أبحاث ودراساتأبرز الأخبار

ترسيم الحدود البحرية والنزاع اللبناني الإسرائيلي حول حدود المنطقة الاقتصادية/حوراء شعيب

المحامية حوراء شعيب*:
عاد ملف ترسيم الحدود البحرية اللبنانية إلى الواجهة مع اعلان رئيس وفد المفاوضات غير المباشرة أنّه تمّ إعادة نشر الرسالة اللبنانية التي تجعل المنطقة الواقعة بين الخطّين 23 و29 متنازعاً عليها وذلك على الموقع الالكتروني لقسم شؤون المحيطات وقانون البحار التابع للأمم المتحدة.
وللتمكّن من الوقوف على مضمون وأهمّية هذه الرسالة والفرق بين هذه الخطوط، لا بدّ لنا من توضيح عدّة محطّات سبقت الوصول إلى هذه الرسالة، مع الإشارة بدايةً إلى أنّ لبنان انضمّ بموجب القانون 295 تاريخ 1994/2/22 إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
وبعدما تمّ اكتشاف وجود كمّيات كبيرة من النفط والغاز في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط، توالت المراحل التي مرّ بها لبنان وكثرت المحطّات التي واجهها في سبيل تحديد منطقته الاقتصادية الخالصة، والتي سنستعرضها تباعاً.
– الاتفاق بين الجمهوريتين اللبنانية والقبرصية حول تحديد الحدود البحرية بينهما في العام 2007:
نظراً لكون لبنان وقبرص دولتين يملكان سواحل متقابلة تتداخل مناطقهما الاقتصادية الخالصة، وقّع الطرفان بتاريخ 2007/1/17 اتفاقاً ثنائياً بينهما حول تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدين، وذلك بالاستناد إلى قاعدة خطّ الوسط وفق النقاط المحدّدة من 1 إلى 6 والمبيّنة في قائمة الاحداثيات الجغرافية الملحقة بالاتفاق والتي وقّع عليها الطرفان.
إلّا أنّ الاتفاق بين لبنان وقبرص لم يدخل حيّز التنفيذ حتّى تاريخه وذلك لعدم تبادل الطرفين وثائق الإبرام نتيجة عدم المصادقة عليه أصولاً في مجلس النوّاب اللبناني.
وقد تقرّر بموجب هذا الاتفاق أنّه إذا دخل أيّ طرف من الطرفين في مفاوضات تهدف إلى تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة مع دولة أخرى، يتعيّن على هذا الطرف إبلاغ الآخر والتشاور معه قبل التوصّل إلى اتفاق نهائي مع الدولة الأخرى إذا تعلّق التحديد بإحداثيات النقطتين 1 أو 6، اللتين يعتبرهما لبنان في اتفاقه مع قبرص نقطتين ثلاثيتين مؤقّتتين.
– تحديد الخط 23:
عام 2009 وضعت لجنة مشتركة تقريراً عيّنت بموجبه إحداثيات الحدود البحرية الشمالية مع سوريا والجنوبية مع فلسطين المحتلة، وقد اعتبر النقطة 23 هي النقطة الثلاثية بين لبنان وقبرص وفلسطين المحتلة بدلاً من النقطة 1.
وفي العام 2010 أودع لبنان لدى الأمم المتحدة لوائح إحداثيات نقاط الحدود البحرية الجنوبية والتي تمتد من النقطة B1 وموقعها رأس الناقورة إلى النقطة 23 (وهذا الخطّ يُعرف بالخطّ 23).
– الاتفاق بين الجمهورية القبرصية والكيان الإسرائيلي:
بتاريخ 2010/12/17 وقّعت قبرص إتفاقاً مع الكيان الإسرائيلي لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة لكلّ منهما، وأودعت نسخة منه لدى الأمم المتحدة.
حدّد هذا الاتفاق المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الطرفين بالاستناد إلى خطّ الوسط المحدّد بالنقطتين 1 و12. أيّ أنّ الاتفاق بين قبرص والكيان الإسرائيلي قد اعتمد النقطة 1 أساسًا للتحديد دون مراعاة الموقف اللبناني الذي لا يوافق عليها والذي يعتمد النقطة 23.
– الخطّ 1:
قام العدوّ الإسرائيلي بترسيم حدوده البحرية مع لبنان بشكل أحادي وانطلق من نقطة سُمّيت النقطة 31 تنطلق من الأراضي اللبنانية الى النقطة 1، (وهذا الخطّ يُعرف بالخطّ 1).
