ترامب يفرض عقوبات على المحكمة الجنائيّة الدوليّة ودول تندّد بتزايد خطر “الإفلات من العقاب على أخطر الجرائم”/سلام عبد الصمد

المحامي الدكتور سلام عبد الصمد:
أعربت تسع وسبعون دولة في بيانٍ مشترك عن أسفها لـ”أيّ محاولةٍ في تقويض استقلاليّة» المحكمة الجنائيّة الدوليّة بعد توقيع المرسوم الأميركيّ القاضي بحظر دخول مديريها وموظّفيها ووكلائها إلى الولايات المتّحدة.
وفي واقع الأمر، أنَّ ٧٩ دولة عضوًا في المحكمة الجنائيّة الدوليّة، ندّدت يوم الجمعة ٧ شباط 2025، بالعقوبات التي اتّخذها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بحقّ المحكمة المذكورة معتبرة أنها «تزيد من خطر الإفلات من العقاب على أخطر الجرائم، وتهدّد بتقويض سيادة القانون الدوليّ».
وأضاف هؤلاء الأعضاء، الموقّعون على بيانٍ مشترك أطلقته سلوفينيا واللّوكسمبورغ والمكسيك وسيراليون وفانواتو، وانضمّت إليه فرنسا والمملكة المتّحدة وجنوب أفريقيا والفلسطينيّون وألمانيا وكندا وتشيلي وبَنَما، أنّه «بصفتنا داعمين مجتهدين للمحكمة الجنائيّة الدوليّة، نأسف لأيّ محاولةٍ في تقويض استقلاليّة المحكمة».
وكان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، والذي يأخذ على المحكمة القيام بـ«إجراءاتٍ غير قانونيّة»، قد وقّع مرسوماً قضى بحظر دخول مديريها وموظّفيها ووكلائها إلى الولايات المتّحدة، كما بتجميد جميع أصولهم الموجودة في تلك البلاد. فوفقاً للنصّ الذي نشره البيت الأبيض، «اتّخذت المحكمة الجنائيّة الدوليّة إجراءات غير قانونيّة ومن دون أساس بحقّ أميركا وحليفتنا الأقرب إسرائيل»، في إشارةٍ إلى تحقيقات المحكمة حول جرائم الحرب المزعومة التي ارتكبها جنودٌ أميركيّون في أفغانستان وعسكريّون إسرائيليّون في قطاع غزّة.
وقد أدانت المحكمة في بيانٍ هذا المرسوم، الذي يهدف «إلى فرض عقوباتٍ على موظّفيها وإلى الإضرار بعملها القضائيّ المستقلّ والحياديّ». وأضافت المؤسّسة، التي تتّخذ من لاهاي مقرّاً لها، أن «المحكمة تدعم موظّفيها بشدّة، وتلتزم بالمضيّ في تحقيق العدالة وإعادة الأمل لملايين الضحايا الأبرياء للأعمال الوحشيّة حول العالم». أما رئيسة المحكمة، توموكو أكانى، فقالت إن «مثل تلك التهديدات والتدابير القسريّة تشكّل اعتداءات خطيرة على الدول الأعضاء في المحكمة، وعلى النظام الدوليّ المبنيّ على سيادة القانون، وعلى ملايين الضحايا».
وأكّد رئيس الوزراء الهولنديّ، ديك شوف، من جهته أن هولاندا، «بصفتها البلاد المضيفة»، تتحمّل «مسؤوليّة ضمان عمل المحكمة الجنائيّة [الدوليّة] من دون عائق في أيّ وقتٍ. وسنواصل القيام بذلك» على الرغم من العقوبات الأميركيّة المعلنة كما صرّح يوم الجمعة في مؤتمره الصحفيّ الأسبوعيّ.
«جزءٌ أساسيّ من البنية التحتيّة لحقوق الإنسان»
إن المحكمة الجنائيّة الدوليّة هي سلطةٌ قضائيّة مستمرّة تتولّى ملاحقة الأفراد المتّهمين بارتكاب الإبادة الجماعيّة والجرائم ضد الإنسانيّة وجرائم الحرب ومحاكمتهم. تأسّست عام ٢٠٠٢، وتضمّ اليوم ١٢٥ دولة عضو، ولم تصدر سوى القليل من الأحكام بالإدانة.
