أبحاث ودراسات

قراءةٌ سريعةٌ في المادّة 73 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة:هل يَحتاجُ التّعديلُ إلى تعديلٍ؟/سامر يونس

القاضي الدكتور سامر يونس:
بعدَ اطّلاعِنا، مؤخَّراً، على القانون 321 المنشورِ في الجريدة الرّسميّة، العدد 53، في 2023/12/28، والمتعلّقِ “بتعديل أحكامِ المادّة 73 (الدّفوع الشّكليّة) من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة”، وبِوَحْيٍ من “أسبابِه الموجبةِ”، المرفقةِ به ربطاً، في العددِ عينِه من الجريدةِ الرّسميّة، نُبْدِي الآتي:
أوّلاً- إنّ السّببَ الكامِنَ وراءَ تعديلِ هذا النّصِّ (أيْ نصّ المادّة 73 أ.م.ج.)، وبحسبِ أسبابِه الموجِبةِ، إنّما هو الحَؤولُ دونَ المُماطَلَةِ أو التّعسّفِ في الإدلاء بواحدٍ أو أكثرَ من الدّفوعِ الشّكليّةِ المنصوصِ عليها في هذه المادّة؛ وهذا التّعسّفُ يأتي، بصورةٍ مباشرة، من المدّعى عليه نفسِه الّذي يُدلي بدفعٍ شكليّ أمامَ قضاءِ التّحقيقِ، ثمَّ يعودُ ليُدْلِيَ به، هو ذاته، مرّةً أخرى، أمامَ قضاءِ الحُكْمِ النّاظرِ في القضيّةِ عينِها، وَفْقَ ما جاء، أيضاً، في أسباب القانونِ الموجبة. لذا، واستناداً إلى هذه الأسبابِ، فلقد أَضْحَى نصُّ المادّةِ 73، بعد تعديلِه، مَصُوغاً على النَّحْوِ التّالي: “يَحِقُّ لكلٍّ من المدّعى عليه (…) والنّيابةِ العامّة أن يُدْلِيَ، في جميع مراحلِ التّحقيقِ والمحاكمةِ، ولمرّةٍ واحدةٍ قبلَ استجوابِ المدّعى عليه، بدفعٍ أو أكثرَ من الدّفوعِ الآتية: (…)”.
وعليه، فإنّ النَّصَّ الجديدَ قد أتى ليُجِيزَ للمدّعى عليه، أو لوكيلِه، الإدلاءَ بواحدٍ أو أكثرَ من الدّفوعِ الشّكليّةِ، “في جميع مراحلِ التّحقيقِ والمحاكمة”، ولكنْ، فقط، “لمرّةٍ واحدةٍ قبلَ اسـتجوابِه”. فهل يعني هذا النّصُّ، هنا، وجوبَ أن يُدْلِيَ المدّعى عليه بدفعِه الشّكليّ، مرّةً واحدةً، فقط، لا غير، وذلك قبلَ استجوابِه أمامَ كلٍّ مِن قضاءَي التّحقيقِ والحُكْمِ النّاظِرَيْن، تِباعاً، في الدّعوى ذاتِها، طالما أنّ القيدَ الوحيدَ، في هذا الصَّدَدِ، وبحَسَبِ صياغةِ النّصّ نفسِه، يَتَمَثَّلُ في وجوبِ الإدلاءِ بالدّفعِ أو بالدّفوعِ الشّكليّة، “ولمرّةٍ واحدةٍ”، فقط، “قبلَ الاستجوابِ”، وذلك “في جميع مراحلِ التّحقيقِ والمحاكمة”؟
وأيَّ استجوابٍ يَقْصِدُ هذا النّصُّ؟ هل هو استجوابُ المدّعى عليه الحاصلُ أمامَ قاضي التّحقيقِ، أمْ هو ذلك الجاري أمامَ قاضي الحُكْمِ، أمْ لدى كِلَيْهِما، لا سـيّما وأنّ هذا الاستجوابَ هو إجراءٌ جوهريٌّ ووجوبيٌّ، مبدئيّاً، لدى كلٍّ مِن قضاءَي التّحقيقِ والحُكْمِ، فلا يُغْنِي الاستجوابُ الحاصلُ أمامَ أحدِهما عن إعادةِ حصولِه أمامَ الآخَرِ، وذلك إعمالاً لمبدأ الفصلِ بينَ قضاءَي التّحقيقِ والحُكْمِ وما يَنْتُجُ عنه من استقلالِ المحاكمةِ العلنيّةِ عن التّحقيقِ الاستنطاقيّ؟
هي أسئلةٌ أو تساؤلاتٌ مشروعةٌ تَطْرَحُها صِياغةٌ حَمّالةٌ وُجوهاً قد يَسْـتَغِلُّها مدّعى عليه مُماطِلٌ أو مُتَعَسِّفٌ، فيُحاوِلَ تفسيرَ هذا النّصِّ تفسيراً سيّئاً يُلائِم أو يَعْكِسُ سوءَ نِيَّتِه.