وقد أودعت بعثة إسرائيل الدائمة لدى الأمم المتحدة بتاريخ 2011/7/12 لائحة الاحداثيات الجغرافية للجزء الشمالي من المياه الاقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة التي يدّعي العدوّ الاسرائيلي أنّها عائدة له.
– اعتراض لبنان لدى الأمم المتحدة:
بتاريخ 2011/6/20 أرسل لبنان رسالة الى الأمم المتحدة اعترض فيها رسميًا على الاتفاق الموقّع بين جمهورية قبرص والكيان الإسرائيلي حول تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما، ورفض لبنان الاحداثيات الجغرافية المودعة من قبل بعثة إسرائيل الدائمة لدى الأمم المتحدة، واعتبر لبنان أنّه يتبيّن من الاحداثيات التي أودعتها إسرائيل أنّها تبدأ الترسيم من النقطة 31 (بدلاً من النقطة B1) إلى النقطة 1 (بدلاً من النقطة 23)، الأمر الذي يؤدّي إلى اقتطاع مساحة 860 كلم2 من المياه اللبنانية.
– صدور القانون رقم 163 (قانون تحديد وإعلان المناطق البحرية للجمهورية اللبنانية) بتاريخ 2011/8/17:
حدّد هذا القانون في المادة الثانية منه خطّ الأساس للساحل اللبناني (وهو الخطّ الذي يبدأ منه قياس عرض المناطق البحرية) باعتماد حدّ أدنى الجزر والخطوط المستقيمة التي تصل بين نقاط أساس مناسبة بما يتوافق مع أحكام القانون الدولي، إعتبارًا من منتصف مصبّ النهر الكبير شمالاً وصولاً إلى نقطة انطلاق خطّ الهدنة موضوع اتفاقية الهدنة لعام 1949 جنوبًا. على أن يكون هذا الخطّ قابلاً للتعديل نتيجة التنامي الالتحامي لليابسة أو التآكل الذي قد يتعرّض له الشاطئ اللبناني.
كما حدّد القانون في المادة السادسة منه المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان التي تقاس من خطّ الأساس وتمتد إلى أقصى الحدود المتاحة على ألّا تتعدّى مسافة 200 ميل بحري (وفقًا لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ولا سيّما المادتين 55 و 57 منها ولسائر قواعد القانون الدولي ذات الصلة) وتمتد غربًا لتكون حدودها الدنيا في البحر:
– من الناحية الشمالية الغربية: النقطة الواقعة على المسافة ذاتها من أقرب النقاط على ساحل كلّ من الجمهورية اللبنانية والجمهورية العربية السورية وجمهورية قبرص.
– من الناحية الجنوبية الغربية: النقطة الواقعة على المسافة ذاتها من أقرب النقاط على ساحل كلّ من الجمهورية اللبنانية وجمهورية قبرص وفلسطين المحتلة.
– صدور مرسوم تحديد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية تحت رقم 2011/6433 بتاريخ 2011/10/1:
حدّد هذا المرسوم المنطقة الاقتصادية الخالصة للجمهورية اللبنانية بموجب لوائح إحداثيات نقاط جغرافية مرفقة بالمرسوم، وذلك من الجهات الثلاث الجنوبية والغربية والشمالية كما هي موضحة على الخريطة البحرية الدولية الصادرة عن الأدميرالية البريطانية. وقد نصّ المرسوم في المادة الثالثة منه على إمكانية مراجعة حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة وتحسينها، وبالتالي تعديل لوائح إحداثياتها عند توافر بيانات أكثر دقّة ووفق الحاجة في ضوء المفاوضات مع دول الجوار المعنيّة.
– خطّ هوف: عام 2012 اقترح السفير الأميركي فردريك هوف رسم خطّ يتمّ بموجبه تقاسم المنطقة المتنازع عليها بين لبنان والكيان الإسرائيلي والواقعة بين الخطّين 1 و 23 و التي تبلغ مساحتها 860 كلم2، على أن يُعطى لبنان 500 كلم2 منها ويُعطى العدوّ الإسرائيلي 360 كلم2. إلّا أّن لبنان رفض هذا الإقتراح.
