أبرز الأخبارمقالات

قرار إلزامية لقاح كورونا صدر.. ولكن!/ محمد شكر

محمّد شكر*:
إنّ التطعيم الإجباري يعني حثّ الجسم على تشكيل مناعة ذاتية ضدّ الأمراض التي قد تصيب الإنسان، والتي صنفت كالآتي: شديدة الخطر، وخطرة، والشديدة الخطر كالسلّ والكزاز، وشلل الأطفال، والجدري، والحميراء، والخناق.
ويعتبر اللقاح ضدّ هذه الأمراض إجباريًا. أمّا الأمراض الخطرة كالتهاب السحايا، والكوليرا، والتيفوئيد، والحمّى الصفراء، فيتمّ تلقيح الطفل ضدّها في حالة الضرورة فقط، أيّ في حال انتشار وبائي في البيئة المحيطة، أو إصابة أحد المقرّبين، أو في حال السفر والإنتقال إلى مناطق قد تكون موبوءة.
يشكّل التطعيم الإجباري ضدّ الأمراض نشاطًا طبّيًا لطالما كان موضوع العديد من التنظيمات الإدارية والقانونية للدول، حيث صدرت في فرنسا، مجموعة من القوانين خاصة بوقاية الأشخاص من الأمراض، أهمّها القانون الصادر في 15 شباط 1902 والمتضمّن حماية الصحّة العامة، والتطعيم بسعة إجبارية عند مرض الجدري حيث يتمّ التطعيم في مراحل ثلاث، عند بلوغ سنة كاملة، إحدى عشر سنة، وإحدى وعشرين سنة، ويسأل الولي أو الوصي عن عدم تنفيذ هذا الإلتزام ويطبّق عليه عندها قانون العقوبات الفرنسي.
اليوم، لا يزال فيروس كورونا منتشرًا حول العالم، بل إنّنا نشهد تفشّيًا لسلالة جديدة منه، وصفت بأنّها الأكثر إثارة للقلق، فهل يمكن فرض اللقاحات بشكل إلزامي كي نكون أمام مخرج من هذه الظاهرة؟
تعدّ اللقاحات أمرًا إلزاميًا بالفعل، وأنّ قرار إلزامية لقاح كورونا قد صدر بالنسبة للعاملين في قطاعات الخدمة العامة في عدد من الدول، فلو كنت طبيبًا في فرنسا، أو مدرّسًا في نيوزيلاند، أو موظّفًا في القطاع الحكومي في كندا، أو حتّى في مصر، ستكون ملزمًا بتلقّي اللقاح لتواصل العمل، أو لن يسمح لك بدخول مكتبك.
كما وأنّه بإمكان الحكومة الإندونيسية رفض تقديم الخدمات للمواطنين الذين رفضوا تلقّي اللقاح، بينما قرّرت اليونان جعل اللقاح إلزاميًا لكلّ من تخطّى الستين من العمر.
لكنّ النمسا تخطّت كلّ ذلك بحيث تخطّط لجعل اللقاح إلزاميًا لكلّ المواطنين بداية من شهر شباط 2022، وهذا لا يعني إجبار النمساويين على تلقّي اللقاح بالقوّة، بل ستكون هناك إستثناءات، لأسباب دينية وعقائدية، وأخرى صحّية، لكنّ الغالبية الباقية ممن لم يتلقّوا اللقاح حتّى الآن سيواجهون غرامات، في حال استمرّوا على موقفهم.
يُشكّل هذا الموضوع مادة جدلية ومناقشات علمية وحكومية معقّدة، خصوصًا أنّها تطال الحرّية الفردية. وتشهد بعض الدول اليوم ومنها فرنسا، بريطانيا وأستراليا تظاهرات شعبية احتجاجًا على إلزامية التطعيم والتدابير الصحيّة الأخرى واعتبارها ضدّ “الحرّية” وهي بمثابة “ديكتاتورية صحيّة”!
فعالميًا هنالك رأي مؤيّد للقاح لكونه يحافظ على الأرواح، وهناك حجّة مؤيّدة مفادها أنّ اللقاحات المضادة لفيروس كورونا تقلّل احتمالات التعرّض لمضاعفات خطرة بسبب الإصابة، وهو ما يعني بدوره، تقليل الضغط على المستشفيات.
بينما الحجّة المعارضة تؤكّد كون لقاح كورونا غير مثبت لفعاليته على المدى البعيد مثل اللقاحات الإلزامية التي تقوم بإجرائها الدول بعد المناكفات التاريخية الطويلة وإظهار فعاليتها بعد سنوات.
وممّا لا شكّ فيه، أنّ للبنان أيضًا حصّته من هذا الجدل، حيث لا يزال يرفض كثيرون اللقاح ولا يؤمنون بجدواه، بل حتّى أنّهم متخوّفون من مضاعفاته.
ومن جهة أخرى، فقد أوضح رئيس اللجنة الوطنية للقاح الدكتور عبد الرحمن البزري لـ”النهار” أنّ “الحديث عن إلزامية التطعيم معيب وغير مقبول في حال لم تتأمّن اللقاحات للجميع. وبالتالي لا يجوز محاسبة غير الملقّحين الذين لم يؤمّن لهم اللقاح لتلقّيه. وهناك حوالى مليون مسجّل في المنصّة ولم يتلقّوا اللقاح بعد، ولا يمكن للدولة محاسبتهم وهي لم تؤمّن الجرعات لهم”.
كما رفض أن يكون “اللقاح إجباريًا وهو قرار إختياري نحترمه، وعوض السعي لإلزامه يجب علينا إقناع الناس بأهمّية التطعيم من منطلق توعوي”.
أمّا بالنسبة لنا، وبما أنّ الرأي المؤيّد للقاح يستند على أن اللقاح يقلّل احتمالات التعرّض لمضاعفات خطرة بسبب الإصابة، بينما الرأي المعارض يستند على أنّ اللقاح لم تثبت فعاليته على المدى البعيد، فمن الممكن للحكومة اللبنانية أن تقوم بدراسة استثناءات عديدة كما فعلت النمسا، واستثناء من تمّت إصابته بالفيروس أيضًا، لا سيّما إذا تبيّن أنّه لم يتعرّض لمضاعفات خطرة ومميتة.
إنّ التلقيح هو حثّ الجسم على تشكيل مناعة ذاتية ضدّ الأمراض التي قد تصيب الإنسان، فما بالك لو أصيب بالمرض ذاته، كما وأنّ لقاح كورونا أو ما يعرف بـ”كوفيد 19″ هو تحفيز الجسم على التصدّي للفيروس البدائي الذي ظهر قبل عامين، وأنّ السلالات الجديدة والمتحوّرات قد تحتاج إلى لقاحات جديدة قد تفرض على البشر من جديد من أجل التصدّي لتلك الأشكال الجديدة التي تظهر.
مصادر ومراجع:

https://www.bbc.com/arabic/interactivity-59871519*
https://www.bbc.com/arabic/world-59540304*
https://www.annahar.com/arabic/section/5-%D8%B5%D8%AD%D8%A9/29072021103842594*

* التجارب الطبّية على الإنسان في ظلّ المسؤولية الجزائية – دراسة مقارنة- إعداد بن عودة سنوسي – جامعة أبو بكر بلقايد تلمسان ص ٤٠.
* ماجستير في القانون الطبّي.
“محكمة” – الجمعة في 2022/1/14

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!