله حين تتعارض الحقيقة مع أهوائنا.
وما أحوج عالمنا اليوم إلى عدالةٍ لا تتأثر بالأسماء، ولا تنحني أمام النفوذ، ولا تميل أمام المال، ولا تتبدل بتبدل الخصوم؛ عدالةٍ يكون فيها القانون فوق الجميع، والحق فوق المصلحة، والضمير رقيبًا على الحكم.
فالعدل ليس أن نعطي كل إنسان ما يريد، وإنما أن نعطي كل إنسان ما يستحقه وفق الحق والقانون.
وحين يستوي الميزان، وتبقى العين معصوبة عن الهوى، ويكون السيف في يد القانون لا في يد الغضب، عندها فقط تصبح العدالة أكثر من رمزٍ جميل… تصبح حقيقةً تُصان بها الحقوق، وتستقيم بها المجتمعات، ويأمن بها الإنسان على نفسه وكرامته وحقه.
“محكمة” – الجمعة في 2026/10/2

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!