– تحديد الخطّ 29:
تبيّن للبنان في العام 2011 أنّ الخطّ 23 هو خطّ غير دقيق وأنّه لا يبدأ من رأس الناقورة، وقد صدر تقرير عن المكتب الهيدروغرافي البريطاني UKHO حول تعيين الحدود اللبنانية مع اقتراح تعديل الخطّ 23 إلى آخر (يُعرف اليوم بالخطّ 29).
عام 2018 قامت مصلحة الهيدروغرافيا في الجيش اللبناني بإعادة مسح خطّ الأساس اللبناني بدقّة عالية باستخدام الأجهزة اللازمة ما أدّى إلى ظهور معطيات أكثر دقةً، وانطلاقًا من ذلك ومن حقّ لبنان بتعديل حدوده البحرية سنداً للمادة 3 من المرسوم 2011/6433، تمّ إعادة ترسيم الحدود البحرية اللبنانية الجنوبية إلى الخطّ 29 حيث أضيفت مساحة 1430 كلم2 إلى المياه اللبنانية زيادة عن الخطّ 23 السابق.
وقد أعدّت لجنة من الجيش اللبناني في نهاية العام 2019 ملفًا تقنيًا وقانونيًا متينًا أكّدت فيه أحقية لبنان بالخطّ 29 .
– المفاوضات غير المباشرة بين لبنان والكيان الإسرائيلي والخلاف حول ترسيم الحدود البحرية بينهما:
إنطلقت المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي عام 2020 برعاية الأمم المتحدة وبوساطة أميركية، إلّا أنّها توقّفت في ما بعد نتيجةً للإشكاليات الكثيرة العالقة بين الجانبين. وسنبيّن أسباب الخلاف وفقاً للتالي:
1- إعتماد نقاط أساس مختلفة:
كما ذكرنا أنّ من الأسباب التي أدّت إلى تباين الإحداثيات بين لبنان وإسرائيل هو اعتماد نقاط أساس مختلفة، كما أنّ نقطة الأساس 31 التي اعتمدها الكيان الإسرائيلي (بدلًا من B1) تنطلق من الأراضي اللبنانية، ما يمثّل خرقاً لمبادئ وقواعد القانون الدولي العام وتعدّياً على السيادة اللبنانية.
2- إشكالية “تخيلت”:
علاوة على ما تقدّم، يوجد سبب آخر لإشكالية الترسيم ألا وهو جزيرة “تخيلت” التي يسعى الكيان الإسرائيلي إلى إعطائها تأثيراً كاملاً عند تحديد منطقته الاقتصاديّة الخالصة.
ولتوضيح طبيعة الخلاف، لا بدّ هنا من العودة إلى أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وتحديداً نصّ المادة 121 منها التي وضعت نظام الجزر، والتي اعتبرت بفقرتها الأولى بأنّ الجزيرة هي رقعة من الأرض متكوّنة طبيعياً ومحاطة بالماء وتعلو عليه في حالة المدّ. واعتبرت أنّ الجزيرة وفقاً لهذا المفهوم يُحدّد لها مناطق بحرية ومنها المنطقة الاقتصادية الخالصة. وأضافت هذه المادة بفقرتها الثالثة أنّه ليس للصخور التي لا تهيّئ استمرار السكنى البشريّة أو استمرار حياة اقتصاديّة خاصة بها، منطقة اقتصاديّة خالصة أو جرف قارّي.
إنّ العدو الإسرائيلي يعتبر أنّ “تخيلت” هي جزيرة بالمعنى المحدّد في الفقرتين 1 و 2 من المادة 121 من الاتفاقيّة، ويسعى إلى إعطائها التأثير الكامل (الأمر الذي يؤدّي إلى اقتطاع الإسرائيلي مساحة قدرها 350 كم2 تقريبًا من المنطقة الاقتصاديّة الخالصة للبنان). مع الإشارة هنا إلى أنّ خطّ هوف يُعطي “تخيلت” الأثر الكامل للجزر، في حين أنّ الخطّ 29 لا يمنحها أيّ أثر، إذ إنّ الجانب اللبناني يعتبر أنّ “تخيلت” مجرّد صخرة تنطبق عليها الفقرة 3 من المادة 121 من الاتفاقيّة، وقد أوضحت قيادة الجيش اللبناني أنّ ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل يجب أن يجري على أساس الخطّ الذي ينطلق من نقطة رأس الناقورة من دون احتساب أيّ تأثير للجزر الساحلية لفلسطين المحتلة.
