أبحاث ودراسات

التكرار وجرائم المخدرات بين قانون العفو العام رقم 2026/70 وقرار المجلس الدستوري اللبناني رقم 2026/12/سحر محسن

المحامية الدكتورة سحر سمير محسن (دكتوراه في القانون الجنائي الدولي -دكتوراه في العلوم السياسية، أستاذة محاضرة في الجامعة الإسلامية، محامية في الاستئناف):
نصّ البند الخامس من المادة الثانية من قانون العفو العام رقم 2026/70 على استثناء مرتكبي جنايات التكرار بالمخدرات التي تزيد عن المرة الثانية من الاستفادة من العفو العام، سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية. وقد أثار هذا النص إشكالية قانونية تتعلق بمفهوم التكرار المقصود، ولا سيما لجهة مدى إمكان اعتباره متحققاً من دون صدور حكم قضائي سابق مبرم.
وتكمن أهمية هذه الإشكالية في أن التكرار ليس مجرد واقعة مادية تتمثل في ارتكاب الشخص أكثر من جريمة، بل هو حالة قانونية يرتب عليها المشرّع آثاراً جزائية محددة، ويخضع تحققها لشروط نص عليها قانون العقوبات. ومن ثمّ، فإن تعدد الجرائم أو الملاحقات الجزائية لا يؤدي بحد ذاته، إلى اعتبار الشخص مكرراً بالمعنى القانوني.
ومن هنا، تبرز ضرورة التمييز بين ثلاث حالات:
تعدد الملاحقات الجزائية، وتعدد الأحكام التي لم تكتسب الدرجة المبرمة، وقيام التكرار القانوني المستند إلى حكم سابق مبرم واستيفاء بقية الشروط اللازمة. فلكل حالة طبيعتها القانونية، ولا يجوز مساواتها بالأخرى من دون سند تشريعي واضح.
وعليه، فإن موقف قانون العفو العام يقوم على استثناء فئة محددة من مرتكبي جرائم المخدرات هي فئة مرتكبي جنايات التكرار التي تزيد عن المرة الثانية، غير أن تحديد نطاق هذا الاستثناء لا يمكن أن يتم بمعزل عن الأحكام العامة للتكرار في قانون العقوبات، وعن التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري في قراره رقم 2026/12.
التكرار في قرار المجلس الدستوري والإحالة إلى المادتين 258 و259 من قانون العقوبات
تناول المجلس الدستوري اللبناني مسألة التكرار في قراره رقم 2026/12 الصادر بتاريخ 12 تشرين الأول 2026 ، المتعلق بالطعن في قانون العفو العام رقم 2026/70 وقد أشار في معرض بحثه في البند الخامس من المادة الثانية إلى أنه لا وجود لجناية مستقلة تسمى “جناية التكرار بالمخدرات”، وأن التكرار، بمفهومه القانوني في قانون العقوبات، لا يتحقق إلا بصدور حكم سابق مبرم، ولا تكفي الملاحقة الجزائية دليلاً عليه.
وانطلاقاً من ذلك، قرر المجلس الدستوري أن يُفسّر التكرار الوارد في البند الخامس من المادة الثانية وفق مفهومه القانوني في قانون العقوبات، واضعاً بذلك تحفظاً تفسيرياً ملزماً يتعيّن على السلطات والمراجع القضائية والإدارية التقيد به.
ويقتضي لتحديد هذا المفهوم الرجوع إلى المادتين 258 و259 من قانون العقوبات اللبناني، اللتين تنظمان حالات من التكرار وآثاره الجزائية.
فقد نصّت المادة 258 على حالة من حالات التكرار في الجنايات، إذ تعالج وضع المحكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة بحكم مبرم الذي يرتكب جناية جديدة تستوجب العقوبة نفسها، كما تتناول حالة المحكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤقتة أو الاعتقال المؤقت الذي يرتكب جناية جديدة تستوجب العقوبة نفسها قبل مرور خمس عشرة سنة على انقضاء العقوبة السابقة أو مرور الزمن عليها. وترتب المادة آثاراً مشددة على العقوبة وفقاً للشروط التي حددتها.
أما المادة 259، فتعالج حالة من يُحكم عليه بحكم مبرم بعقوبة جنائية، ثم يرتكب، قبل مضي سبع سنوات على انقضاء العقوبة أو مرور الزمن عليها، جناية أو جنحة عقابها الحبس. كما تتضمن أحكاماً أخرى تتعلق ببعض صور التكرار وآثارها، وفقاً لطبيعة العقوبة السابقة والجريمة اللاحقة والشروط المحددة في النص.
