مقالات

صلاحية أمين السجّل العقاري في قيد وترقين القيود/ماريا خير

الدكتورة ماريا خير*:
بدايةً أشكر الله عز وجلّ على مرافقته لي في كل المراحل.
يشرّفني أن ألتقي بكم في نقابة المحامين في بيروت بيتي الاوّل ومهد انطلاقتي.
هذه النقابة التي كان لي شرف الانتساب لها، قبل أن أنتقل الى الإدارة العامة تحديداً أمانة السجل العقاري. فهي كانت الدافع للمزيد من التحصيل العلمي وصقل الذات. فالشكر وكل الشكر لنقابة المحامين في بيروت وعلى رأسها اليوم سعادة النقيب ناضر كسبار.
كما وأتقدم بجزيل الشكر والامتنان إلى كل من ساعدني ودعمني في مسيرتي: زوجي وابني الحبيب بيتر. كما وأخص بالذكر الدكتور عفيف شمس الدين الذي مهما قلت فيه وعنه، لا يمكنني أن أفيه حقّه؛ فلولا تشجيعه لي ومثابرته على إنجاح هذا الكتاب، لما بث فيّ روح الأمل والتواضع وكان مرشدي الدائم إلى الطريق الصحيح في هذه المسيرة.
أتوجه بالشكر أيضاً لجميع أصدقائي الأوفياء في مقدمتهم الصديق الصدوق الأستاذ سعد الدين الخطيب الذي تربطني به علاقة صداقة ومودة منذ ما يقارب عشرين سنة.وأن أنسى فلن أنسى والدي السند والداعم والجبل الذي أتكئ عليه وأحمّله همومي أطال الله بعمره.
وأخيراً، اسمحوا لي أن أهدي هذا الكتاب إلى ملاكي روح أمي الطاهرة الحاضرة بيننا من عليائها.
أوّلًا: عن أسباب اختياري للموضوع
أما كتابي “صلاحية أمين السجل العقاري في قيد وترقين القيود”، فيعود سبب اختياري للموضوع بالدرجة الأولى من منطلق موقعي الوظيفي كأمين سجل عقاري، ولكونه موضوعًا عمليًا غير معالج حتى تاريخه؛ فهو يتوجه الى فئة كبيرة من الحقوقيين والمحامين والقضاة والكتّاب العدل والى كل فرد كي يكون على بيّنة من حقوقه، ومعرفة الإجراءات المتبعة للتسجيل والتي تمّت معالجتها بشكل مبسّط.
أغنت ممارستي وخبرتي العملية وساعدت في طريقة معالجتي وتحليلي للموضوع، فجاء تسليط الضوء على المشاكل العملية الرائجة التي تثير نقاط استفهام عديدة (كصلاحية أمين السجّل في رفض القيود العقارية وموانع التسجيل، القصورات العقارية، الفرق بين مهام أمين السجل العقاري وأمين السجل المعاون، الأخطاء القانونية التي يرتكبها أمناء السجل العقاري في سياق ممارسة مهامهم)؛ حاولت جاهدةً معالجة تلك المسائل بالاستناد إلى النصوص القانونية، والاجتهاد والفقه اللبناني والسويسري.
ثانيًا: أهمية الموضوع
تكمن أهمية الموضوع أوّلًا في شموليته، وثانيًا في الحاجة الى تحديث القوانين
شمولية الموضوع:
تكمن أهمية الموضوع في شموليته، إذ إنّه يجمع بين عدّة قوانين:
قانون إنشاء السجل العقاري والملكية العقارية، قانون أصول المحاكمات المدنية، القانون الإداري، قانون الاستملاك، قانون الموجبات والعقود.
قانون تسوية مخالفات البناء، قانون الموازنات، قانون التنظيم المدني، قانون الأوقاف الذرية، قانون التجارة بالنسبة للإفلاس.
من هنا كانت الضرورة لجمعها لتشكل أداةً مفيدةً للباحثين وأصحاب الاختصاص.
الحاجة إلى تحديث القوانين:
– الإستناد إلى القانون السويسري: بما ان قوانيننا الحالية قديمة العهد ولا تواكب التطورات العملية والثورة الرقمية، فكان من الضروري الاستعانة بالقانون المقارن السويسري الذي وسّع آفاقي وكان مصدر الهامي، فتمكنت من خلاله من تكييف حداثته مع القانون اللبناني من الناحية النظرية والتطبيق العملي.