وقد كثرت الاقتراحات لمحاولة حلّ هذه الإشكالية ومنها إعطاء “تخيلت” الأثر النصفي، بحيث يكون للحدود البحريّة اللبنانيّة 500 كلم2 زيادةً عن الخطّ 23 (لجهة الجنوب). أمّا في حال رست المفاوضات على التجاهل الكامل لأثر “تخيلت”، يكون للحدود البحريّة اللبنانيّة 1350 كم2 زيادةً.
3- نزاع الخطوط:
في ما يتعلّق بالخطّ الذي تنتهي فيه الحدود البحرية اللبنانية لتبدأ منه الحدود البحرية المزعومة من قبل الكيان الإسرائيلي، فيظهر هنا ما يُمكن أن يُسمّى بنزاع الخطوط، حيث إنّ الجانب الإسرائيلي متمسك بالخطّ 1، في حين أنّ الوفد المفاوض عن الجانب اللبناني متمسك بالخطّ 29.
إنّ مطالبة العدوّ الإسرائيلي بأن تبدأ حدوده البحرية من الخطّ رقم 1، تعني مطالبته بجزء من كلّ من البلوكين 8 و 9 كما بجزء من حقل قانا المحتمل، الأمر الذي سيؤدّي بطبيعة الحال إلى عرقلة الأنشطة البترولية في هذين البلوكين.
أمّا تمسّك الوفد اللبناني المفاوض بالخطّ 29 يعني أحقية لبنان بالبلوك 72 و بجزء من حقل كاريش (الواقعين إلى جنوب الخطّ 23).
إنّ المساحة بين الخطّ الاسرائيلي رقم 1 والخطّ 23 هي 860 كلم2، والمساحة بين الخطّ 23 والخطّ 29 هي 1430 كلم2، بمعنى أنّ المساحة التي يتمسّك فيها الوفد اللبناني المفاوض يُشكّل مجموعها 2290 كلم2.
– رسالة لبنان إلى الأمم المتحدة:
بتاريخ 2022/1/28 أرسل لبنان إلى الأمم المتحدة رسالةً تمثّل إعلاناً بتمسّك لبنان بالخطّ 29، تمّ نشرها على الموقع الرسمي لقسم شؤون المحيطات وقانون البحار في الأمم المتحدة وجعلت المنطقة الواقعة بين الخطّ 23 والخطّ 29 منطقة متنازعاً عليها. وقد حُذفت الرسالة بعد ذلك ثمّ أُعيد نشرها بتاريخ 2022/2/26.
وتشير هذه الرسالة الى أنّ حقل كاريش متنازع عليه، الأمر الذي من شأنه أن يؤدّي إلى توقّف الشركات عن التنقيب لصالح الجانب الإسرائيلي في المنطقة المتنازع عليها وتؤمّن حماية للحقول اللبنانية المتنازع عليها.
أخيراً، تجدر الإشارة إلى أنّ الوفد اللبناني المفاوض قد أبدى دفاعاً شرساً في المفاوضات عن أحقّية لبنان بالخطّ 29، معتمداً إحداثيات جديدة مستندة إلى تقنيات متطوّرة ومنطبقة على قواعد القانون الدولي.
وقد طالب الوفد اللبناني عدّة مرّات بضرورة تعديل المرسوم 2011/6433 وتكريس الخطّ 29 فيه وإيداعه لدى الأمم المتحدة، الأمر الذي سيعطي الوفد اللبناني المفاوض موقعاً متقدّماً في المفاوضات، التي وإن فشلت، فإنّ ذلك سيفتح أمامنا بحثاً حول السبل الأخرى لتسوية المنازعات الناشئة عن ترسيم الحدود البحرية بين الجانبين والإشكاليات التي تُثار حولها.
المصادر:
– إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
– المرسوم 2011/6433 تاريخ 2011/10/1.
– القانون رقم 163 تاريخ 2011/8/17.
– ندين خيرالله، خطوط وحقوق، مجلّة الدفاع الوطني، العدد 430-431 – أيّار 2021.
– د. ريان عساف، الحدود البحرية للبنان: تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة، مجلّة الدفاع الوطني، العدد 90 – تشرين الأوّل 2014.
– الدكتور خضر ياسين، قراءة قانونية في ترسيم حدود لبنان البحرية، الموقع الرسمي لوزارة الإعلام اللبنانية.
* دراسات عليا في القانون العام.
“محكمة” – السبت في 2022/3/5

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!