فقط “إسرائيل” رحّبت بالقرار الصادر ضدّ المحكمة، التي اعتبرها رئيس الديبلوماسيّة الإسرائيّليّة «لا تتمتّع بأيّ شرعيّة». أما الأمم المتّحدة وأوروبا فاعترضتا بشدّة على القرار الأميركيّ يوم الجمعة. فأكّدت المتحدّثة بإسم المفوّضيّة العليا للأمم المتّحدة لحقوق الإنسان، رافينا شامداساني، لوكالة الأنباء الفرنسيّة «أنّنا ندعم بشكلٍ كامل عمل المحكمة المستقلّ»، وهو «جزءٌ أساسيّ من البنية التحتيّة لحقوق الإنسان»، وطالبت الولايات المتّحدة «بالرجوع عن هذا التدبير».
وحذّر رئيس المجلس الأوروبيّ، أنطونيو كوستا، من جهته من أن قرار ترامب بمعاقبة المحكمة «يهدّد استقلاليّتها ويقوّض نظام العدالة الدوليّة برمّته». وأعرب الاتّحاد الأوروبيّ من جانبه عن «أسفه للقرار الأميركيّ، محتفظاً بالحقّ في اتّخاذ إجراءاتٍ خاصّة به»، حسبما قال متحدّثٌ بإسمه من دون إعطاء المزيد من التفاصيل. كما أضاف أن المحكمة «تلعب دوراً رئيسيّاً في المحافظة على العدالة الجنائيّة الدوليّة ومكافحة الإفلات من العقاب»، بما في ذلك في أوكرانيا.
أعلن المتحدّث بإسم وزارة الخارجيّة الفرنسيّة، أن فرنسا ستحشد جهودها «مع شركائها الأوروبيّين والدول الأعضاء الأخرى في نظام روما الأساسيّ» لضمان أن تكون المحكمة «قادرةً دائماً على الاستمرار في أداء مهمّتها باستقلاليّة ونزاهة». أما رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، وهو مقرّب من دونالد ترامب، فأعرب عن رغبته في انسحاب بلاده من نظام روما الأساسيّ.
التأثير التشغيليّ المعطّل Disfunction
وفي وقتٍ يتبجّح الكيان الإسرائيلي، لاسيّما على لسان وزير الخارجيّة جدعون ساعر، بأنّ المحكمة تُلاحقُ «بعدوانيّة قادة إسرائيل المنتخبين، زاعماً بأنّ “إسرائيل” هي الديموقراطيّة الوحيدة في الشرق الأوسط»، معتبراً أنّه ليس لدى المحكمة أيّ شرعيّة بحيث أن إسرائيل والولايات المتّحدة «ليستا عضوين في المحكمة الجنائيّة الدوليّة».
وكما يبدو أنَّ الجمهوريين والعديد من الديمقراطيّين قد اغتاظوا من صدور مذكّرة توقيف عن المحكمة ضدّ بنيامين نتنياهو، وضدّ وزير الدفاع الكيان الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.
ولكنّ الحقيقة، أنّ قضاة المحكمة الجنائية الدّولية قدّروا وجود «أسبابٍ معقولة» للاشتباه في ارتكاب نتانياهو وغالانت جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانيّة بالنسبة للحرب في غزّة، والتي تلت هجوم حركة حماس على أراضي فلسطين المحتلة.
ووصف نتنياهو قرار المحكمة الجنائية الدولية بأنّه معادٍ للسامية، في حين أن الرئيس الأميركيّ السابق، الديمقراطيّ جو بايدن، اعتبر أن مذكّرات التوقيف ضدّ الإسرائيليّين «فاضحة».
وبحسب الخبراء الذين استشارتهم وكالة الأنباء الفرنسيّة، قد يكون للعقوبات الأميركيّة تأثيرٌ تشغيليّ معطّل. إذ قد يؤدّي حظر موظّفي المحكمة من الدخول إلى الولايات المتّحدة إلى تعقيد عملهم، كما قد ترفض بعض المؤسّسات الماليّة العمل مع المحكمة خوفاً من الانتقام الأميركيّ.
وقد تؤثّر أيضاً العقوبات على عمليّات المحكمة الفنيّة والتقنيّة، بما في ذلك جمع الأدلّة. حتّى أن البعض يخشى من أن يحجم ضحايا الفظائع المزعومة عن التقدّم بشهاداتهم.
“محكمة” – الجمعة في 2025/3/14