ولمعالجةِ هذه الفَرْضِيَّةِ أو لمواجهةِ تلك الإشكاليّةِ الّتي تَطْرَحُها صياغةُ النّصِّ المُلْتَبِسَةُ، يَنْبَغِي رَبْطُ نصِّ القانونِ بروحِه، أيْ بأسبابِه الموجِبةِ، وذلك للوقوفِ على نيّةِ المشترعِ الّتي لم تُتَرْجِمْها، هنا، أحكامٌ واضحةٌ خاليةٌ من أيِّ غموضٍ أو التباسٍ أو إبهام، إذْ جاء، في تلك “الأسبابِ الموجبةِ”، أنّ “الإدلاءَ بالدّفوع الشّكليّةِ يَتِمُّ، حاليّاً، أمامَ المراجعِ الجزائيّةِ كافّةً (قاضي التّحقيق، الهيئة الاتّهاميّة، القاضي المنفرد، محكمة استئناف الجنح، محكمة الجنايات)، وبصورةٍ متكرّرةٍ وبهدف المُماطَلةِ (…)”؛ “لذلـك”، تُضِيفُ الأسبابُ الموجبةُ عينُها، فلقد “جرى وَضْعُ اقتراحِ القانونِ المُرْفَقِ الرّامي إلى تعديل المادّة 73، وذلك للتّأكيد على عدم إمكانيّة التّقدّمِ بالدّفوع الشّكليّة إلّا مرّةً واحدةً أمامَ أيٍّ من المراجعِ الجزائيّةِ، دونَ إمكانيّةِ الإدلاءِ بها، في ما بَعْدُ، أمامَ المراجعِ الأخرى، منعاً للمماطلة، طالما لم يَسْتَجِدَّ أيُّ أمرٍ يُبَرِّرُ التّقدّمَ بدفوعٍ شكليّةٍ جديدة”. فهل يُعْقَلُ، هنا، أن تكونَ أسبابُ القانونِ الموجبةُ أكثرَ وضوحاً وأشدَّ حَسْماً مِن نصِّ القانونِ ذاتـِه؟!
ثانياً- مُعْتَبِراً أو مُفْتَرِضاً أنّ سببَ التّأخيرِ أو المماطلةِ يَنْبَعُ مِن القاضي، لا مِن المدّعى عليه، فلقد أتى النّصُّ التّعديليُّ ليُلْزِمَ القاضيَ النّاظرَ في الدّفوعِ الشّكليّةِ، بمُهْلَةِ أسبوعَيْن لبَتِّ هذه الاخيرةِ، تحت طائلةِ اعتبارِه مُسْتَنْكِفاً عن إحقاقِ الحقِّ، ومانعاً إيَّـاه، أيضاً، مِن ضَمِّ أيِّ دفع شكليّ إلى أساسِ النّزاعِ، هذا عِلْماً بأنّ طبيعةَ بعضِ الدّفوعِ الشّكليّةِ (كالدّفعِ بمرور الزّمنِ، تحديداً)، إنّما تستوجِبُ ضَمَّها إلى أساس النّزاعِ، بانتظار استكمالِ التّحقيقاتِ في شأنِها، كما أنّ قرارَ الضَّمِ، هنا، لا يَقْبَلُ أيَّ طَعْنٍ، في مطلقِ الأحوال، كونُه لا يَبِتُّ الدّفعَ أو يَفْصِلُه، فضلاً عن أنّ قرارَ ضمِّ الدّفوعِ الشّكليّةِ إلى الأساس، وبحُكْمِ عدمِ قابليَّتِه الطّعنَ، خلافاً لقرارِ بَتِّ هذه الأخيرةِ، إنّما هو يُسَرِّعُ مَسارَ الدّعوى ولا يُعِيقُه أو يُؤخِّرُه إطلاقاً.