تم الارتكاز على القانون السويسري دون اغفال نموذج عن قوانين بعض البلدان العربية وبشكل خاص القانون المغربي.
زملائي الكرام، أيها الحضور الكريم
في الاستنتاجات
تبيّن لي من استعراض محتوى الدراسة أن صلاحية امين السجل العقاري في تسجيل وترقين القيود هي تارةً مقيّدة، وطورًا واسعة وتقديرية.
فإنّ أمين السجل العقاري هو موظف إداري، ليس له سلطة توصيف حقيقة العمل القانوني وتكييف الأعمال القانونية، لأنّ ذلك من أعمال القضاء وليس الإدارة.
فصلاحية أمين السجل العقاري في إنشاء السجل العقاري هي صلاحية تنفيذية: حيث نرى أن المشترع أراد تضييق صلاحية أمين السجل العقاري، لا بل انتفاءها في ما يتعلق بإنشاء السجل العقاري.
أما بموجب المادة 72 من القرار 188، فيتمتّع بصلاحية واسعة اذ يعتبر مسؤولًا عن صحة جميع المستندات. ان هذه الصلاحية الواسعة تقابلها مسؤولية كبيرة تقع على عاتقه؛ هذا الامر يطرح مشاكل عديدة في التطبيق العملي.
جديد هذا الكتاب، وجديد هذه الأطروحة أنه تم تسليط الضوء على القصورات العقارية وتم تمييزها عن قصورات حق التصرف والتدابير الاحتياطية، كما جرى تعدادها لأولّ مرّة بهذا الأسلوب (القصورات العقارية وقصورات حق التصرف) مستندةً على القانون السويسري ومستأنسةً بالفقه الفرنسي. وكذلك جرى عرض ذلك بالتلازم مع التطبيق العملي.
الحلول المقترحة
من خلال اتباعي أسلوباً تحليلياً وقياسياً مرتكزاً على القانون المقارن، استطعت إلى حدّ كبير أن أوضّح نصوصاً قانونية غير واضحة (ومفهومة بصورة مغلوطة بالنسبة لي شخصيًا على الأقلّ)؛ وساعدني على فهمها الأستاذ المشرف وذلك من خلال تسليط الضوء عليها ومن ثمّ معرفة مكنوناتها وفقًا للمنطق القانوني السليم، على سبيل المثال:
1- مسألة الاعتراض على إجراء معاملة عقارية وبالتحديد نص المادة 81 من القرار 188 والفرق بينها وبين الحجز الاحتياطي المنصوص عليه في قانون أصول المحاكمات المدنية كون الاعتراض يشكّل مانعًا من موانع التسجيل ويختلف عن الحجز الاحتياطي، وقد فصّلت ذلك في متن الاطروحة، إذ إنّ الحجز الاحتياطي لا يعدّ مانعًا من موانع التسجيل بعكس الاعتراض على اجراء معاملة عقارية التي تتخذ شكل الحجز الاحتياطي (نص المادة 81 من القرار 188).
وبهذا الصدد إقترحت ان يطلب امين السجل العقاري صورة عن استدعاء الحجز، فإذا كان يستند الى نص المادة 81، عليه أن يرفض تسجيل أية معاملة على هذا العقار؛ أو انه من الأفضل ان يعلّل رؤساء دوائر التنفيذ النص القانوني الذي حثهم على اتخاذ مثل هذه القرارات.
2- ومن الأمور التي عالجتها ما يتعلّق بالحلول المقترحة لأمناء السجل العقاري عندما يرتكبون أخطاءً قانونية في سياق ممارستهم الوظيفية (وبعد أن يكون قد صدّق العقد نهائياً ونعني هنا تدوين القيد على الصحيفة وصدور سند التمليك). وهذا أمر مهم للغاية من الناحية العملية حيث لم يتم معالجته من قبل على الرغم من أنه يطرح مسائل عملية يترتب عليها نتائج هامة؛ فكيف لأمناء السجل العقاري أن يصححوا مثل هذا الخطأ؟
الحل أيضا في هذا الكتاب
– الحل الأول هو في تطبيق نصّ الفقرة الثالثة من المادة 15 من القرار 188 على سبيل القياس على الأخطاء القانونية وهنا يمكن لأمين السجل مخاطبة القاضي مباشرة.