ويُستفاد من هاتين المادتين أن التكرار لا يقوم بمجرد تعدد الجرائم، بل يستلزم التحقق من وجود حكم سابق مبرم، ومن طبيعة العقوبة التي قضى بها، ونوع الجريمة اللاحقة، والمهلة الزمنية القانونية التي تفصل بين العقوبة السابقة والجريمة الجديدة، بحسب الحالة المنطبقة.
غير أن الإحالة إلى المادتين 258 و 259 لا تعني أن جميع حالات تكرار جرائم المخدرات تخضع حكماً لأحكامهما بالكيفية نفسها؛ إذ يجب أولاً تحديد الوصف القانوني لكل جريمة، ومعرفة ما إذا كانت جناية أو جنحة، ثم تحديد النص القانوني الذي يحكم حالة التكرار المعنية.
وبذلك، يكون المجلس الدستوري قد وضع حداً للتفسير الذي يساوي بين تعدد الملاحقات والتكرار القانوني، مؤكداً ضرورة استناد استبعاد العفو إلى شروط قانونية ثابتة، لا إلى مجرد الاشتباه أو تعدد الملفات الجزائية.
جرائم المخدرات المستثناة في قانون العفو وقرار المجلس الدستوري:
لم يخضع قانون العفو العام رقم 2026/70 جميع جرائم المخدرات لحكم واحد، بل ميّز بينها بحسب طبيعة الفعل الجرمي، وصفة مرتكبه، وتوافر حالة التكرار. وقد تناول المجلس الدستوري بعض هذه الأحكام في قراره رقم 2026/12، موضحاً نطاق الاستثناءات وكيفية تطبيقها.
جنايات التكرار بالمخدرات
إستثنى البند الخامس من المادة الثانية مرتكبي جنايات التكرار بالمخدرات التي تزيد عن المرة الثانية من الاستفادة من العفو العام، إلا أن المجلس الدستوري أكد أن التكرار يجب أن يُفسّر وفق مفهومه القانوني في قانون العقوبات. وبناءً عليه، لا يكفي تعدد الملفات أو الملاحقات لإثبات التكرار، بل يجب التحقق من وجود حكم سابق مبرم واستيفاء بقية الشروط القانونية، ومنها الشروط المتعلقة بطبيعة الجريمة والعقوبة والمهلة الزمنية، بحسب النص الواجب التطبيق.
جرائم المخدرات المرتكبة من العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية
إستثنى البند الخامس أيضاً جميع جرائم المخدرات المرتكبة من قبل العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية. ويختلف هذا الاستثناء عن استثناء التكرار، إذ يقوم على صفة مرتكب الجريمة، لا على توافر حكم سابق مبرم أو تكرار قانوني.
وقد أوضح المجلس الدستوري أن هذا الاستثناء يشمل كذلك جرائم زراعة المواد المخدرة التي يرتكبها العسكريون وعناصر المؤسسات الأمنية. وبذلك، لا يمكن التمسك بالحكم العام الذي يشمل جرائم الزراعة للاستفادة من العفو إذا كانت الجريمة داخلة في الاستثناء الخاص المرتبط بصفة مرتكبها.
ويقتضي لتطبيق هذا الحكم التحقق من صفة الشخص المعني، ومن طبيعة الجريمة المنسوبة إليه، ومدى انطباق الاستثناء عليه.
جرائم زراعة المواد المخدرة
أدرج قانون العفو العام جرائم زراعة المواد المخدرة ضمن الجرائم المشمولة بالعفو، وفقاً للشروط القانونية المقررة. إلا أن هذا الشمول لا يُفهم على أنه إعفاء مطلق لجميع حالات الزراعة، بل يجب قراءته مع بقية الاستثناءات الواردة في المادة الثانية.
وقد حسم المجلس الدستوري التعارض الظاهري بين شمول جرائم الزراعة بالعفو واستثناء جرائم المخدرات المرتكبة من العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية، معتبراً أن الاستثناء الخاص بهذه الفئة يمتد إلى جرائم الزراعة التي يرتكبونها.
كما أبطل المجلس عبارتين كانتا تربطان شمول بعض جرائم المخدرات وزراعتها بتاريخ صدور قانون العفو، وأكد اعتماد الأول من آذار 2026 حداً زمنياً موحداً لجميع الجرائم المشمولة بالعفو، بما فيها جرائم المخدرات وزراعتها.
وعليه، يتطلب تحديد الاستفادة من العفو في جرائم الزراعة، التحقق من تاريخ ارتكاب الفعل، وصفة مرتكبه، وعدم انطباق أي استثناء آخر.
جرائم الاتجار بالمخدرات وترويجها
يتطلّب تحديد موقف جرائم الاتجار والترويج من العفو التمييز بين نوع الجريمة وحالة التكرار. فمجرد ارتكاب جريمة اتجار أو ترويج لا يعني، بحد ذاته، تحقق التكرار، كما أنّ تعدد الملفات المرتبطة بهذه الأفعال لا يكفي لاستبعاد العفو استناداً إلى البند الخامس.