لذا، كان مِن الواجبِ أو مِن المُتَوَقَّعِ أن يَنْطَوِيَ التّعديلُ على منعِ المدّعى عليه مِن استئنافِ قرارِ ضَمِّ الدّفعِ الشّكليِّ إلى الأساس، لا أن يَنُصَّ التّعديلُ نفسُه على مَنْعِ القاضي مِن ضَمِّ هذا الدّفعِ إلى الأساس، لأنّ التّعسّفَ لا يتأتَّى، هنا، من قيامِ القاضي بضمِّ دفعٍ شكليّ تُحَتِّمُ طبيعتُه ضَمَّه إلى أساسِ النّزاعِ، ولكنّه يَنْشَأُ، حتماً، عن تَعَمُّدِ المدّعى عليه استئنافَ قرارٍ يَعْلَمُ، هو، تَمامَ العِلْمِ، أنّه لا يَقْبَلُ أيَّ طعنٍ أو مراجعة.
ثالثاً- يَحْرَصُ التّعديلُ، كما النّصُّ السّابقُ، على تحديد مُهْلَةِ استئنافِ قرارِ بَتِّ الدّفوعِ الشّكليّة بأربعٍ وعشرين ساعةً تَسْرِي منذُ صدورِه بالنّسبةِ إلى النّيابةِ العامّة، ومنذُ تاريخِ تبلّغِه بالنّسبةِ إلى كلٍّ من المدّعي الشّخصيّ والمدّعى عليه. إنّ تحديدَ بَدْءِ سَرَيانِ هذه المُهْلَةِ بتاريخِ صدورِ القرارِ بالنّسبة إلى النّيابةِ العامّة، إنّما يَفْتَرِضُ وجودَ هذه الأخيرةِ أو حضورَها أمامَ القاضي النّاظرِ في الدّعوى، لحظةَ إصدارِه قرارَ بَتِّه الدّفوعَ الشّكليّةَ، الأمرُ غيرُ الصّحيحِ إطلاقاً، إذْ لا يُصْدِرُ قاضي التّحقيقِ قرارَه في الدّفوعِ الشّكليّة بحضورِ النّيابةِ العامّة، وهي لا تَعْلَمُ بصدورِه، كما وبمضمونِه، إلّا عندَ إبلاغِها إيّـاه ؛ كذلك فإنّ النّيابةَ العامّةَ لا تَتَمَثَّلُ، إطلاقاً، أمامَ القاضي المنفرد (وَفْقَ ما تنصُّ عليه المادّتان 2/أ و150 أ.م.ج.)، فلا يُمْكِنُ، بالتّالي، اعتبارُها عالمةً بقرارِ بَتِّه الدّفوعَ الشّكليّةَ، إلّا مِن تاريخِ إبلاغِها إيّاه.
