مقالات

حاسبوا القضاة المخالفين لتستقيم الدولة قبل فوات الأوان/إيلي قهوجي

المحامي إيلي ميشال قهوجي:
حين دخل الجنرال شارل ديغول باريس بعد تحريرها من الغزو النازي، سأل عن أحوال البلد فأخبروه أنّها بأسوأ حال، فسأل سؤاله الشهير: “هل القضاء بخير؟” فأجابوه: “نعم”. فقال: “إذا القضاء بخير ففرنسا بخير”.
كما قال رئيس مجلس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل أيضًا: “خير لنا أن تخسر بريطانيا الحرب ولا أوقف حكماً قضائياً”.
نستشفّ من هذين القولَين أنّ القضاء حتّى في نظر قادة العالم الجبابرة، وبالرغم من بطشهم وأنانيتهم وسياستهم المدمّرة والهجينة، هو العمود الفقري لصمود الدولة. كلّ شيء قابل للإصلاح، وكلّ معضلة ولها حلّ طالما القضاء بخير، وغير ذلك فالدولة حتماً إلى زوال.
إستشهدنا بهذين القولَين لنقول، وبكلّ تفاؤل، إنّه لدينا في لبنان قسم كبير من القضاة المشهود لهم بشجاعتهم في صون العدالة، وبشهامتهم في التعالي على شهوات ورغبات الدنيا، وبشفافيتهم في التعاطي مع ملفّات المتقاضين، وبمصداقيتهم عند إصدار الأحكام وفق ما تمليه عليهم ضمائرهم الساهرة على إحقاق الحقّ ليأخذ كلّ ذي حقّ حقّه.
هؤلاء القضاة هم أمل لبنان واللبنانيين، بهم تستقيم الدولة ومعهم يحيا العدل ولهم نعلن ولاءنا. هم مرآة العدل والإنصاف التي لم ولن ننظر إلاّ إليها ومن خلالها.
أمّا القسم الثاني من القضاة، ولحسن الحظّ أنّهم قليلون، يفتقدون للصفات المذكورة أعلاه ويعيثون في القضاء فساداً، ومع ذلك ما زالوا، بحكم أمر الواقع السياسي، قابعين في مراكزهم. وعندما يصل الأمر إلى حدّ لم يعد باستطاعة هذه القوى السياسية حماية هذا القاضي أو ذاك وتغطية أعماله المخالفة للقانون، والذي من المفترض أن يكون حامي القانون والمؤتمن على تطبيقه أولّاً وأخيرًا، فهو يُحال على التفتيش القضائي الذي عوّدنا على قراراته المتأرجحة بين التخفيض من درجات القاضي أو نقله إلى مركز آخر. وفي أقصى الحالات، يُطلب منه تقديم استقالته حفاظاً على ماء الوجه ولكي لا يخسر راتبه التقاعدي في حال تقرّر عكس ذلك.
لم نشهد يوماً قاضيًا واحدًا دخل السجن لكي يكون عبرة لغيره. فماذا ننتظر من قاضِ مرتشِ أو ملتمس منفعة سوى حكم مفصّل حسب ما تقتضيه مصالحه الضيقة.
إنّ المحافظة على ماء الوجه التي يسعى إليها التفتيش القضائي دائماً أثناء محاسبته للقضاة الفاسدين، تجعل من وجه العدالة أسود، وخسارة الراتب التقاعدي أهون وأشرف من خسارة البلد لمؤسّساته.
عالجوا الجسم القضائي ممّا يعانيه اليوم قبل الغد، فما زال هناك متسع من الوقت لشفائه قبل أن يُصاب بنزف حاد تعجز البشرية عن شفائه منه، وهناك البكاء وصرير الأسنان.
إذا أردتم أن يكون لبنان بخير، فاجتهدوا لأن يكون قضاؤه بخير، وحاسبوا علناً وليس سرّاً من يشوّه سمعته ومكانته بكلّ ما لديكم من جرأة وموضوعية واستقلالية، ودعوا السياسة تغرّد خارج سربكم المشرّف لكلّ من يجد في العدالة ضالّته، وطبّقوا القانون عليه قبل أن تحكموا باسم الشعب اللبناني ليحافظ القضاء على مصداقيته وهيبته. فالهيبة لا تكمن في التعتيم على العيوب إنّما في المحاسبة العلنية. فليس في المحاسبة عيب، إنّما العيب في من لا يريد المحاسبة لأنّه بها تنجلي الحقائق ومعها تستقيم الدولة وتسود العدالة ويحيا لبنان، وغير ذلك على الدنيا السلام.
“محكمة” – الجمعة في 2019/8/30

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!