علم وخبر

في الآلية الدستورية للتفاوض حول إنهاء حالة العداء مع اسرائيل/ فرانسوا ضاهر

القاضي السابق والمحامي فرانسوا ضاهـر:
إن قانون مقاطعة اسرائيل الصادر بتاريخ 1955/6/23 بناءً على قرار مجلس جامعة الدول العربية في جلسته المنعقدة في 1952/3/29 لوضع مشروع قانون تعتمدة الدول العربية لمقاطعة اسرائيل “، وقد أورد في أسبابه الموجبة ما يلي :
” … إن الحصار الاقتصادي المفروض على إسرائيل من قبل لبنان وسائر الدول العربية يحتم استصدار تشريع خاص ينظم أعمال مقاطعة إسرائيل فيحدد المسؤوليات ويعين الموجبات وينزل العقوبات بالمهربين من إسرائيل وإليها.”
بحيث يكون القانون المذكور قد وصّف دولة اسرائيل بالدولة العدوة بمفهوم أحكامه، كما بمفهوم قانون العقوبات اللبناني في مواده 273 الى 287 ضمناً.
اما في ما يتعلّق بالآلية الدستورية للتفاوض مع دولة عدوة ، فقد أورد المشرع الدستوري نصين يحكمانها.
الأول، نصّ المادة 52 التي تقول:
” يتولّى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالإتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح مبرمة إلاّ بعد موافقة مجلس الوزراء. وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. ”
” أما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلّق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلاّ بعد موافقة مجلس النواب. ”
والثاني، نص المادة 65 التي تقول:
” تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء. (…)
” يجتمع مجلس الوزراء دورياً في مقرّ خاص ويترأس رئيس الجمهورية جلساته عندما يحضر. ويكون النصاب القانوني لإنعقاده أكثرية ثلثيْ أعضائه، ويتخذ قراراته توافقياً. فإذا تعذّر ذلك فبالتصويت، ويتخذ قراراته بأكثرية الحضور. اما المواضيع الأساسية فإنها تحتاج الى موافقة ثلثيْ عدد أعضاء الحكومة المحدّد في مرسوم تشكيلها ويُعتبر مواضيع أساسية ما يأتي:
… إعلان حالة الطوارىء والغاؤها، الحرب والسلم، … الإتفاقات والمعاهدات الدولية، … ”
بحيث يقتضي التنسيق بين النصوص الدستورية لاستخراج الآلية القانونية التي تجيز التفاوض مع دولة عدوة، هنا دولة اسرائيل.
وإذا كان يحقّ لرئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالإتفاق مع رئيس الحكومة، بعد موافقة مجلس الوزراء عليها، وسبق موافقة مجلس النواب، إذا كانت من فئة المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، سنداً لحكم المادة 52 من الدستور.
فإنه في ما يتعلّق بالتفاوض مع دولة عدوة، كإسرائيل،حول مسألة إنهاء حالة العداء بين الدولتين، أو إقامة سلام في ما بينهما أو حتى ترتيبات أمنية وعسكرية، فإنه يتعيّن على رئيس الجمهورية أولاً بأول أن يستصدر من مجلس الوزراء قراراً، يُتّخذ بأكثرية ثلثيْ عدد أعضاء الحكومة المحدّد في مرسوم تشكيلها، يجيز له المبادرة الى مثل هذا التفاوض، لكونه يتعلّق بموضوع السلم وصيغه ومتفرّعاته، الذي هو من المواضيع الأساسية التي نصّت عليها الفقرة 5 من المادة 65 من الدستور.
وإن مثل هذا التفسير والتحديد لميدان تطبيق النصوص الدستورية من شأنه ان يجعلها مترابطة ومتكاملة وليس متعارضة ومعطّلة لبعضها البعض، الأمر الذي ينأى به المشرّع الدستوري ويربأ وقوعه فيه او نسبه إليه.
بحيث يصحّ الإستنتاج بأن مبادرة رئيس الجمهورية التفاوض بإسم لبنان مع دولة إسرائيل حول الوضعية العدائية والنزاعية القائمة بين الدولتين، دونما مراعاة تراتبية الآلية التي نصّت عليها المادتان 52 و65 من الدستور، يكون مفتقراً الى الأساس الدستوري السليم، ومفتقراً بالتالي الى التغطية الشرعية المتمثلة بمجلس الوزراء التي أوجبها المشرّع الدستوري حين التفاوض حول هذه الوضعية.
“محكمة” – الاثنين في 2026/5/11

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!