وفي مطلقِ الأحوالِ، فإنّ مبدأَ المساواةِ في الأسلحةِ “Le principe de l’égalité des armes” بينَ أطرافِ الدّعوى الجزائيّةِ، والّذي أَمْسَى واحداً مِن أهمِّ أركانِ الدّعوى العادلةِ “Le procès équitable” وتَجَلّياتِها، إنّما يُوجِبُ تَكافؤاً في الأسلحةِ الإجرائيّةِ، كما وتَعادلاً في فُرْصَةِ أو في إمكانيّةِ استعمالِ هذه الأسلحةِ، فلا يَجوز أن تكونَ هذه الفُرْصَةُ مُتاحةً ومُؤمَّنةً، حقيقةً، بالنّسبةِ إلى فريقٍ أو أكثرَ (المدّعي الشّخصيّ والمدّعى عليه تحديداً)، ومُعَطَّلَةً أو مُجَوَّفَةً، في المقابلِ، بالنّسبةِ إلى الفريقِ الآخَرِ (أي النّيابةِ العامّة، هنا)، وذلك مِن خلالِ رَبْطِ بَدْءِ مُهْلَةِ استئنافِها قرارَ بَتِّ الدّفوعِ الشّكليّةِ، بصدورِ هذا الأخيرِ، وليس بتاريخِ تَبَلُّغِها إيّـاه، الأمرُ الّذي تَخُصُّ به، المادّةُ 73، فقط، كلّاً مِن المدّعي الشّخصيّ والمدّعى عليه. لا بَلْ أكثرُ وأبعدُ، حتّى، مِن مبدأ المساواةِ في الأسلحةِ أو في الحقوقِ أو في فُرَصِ استعمالِ هذه الحقوقِ الإجرائيّةِ، فإنّ النيابةَ العامّةَ ليست مُجَرَّدَ خَصْمٍ أو فريقٍ في الدّعوى الجزائيّةِ، وذلك لتَعَلُّقِ خصومتِها بحقِّ المجتمعِ الّذي يَسْـمُو على أيِّ حقٍّ آخَرَ ويَعْلُوه، فلا يُعقل أن يكونَ العامُّ مِن الحقوقِ دونَ الخاصِّ أو الفرديِّ منها!
رابعاً- رُغْمَ حِرْصِه على تحديدِ مُهْلَةِ استئنافِ قرارِ بَتِّ الدّفوعِ الشّكليّةِ بأربعٍ وعشرين ساعةً، لم يُحَدِّدِ النّصُّ الجديدُ أيّةَ مُهْلَةٍ لتمييزِ القرارِ الصّادرِ، استئنافاً، في الدّفوع الشّكليّةِ، إذْ هو لَحَظَ، فقط، أنّ “القرارَ الاستئنافيَّ لا يَقبلُ التّمييزَ إلّا في حالِ الاختلافِ بين المرجِعَيْن الابتدائيّ والاستئنافيّ حولَ قبولِ الدّفوع أو رَدِّها”، وأنّه “على المرجِعِ القضائيّ الاستئنافيِّ أو التّمييزيّ النّاظرِ بالدّفعِ أن يبتَّ به خلال عشرة أيّام كحدٍّ أقصى، تحت طائلةِ اعتبارِه مستنكِفاً عن إحقاق الحقّ”.
هنا، أيضاً، تبدو مُفِيدةً، لا بَلْ ضروريّةً، العودةُ إلى أسباب القانونِ الموجبةِ حيثُ جاء أنّه “(…) يَتِمُّ، تلقائيّاً، استئناف وتمييز قرارات الدّفوع الشّكليّة، مهما كان المرجع الّذي بَتَّ فيها، ممّا يؤدّي إلى زيادة إضافيّة في المماطلة (…)”، ما يَحْمِلُ، بالتّالي، على القولِ إنّ مُهْلَةَ تمييزِ قرارِ بَتِّ الدّفوعِ الشّكليّةِ، الصّادرِ استئنافاً، إنّما يجبُ أن تكونَ، هي ذاتَها، مُهْلَةَ استئنافِه، وذلك انطلاقاً مِن روحيّةِ النّصِّ المَهْجوسةِ بمنعِ المماطلةِ وبمكافحةِ أساليبِها وطرائقِها، الأمرُ المتجسِّدُ بتعيينِ مُهَلٍ قصيرةٍ أو محدودةٍ لتقديمِ الملاحظاتِ على الدّفوعِ الشّكليّةِ المُثارةِ، أو لبتِّ هذه الأخيرةِ، أو لاستئنافِ قرارِ بَتِّها، ما يُحَتِّمُ تفسيرَ هذا النّصِّ بأحكامِه المتتابعةِ، تفسيراً مترابطاً، متناسقاً، متكاملاً، يَسْتَلْهِمُ روحيَّتَه الكامنةَ في أسبابِه الموجبة.
