مقالات

أحبة فقدناهم في هذا الشهر الفضيل/ناضر كسبار

ناضر كسبار (نقيب المحامين السابق في بيروت):
في هذا الشهر الفضيل، شهر المحبة والتسامح، والعطاء والفرح بولادة السيد المسيح، خسر لبنان وجوهاً نيرّة، محبة، معطاءة.
خسر مجلس النواب والجسم الطبي، نائباً وطبيباً هيهات ان يأتي الزمان بمثله. النائب غسان سكاف الوطني بامتياز، والذي تربطه علاقة التواصل والحوار مع الجميع. وكأن هموم الوطن كلها على كاهله وعلى عاتقه. وكأن عليه ان يجد الحلول الناجعة لمشاكله ولما يتهدده من مخاطر ومآسي وحروب. الطبيب، صاحب الانامل الذهبية، والذي ساعد في شفاء الآلاف إلا ان القدر لم يسعفه ليشفي نفسه، كما قالت زوجته العزيزة المحامية ميسم في كلمة رثائه في الكنيسة.
في طريق عودتنا من غداء في إهدن بدعوة من النقيبة العزيزة ماري تريز القوال فنيانوس، اخبرني عن عدة حالات خلال مسيرته الطبية. يوم كان لا يزال طبيباً متمرناً، رافق الطبيب الذي تمرن على يديه الى احد البلدان العربية لمعالجة شخصية مهمة جداً. يومها قرر الطبيب المعالج معالجة المريض بطريقة معينة إلا ان الدكتور غسان اقترح طريقة اخرى. ويضيف انه لو سمع منه يومها لكان المريض شفي من مرضه.
كنا في عشاء بدعوة من النقيب العزيز انطوان قليموس. قال لي احد النواب السابقين وهو من اغنى اغنياء لبنان، مخجول من الدكتور غسان (الذي كان موجوداً في العشاء)، “وما الي عين اتطلع فيه” لانه نصحني بشيء وطبيب آخر نصحني بشيء آخر وسمعت منه. وها انا الان لا استطيع المشي ولو سمعت من الدكتور غسان لكنت الآن مثل النمر.
في زيارة الى محكمة راشيا بعد ان جهزنا غرفة النقابة بالطاقة الشمسية، مررنا بدارة الدكتور غسان والمحامية ميسم في عيتا الفخار. وكان هناك طبيب شاب مع والده. اخبرنا بأنه تعرض لحادث كبير، وان الدكتور غسان اجرى له عملية جراحية دقيقة جداً. إلا انه قال له حرفياً:”بعد اسبوع بدك تمشي وما بدي شوف خلقتك. انا مسافر وصرت مثل النمر”. ويضيف الطبيب المذكور ان الدكتور غسان كان شاطراً، وكان يعطي المعنويات للمريض.
كنا في عشاء في دارته في بيروت، عندما توجه اليه احد المدعوين سائلاً اياه متى يعطيه موعداً لانه يحس بكذا وكذا. فاجابه فوراً: ولماذا الموعد. ادخل معي الى الغرفة لافحصك. وهذا ما حصل. ووصف له الدواء اللازم.
كان البروفسور غسان سكاف – رحمه الله – هادئاً، ودوداً، لا يتأفف ولا يتذمر. كنا نحترمه الى اقصى درجات الاحترام. اخذه الموت وزرعه في وجهنا.
***
كذلك فقدنا محامية عزيزة جداً، إبنة كوسبا الكورة المرحومة نجاة خليل جريج ارملة النائب المرحوم نقولا غصن، وشقيقة الوزير النقيب رمزي جريج. زرتها في دارتها في الكورة قبل عشرة ايام من وفاتها. كانت تضج نشاطاً وحركة. والجميع يعلم انه كان لها الفضل الكبير في وصول نقولا بك الى الندوة البرلمانية. كانت على تواصل دائم مع جميع ابناء الكورة، تزورهم في منازلهم، تستمع اليهم والى همومهم وتحاول معالجة ما يمكن معالجته. حزننا عليها كبير جداً، وهي التي كانت تستقبلنا بفرح في دارتها في كوسبا، وكنا نحس بفرح لدى زيارتها. رحلت بصمت وبغفلة كرحيل الاحبة على حد قول الرحابنة.
***
كذلك خسر جسم المحاماة، محامياً يدافع بشراسة عن الحق، ولو احياناً بأسلوب هجومي. خسرنا المحامي الصديق ابراهيم مسلم، إبن زحلة الابية. كان دائم الانفعال بسبب ما يراه من شواذ في مرافق الدولة والسلطة والادارة. وبقي حتى اللحظة الاخيرة من حياته يدافع عن الحق. قبل وفاته ترافقنا الى هيئة التفتيش القضائي لتقديم شكوى. كان يمشي عدة امتار ويستريح. معتبراً ان ضميره يوجب عليه الدفاع عن موكله وهو طالب جامعي موجود في فرنسا، فقد والده بجائحة كورونا وهو طبيب معروف. ومتهم بتهم غير صحيحة. يومها اوصلناه الى السيارة التي قادها صديقه الزميل الوفي سهيل ابو سمرا. وذهب مباشرة الى مستشفى اوتيل ديو ودخل غرفة العناية الفائقة، وبقي فيها اكثر من اسبوعين الى ان توفاه الله.
وهل هناك اسمى من هذا التصرف الذي يجب ان يدرس في الجامعات حول الضمير المهني.
***
وان ننسى، فلن ننسى رحيل الزميل الاستاذ عصام ابو حيدر، والد الزميلة العزيزة كريستينا ابو حيدر زوجة الزميل انطوان نصرالله. وهو الذي امضى حياته محامياً ممارساً لمهنة المحاماة بشغف وبمناقبية عالية.
***
حزننا كبير على الاحبة الذين رحلوا في هذا الشهر الفضيل، وعلى جميع الاحبة الذين سبيقى ذكراهم في عقولنا وفي قلوبنا مدى الدهر.
 رحمهم الله.
“محكمة” – الجمعة في 2025/12/26

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!