مقالات

كتاب “الاقليات والتعددية” للمحامي موصللي يتناول لبنان والعراق بقراءة دستورية وقانونية واجتماعية/فؤاد مطر

المحامي فؤاد مطر:
كتاب زميلنا الاستاذ جورج جوزيف موصللي “الاقليات والتعددية” الصادر عن دار سائر المشرق أضاف قيمة إضافية للمكتبة العربية حيث تناول الواقعين اللبناني والعراقي أنموذجاً بقراءة دستورية وقانونية واجتماعية وتاريخية، وعرّج على أسباب أزماتهما ونتائجها، مستفيضاً في الحديث عن التنوّع الحيوي للدولتين خاصة في التاريخ الحديث في ظلّ تراكم الخصوصيات عند الأقليات العرقية والاثنية .. وتعايشها مع الجماعة في إطار وطني جامع يأمل فيها الاستاذ موصللي ان تؤدي إلى انصهار تزول فيه كافة العصبيات.
يعتبر المؤلف ان التعددية هي عامل وحدة وغنى ومن أهم ملامح المجتمعات الحديثة، ولو كانت أحياناً سبباً للنزاع، فإنّه يعتبرها مفتاحاً للتقدم في ظل ارادة للعيش المشترك. وان الاقليات موجودة بشكل طبيعي في مختلف المجتمعات البشرية، وهي قديمة قدم وجودها، لها سمات تبرز شخصيتها وخصوصيتها بتنوع حيوي ومزيج للغنى يثمر بتفاعله في المشاركة الفعلية مع الجماعة وتتحد بروابط وطنية. وأعطى مثالاً عن أنّ السريان هم أسلاف الشعب اللبناني والسوري والعراقي، ولم تكن لهم مشاريع سياسية، إنما حافظوا على ثقافتهم التي لا تتعارض مع اندماجهم الوطني، وان الترابط بين العائلات اللبنانية وبعض العائلات العراقية ومنها عائلة الموصللي التي يرجح البعض انتسابها في الاصل الى الموصل في العراق.
وتحدث المؤلف عن نشأة لبنان الكبير، وأكّد أنّه لا وجود لقوميات مختلفة فيه، حيث ان المسيحيين والمسلمين عرب، وقد تبلور كيانه كدولة في محصّلة ميزان قوى دولية وموافقة إقليمية عام ١٩٢٠.
لعب موقع لبنان الاستراتيجي وجغرافيته الطبيعية دوراً حاسماً في تكوينه البشري وفي تجديد مسار تطوره التاريخي والسياسي.
لقد كان لي شرف المشاركة في الحوار مع زميلنا الكاتب الاستاذ موصللي من خلال المقابلات الخاصة التى أجراها مع شخصيات كان لها دور بارز في الحياة السياسية .
دفعاً للإطالة، أختصر بعض ما جاء من حواراتي مع المؤلف بالآتي:
“ان مشكلة لبنان الاساسية تكمن في النظرة الى الامور من منظار الدائرة الطائفية والولاء المذهبي، ما فتح شهية الدول الخارجية على التدخل بالشأن اللبناني .
ان الميثاق الوطني عام ١٩٣٤ كرس تسوية ناتجة عن ظروف إقليمية ودولية فأتى عبارة عن تنازلات متبادلة، وان ظهور الكيان الاسرائيلي أدى الى ضرب لبنان في بنيته التي كانت لا تزال طرية العود في فترة نموه الاساسية -عهد الرئيس فؤاد شهاب- ثم ساهم الكيان الاسرائيلي المصطنع بكل ما يضعف لبنان باستغلال التناقضات الداخلية ممّا أدّى إلى انفجار حرب عبثية عام ١٩٧٥ واجتياح قواته لبيروت عام ١٩٨٢.
ان محاولات معالجة الازمة اللبنانية كانت ناقصة ومع إفلاس القوى المتناحرة وبدعم عربي انتج وثيقة الوفاق الوطني عام ١٩٨٩ التي حافظت على جوهر الميثاق الوطني”.
نعم، سيبقى لبنان وطن الرسالة كما وصفه البابا يوحنا بولس الثاني اثناء زيارته لبنان عام ١٩٩٧.
أما العراق فهو متحف الثقافات، يطغى عليه طابع عروبي أصيل ومتجذر، وهو كسائر الوطن العربي تغذى من الحضارة العربية، بعد ان نهل من حضارة بابل وكنعان ومن الحضارة الاشورية والارامية والكلدانية.
ان المسيحيين العراقيين كانوا من الرعيل الاول لبناء الدولة العراقية الحديثة منذ عام ١٩٢١ وشاركوا في أول مجلس للنواب ومناصب وزارية ودافعوا عن ولاية الموصل في محاولة ضمها لتركيا .
لقد بدأت البذرة الاولى للتأسيس الطائفي بعد أن شنت الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا هجومها العسكري على العراق في ٢٠٠٣/٣/٢٠ وبتأسيسها مجلس الحكم الانتقالي بإشراف بريمر في ٢٠٠٣/٧/١٢ مما أدى الى عنف طائفي واكبه اتخاذ سلسلة اجراءات أدت الى هدم الكيان وشطب عروبته من الدستور الذي وضعه بريمر حقداً وضرباً لهويته ولفقدانه اهم ركائزه.
ان المشاريع التقسيمية فشلت في العراق منها محاولة قيام كيان كردي مستقل عن العراق.
ومن خلال السرديات الذي تناولها المؤلف نستطيع استحضار قول الرئيس كميل شمعون “إذا أردتم أن تعلموا ماذا يخطّط للبنان، عليكم ان تتطلعوا على ما يجري في العراق”.
كما ذكر الكاتب ان السيد المسيح ولد وعاش هنا وليس في شوارع نيويورك أو باريس. لقد تفاعلنا مع الدين الاسلامي والعروبة عبر قرون .
نحن الجذور واصحاب القضية .
لم يكن الدين لنا سوى عامل توحيد، وكان للاسلام الدور الاكبر في صياغة الحضارة العربية وان هنالك صفحات مشرقة في العيش المشترك والتسامح.
قارب المؤلف الفيدرالية في العراق والتوافقية في لبنان من زاوية نقدية علمية، واعتبر ان القوى الخارجية لعبت على وتر التناقضات الطائفية والمذهبية في كل من لبنان والعراق وسعت لزرع الفرقة والشقاق بين أبناء كل من البلدين، وبقي الشعبان يعملان على وأد الصراعات واجتراح صيغة للوحدة والتماسك الوطني.
ان غياب الدولة ومؤسساتها في حقبات تاريخية في ظل تحدّيات وتدخلات خارجية وعدم الاعتماد على حصانة رابط المواطنة كأساس للبناء هما الاشكالية، وان بدعة التوافقية في لبنان لم نتمكن من بناء دولة قوية وان الفيدرالية في العراق زادت من تعميق أزماته وفضحت هشاشة الدولة .
باختصار كلّي، كلما ضعفت الدولة وتراجع دورها زادت حدّة الازمات والصراعات.
إنّ قيامة لبنان والعراق وحل المأساة المعلقة في ضميرنا في فلسطين، شرط أساسي لنهضة الشرق.
“محكمة” – الجمعة في 2026/3/20

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!