خامساً- في سياقِ تَعدادِه الدّفوعَ الشّكليّةَ، يُلاحَظُ أنّ النّصَّ الجديدَ، ولَئِن اعتمدَ التّرتيبَ نفسَه الواردَ في النّصّ السّابقِ، إلّا أنّه قد أبقى على البندِ الرّابعِ في رقمِه، مِن دونِ مضمونِه، حيثُ جاءَ: “4 – “، ولكنْ مع فراغٍ تامٍّ في هذا البندِ الّذي كان يَنْطَوي، قبلَ التّعديلِ، على الدّفعِ بكونِ الفعلِ المدّعى به لا يؤلّفُ جُرْماً يُعاقِبُ عليه القانون. فهل أراد المشترعُ، هنا، الإبقاءَ على هذا الدّفعِ، أمْ هو تَوَخَّى إلغاءَه؟ وما المقصودُ أو المُرادُ مِن الإبقاءِ على رقمِ البندِ مِن دونِ مُحتواه؟! وفي حالِ انطوى الأمرُ أو اقتصرَ على مُجَرَّدِ خطأ مادّيّ، فمَنْ، يا تُرى، يَكُونُ ذا اختصاصٍ لوصفِ ما حَصَلَ بالخطأ المادّيّ، عملاً بمبدأ المُوازاةِ في الصِّيَغِ، ولتصحيحِ ما تَبِعَه مِن خطأ في أرقامِ البنودِ الّلاحقةِ له؟ وكيف يُصَنَّفُ ذلك كلُّه، مِن حيثُ فَنُّ أو عِلْمُ الصّياغةِ التّشريعيّةِ “La légistique” ؟!
سادساً- ضِمْنَ هذا التّعدادِ عينِه، ومِن خلالِ مُقارَنَتِه بذلك الواردِ في النّصِّ القديمِ، قبلَ تعديلِه، نَلْفِتُ إلى أنّ البندَ “5” من المادّة 73 أ.م.ج.، لم يَسْتَعِدِ الدّفعَ بالتّلازمِ الّذي كان ينصُّ عليه البندُ الخامسُ نفسُه، صراحةً، عِلماً بأنّ الـتّلازمَ يُوازِي أو يُضاهِي سَبْقَ المُلاحَقةِ أو الادّعاءِ أهمّيّـةً نظريّـةً وعمليّـةً، لتَعَلُّقِه، عُضْوِيّـاً، بمبدأ حُسْنِ سَيْرِ العدالةِ “Le principe du bon fonctionnement de la Justice”، وذلك مَنْعاً لصدورِ قراراتٍ وأحكامٍ متعارضةٍ أو متضاربةٍ في قضايا تَنْطَوي على ترابطٍ وتلازمٍ في وقائعِها أو في أشخاصِها أو في ما يَنْطَبِقُ على فعلِ هؤلاءِ مِن تبرئةٍ أو تجريمٍ أو إبطالِ تَعَقُّبات.
مِن هنا، حِرْصُ المشترعِ، في النّصّ السّابقِ، على إيرادِ الدَّفْعَيْن، معاً، ضِمْنَ نصٍّ أو بندٍ واحدٍ، قبلَ تعديلِ هذا الأخيرِ ليُصْبِحَ مُنْطَوِياً، فقط، على الدّفع بسَبْقِ المُلاحَقةِ والحُكْمِ. وإنّ كلَّ تعديلٍ، عموماً، إنّما يجبُ أن يَهْدِفَ إلى تحسينِ النّصِّ وتحصينِه من خلالِ جَعْلِه أكثرَ إحاطةً بالمعطياتِ أو بالإشكاليّاتِ الّتي يريدُ معالجتَها، فإذا بالتّعديلِ، هنا، يُقَلِّصُ النّصَّ ويَنْزَعُ عنه دفعاً ما كان التّشريعُ السّابقُ ليُغْفِلَه أو يُسْقِطَه أو يَتَخَلَّى عنه.