أما إذا توافرت شروط التكرار القانوني، فيجب التحقق من مدى انطباق الاستثناء الوارد في قانون العفو، مع مراعاة طبيعة الجريمة والعقوبات والأحكام السابقة ذات الصلة.
ولا يعني عدم انطباق استثناء التكرار أن الجريمة مشمولة بالعفو حتماً، إذ تبقى الاستثناءات الأخرى الواردة في القانون واجبة التطبيق، كما يجب التحقّق من النطاق الزمني للعفو ومن الوصف القانوني الدقيق للفعل.
جرائم التعاطي والحيازة بقصد الاستعمال الشخصي
تختلف جرائم التعاطي والحيازة بقصد الاستعمال الشخصي عن جرائم الاتجار والترويج من حيث طبيعة الفعل والوصف القانوني والعقوبات المقرّرة. ولذلك، لا يجوز اعتبارها جميعاً من جنايات التكرار المشمولة بالاستثناء لمجرّد ارتباطها بالمخدرات.
بل ينبغي تحديد الوصف القانوني للجريمة، والتحقق مما إذا كانت جناية أو جنحة، وما إذا كانت الشروط القانونية للتكرار متوافرة، فضلاً عن فحص سائر أحكام قانون العفو وقانون المخدرات رقم 1998/673.
كما يجب مراعاة الأحكام الخاصة بالعلاج من الإدمان والتدابير القانونية المرتبطة به، حيث تتوافر شروط تطبيقها.
ويُظهر هذا التمييز أن موقف القانون من جرائم المخدرات لا يمكن تحديده بمجرّد استخدام وصف عام، بل يتطلب دراسة كل نوع من الجرائم بصورة مستقلة، مع تطبيق الاستثناءات وفقاً لمضمونها القانوني والتفسير الملزم الذي اعتمده المجلس الدستوري.
القيمة القانونية لقرار المجلس الدستوري
تتجلّى القيمة القانونية لقرار المجلس الدستوري رقم 2026/12 في أنه لم يقتصر على مراقبة دستورية قانون العفو العام رقم 2026/70، بل أسهم أيضاً في تحديد كيفية تفسير بعض أحكامه وإزالة الغموض الذي كان من الممكن أن يؤدي إلى اختلاف تطبيقها بين المراجع المختصة.
ففي مسألة التكرار، أكد المجلس ضرورة اعتماد المفهوم القانوني المقرر في قانون العقوبات، بما يمنع اعتبار تعدد الملاحقات أو الملفات الجزائية كافياً لقيام التكرار. ويؤدي ذلك إلى حماية مبدأ الشرعية الجزائية وضمان عدم ترتيب آثار قانونية على مجرد الاتهام، من دون توافر الشروط التي يفرضها القانون.
كما حدد المجلس نطاق الاستثناء المتعلق بجرائم المخدرات المرتكبة من العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية، وبيّن امتداده إلى جرائم الزراعة التي يرتكبونها، فضلاً عن توحيد الحد الزمني للجرائم المشمولة بالعفو عند الأول من آذار 2026.
وتكمن أهمية هذه المعالجة في التمييز بين النص التشريعي والتفسير الدستوري: فالمشرّع هو الذي يحدد الجرائم المشمولة بالعفو والاستثناءات الواردة عليه، بينما يتولى المجلس الدستوري، في إطار الرقابة على دستورية القانون، تحديد مدى توافق أحكامه مع الدستور وتقرير التفسيرات الملزمة التي تضمن تطبيقها ضمن الحدود الدستورية.
وقد انتهى المجلس إلى رد طلب إبطال قانون العفو برمته، مع إبطاله جزئياً في مواضع محددة، والإبقاء على بعض أحكامه شرط التقيد بتحفظات تفسيرية ملزمة. ومن ثمّ، فإن قراره لا يُعدّ مجرد رأي استشاري، بل قرار صادر عن جهة الرقابة الدستورية، يتعين احترام ما قرره من إبطال جزئي وما وضعه من تفسيرات ملزمة.
وبناءً على ذلك، فإن القيمة الأساسية للقرار تتمثل في ضبط تطبيق قانون العفو العام، وتوحيد تفسير أحكامه، وتعزيز المساواة أمام القانون، ومنع التوسع غير المبرر في الاستثناءات أو في نطاق العفو. وتبقى الاستفادة من العفو في كل ملف رهناً بالتحقق من نوع الجريمة، وتاريخ ارتكابها، وصفة مرتكبها، وتوافر شروط التكرار عند الاقتضاء، وسائر الاستثناءات التي يحددها القانون.
“محكمة” – الاربعاء في 2026/10/14

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!