– والحل الثاني هو في تطبيق نص المادة 28 من القرار 26/188 المحصور تطبيقه إذا كان الخطأ المرتكب من قبل أمين السجل ينبغي ترقينه فقط وليس قيده (في الحالتين يمكن لأمين السجل أن يخاطب القضاء).
3- بالإضافة إلى ذلك من خلال المقارنة مع القانون السويسري، إستطعت التوصّل الى اقتراحات لتعديل نصوص قانونية مثل نص المادة 28 من القرار 188 (إذ إنّ القانون السويسري عرض حالات زوال حقوق عينية تؤدي إلى الترقين الحكمي فقد اقترحت الاستئناس بهذه الحالات لتوضيح نص المادة 28) أو اقترحت إدراج نصوص قانونية شبيهة بالقانون السويسري كالمادة 960 التي تتكلم عن قصورات حق التصرف.
كلّ ذلك بالتزامن مع إدراج العديد من القرارات القضائية الحديثة الصادرة عن الغرف الابتدائية وتم التعليق عليها بأسلوب تحليلي قياسي ممّا يخدم هذه الأطروحة ويعطيها قيمة مضافة.
التحدي الأكبر لي
كان التحدي الأكبر لي في هذه الاطروحة هو ايجاد حلولٍ لقضايا عملية لم يتم العمل بها بشكل موحد من قبل أمناء السجل او من قبل الاجتهاد، حتى أنه لم يتم الإضاءة عليها من قبل الدراسات الفقهية، هذا بالإضافة الى إيجاد اقتراحات لنصوص قانونية لبنانية لم تعد تواكب تطور العصر بالاستناد الى القانون المقارن؛ والجدير بالذكر ان القانون المقارن لم يكن في جميع الأحوال الحل الأمثل لبعض القضايا المطروحة، فمن خلال الغوص في القانون المقارن، تمكّنت من اكتشاف بعض شوائبه فانتقدتها بصورة موضوعية كما في حالة تقييم المادة 28 من القرار 188 بالمقارنة مع القانون السويسري.
أخيرا وبعد اختتام إطار الورشة التعديلية لتعديل وتحديث قانون انشاء السجل العقاري التي انطلقت بعد توقيع اتفاقية fexte fonds d’expertise technique et d’échange d’expérience مع الجانب الفرنسي، في تشرين الثاني 2021، لا بد للمشترع اللبناني أن يشرّع نظام المكننة بشكل عاجل ويعطيه قوة ثبوتية. هذا الامر سوف نتطرق اليه ان شاء الله في مؤلفنا اللاحق. لإمكانية تحديد المسؤوليات في حال حدوث خطأ على الصحيفة الممكننة وهذا ما يحصل غالبا في التطبيق العملي.
ليس هذا فحسب، بل يقتضي استكمال مشروع مكننة امانات السجل العقاري وربطها الكترونيًا مع بعضها البعض أي ضمن وزارة المالية نفسها وبشكل خاص مع وزارة العدل لا سيما مع المحاكم وكتاب العدل الممثلين بالنقيب الأستاذ ناجي الخازن الذي يسعى جاهداً بالتنسيق مع كتاب العدل الفرنسيين لتطبيق هذا الربط الالكتروني.
غير أن السؤال المطروح ما بعد اتفاقية fexte: ومعرفة ما إذا كان القانون العقاري اللبناني قادراً على اعتماد ذلك التغيير الجذري الذي سيقرّبه أكثر من النظام الشخصي المعتمد في فرنسا فيبعّده عن النظام العيني الذي طالما كان يتسم به.
أيها الحضور الكريم، اشكركم من صميم القلب على حضوركم العزيز على قلبي الذي أسعدني للغاية، واشكر بشكل خاص كل من تكبد العناء وقطع مسافات طويلة للحضور اليوم، أصدقائي القادمين من البقاع ومن زحلة ومن جميع المناطق، لكم جميعًا خالص امتناني.
أخيرًا أشكر الوزراء والنواب والرؤساء والقضاة والنقباء والحقوقيين والمحامين والكتاب العدل وجميع موظفي الدوائر العقارية وزملائي وزميلاتي في العمل.
* ألقت الدكتورة ماريا خير هذه الكلمة في حفل توقيع كتابها الهام جدًّا “صلاحية أمين السجل العقاري في قيد وترقين القيود”، في “بيت المحامي” في بيروت يوم الأربعاء الواقع فيه 3 أيّار 2023.
“محكمة” – الأحد في 2023/5/7

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!