سابعاً – أَكْثَرُ، لا بَلْ أَدْهَى مِن ذلك، فحتّى الدّفعُ بسَبْقِ الملاحقةِ، وبمقتضى هذا التّعديلِ عينِه، إنّما قد أتى مقروناً بسَبْقِ الحُكْمِ، إذْ جاءَ الثّاني معطوفاً، في صياغتِه، على الأوَّلِ، وذلك بموجِبِ حَرْفِ العَطْفِ “و”، حيثُ وَرَدَ البندُ “5” مِن المادّة 73 أ.م.ج.، على النَّحْوِ الآتي: “الدّفع بسَبْقِ المُلاحَقةِ والحُكْمِ”، في حين أنّ سَبْقَ المُلاحقةِ هو دفعٌ قائمٌ بذاتِه، وذلك بمعزِلٍ عن صدورِ حُكْمٍ في القضيّةِ نفسِها. أمّا الدّفعُ بسَبْقِ الحُكْمِ، وعلى فَرْضِ ضرورةِ إيرادِه، فإنّما يَجِبُ أن يَنْدَرِجَ، ضِمْنَ الدّفعِ بقوّةِ القضيّةِ المحكومِ بها، المنصوصِ عليه في البندِ “6” من المادّة عينِها، وذلك متى اكتسبَ هذا الحُكْمُ النّهائيُّ صِفةَ الانبرامِ.
ثامناً- مُتَوَخِّياً رَدْعَ المُتَعَسِّفِ في استعمالِ مؤسَّسةِ الدّفوعِ الشّكليّةِ، كما ومعاقبَتَه، يَلْحَظُ النّصُّ الجديدُ تغريمَ المدّعى عليه الّذي “يَظْهَرُ غيرَ مُحِقٍّ في دفوعِه الشّكليّةِ”، بِما يَتراوحُ بينَ “نصفِ الحدِّ الأدنى الرّسميّ للأجورِ على الأقلّ، وعشرةِ أضعافِه على الأكثرِ”، أيْ بغرامةٍ تَترواحُ قيمتُها، حاليّاً، بين أربعةِ ملايين وخمسمئة ألف ليرة لبنانيّة، في حَدِّها الأدنى، وتسعين مليون ليرة لبنانيّة، في حَدِّها الأقصى. فهل تَتناسبُ هذه العقوبةُ التّغريميّةُ مع تَعَسُّفٍ باتَ، هو، القاعدةَ، لا الاستثناءَ، في مؤسَّسةِ الدّفوعِ الشّكليّةِ، وَفْقَ ما جاء في أسباب القانونِ الموجِبة؟! أَوَ يَرْتَدِعُ المُتَعَسِّفُ، هنا، أو مَـنْ يَنْوِي التَّعَسُّفَ، متى عَلِمَ أنّ ثمنَ مُماطَلتِه وعِقابَ تَعَسُّـفِه هو دونَ الخمسةِ ملايين، في حَدِّه الأدنى، ولا يَتجاوزُ التّسعينَ مليوناً في حَدِّه الأعلى، وذلك بعُمْلَةٍ وطنيّةٍ انْعَدَمَتْ قوّتُها وانْتَفَتْ قيمتُها؟! أَوَ نَكونُ، والحالُ هذه، أمامَ عقوبةٍ تغريميّةٍ، أمْ إزاءَ غرامةٍ تشجيعيّةٍ، في زمنِ البحثِ عَمَّا يُعَزِّزُ المَداخيلَ ويُزَخِّمُ الإيراداتِ؟!
هذي ملاحظاتٌ سريعةٌ اسـتوحيْتُها مِن تعديلٍ طالَ انتظارُه! فهل يَحتاجُ التّعديلُ إلى… تعديل؟!
“محكمة” – الأحد في 2024/2/11
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً على أيّ شخص، طبيعيًا كان أم معنويًا وخصوصًا الإعلامية ودور النشر والمكتبات منها، نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر، مع وجوب ذكر إسم موقع “محكمة” الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، كما يمنع نشر وتصوير أيّ خبر بطريقة الـ”screenshot” وتبادله عبر مواقع التواصل الإجتماعي وتحديدًا منها “الفايسبوك” و”الواتساب”، ما لم يرفق باسم “محكمة” والإشارة إليها كمصدر، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!