أبرز الأخبارعلم وخبر

“محكمة” تنشر كامل القرار الاتهامي للقاضي نجاة أبو شقرا بحقّ ماريا المعلوف: تطبيع وعمالة/علي الموسوي

كتب علي الموسوي:
لا خلاف على الإطلاق، بحقّ مطلق إنسان في أن يقف على ضفّة المعارضة بدرجاتها النارية العديدة لنهج سياسي معيّن يختلف معه عقائديًا وفكريًا وتطلّعات، لكن ليس من حقّه على الإطلاق أن يقفز إلى ضفّة التعامل مع العدوّ الإسرائيلي الذي يحتل مدنًا وقرى لبنانية وعربية منذ سنوات وسنوات وينتهك كلّ القرارات الدولية من دون محاسبة أو مساءلة ولو شكلية، ولم تردعه إلّا لغة المقاومة سواء داخل فلسطين المحتلة أو في لبنان لتلجم اعتداءاته وقدراته العسكرية المتطوّرة.
ومهما بلغ الإختلاف في وجهات النظر، فإنّه ليس دافعًا لأن يتخلّى الإنسان عن مبادئه ووطنيته ويرمي بنفسه إلى التهلكة في حضن العدوّ الذي يستثمره مؤقّتًا ثمّ يلقي به إلى الإعدام المعنوي على أقلّ تقدير، وهذا ما تشي به كلّ الملفّات التي سبق لأشخاص لبنانيين تحديدًا أن لوحقوا بها وجرّموا بها أمام القضاء العسكري، إذ بمجرّد توقيفهم وقبل صدور الأحكام المبرمة بحقّهم، حتّى كان العدوّ الإسرائيلي بكلّ أجهزته الأمنية والإستخباراتية يتخفّف منهم، لا بل يتبرأ منهم، لأنّهم أصبحوا “ورقة محروقة” فخسروا وطنيًا واجتماعيًا وحياتيًا.
ومن هذا المنطق، يمكن التأكيد بأنّ ما أقدمت عليه الإعلامية ماريا المعلوف المتوارية عن الأنظار، بالظهور على شاشة تلفزيون إسرائيلي وبثّ كلمات ومواقف من شأنها إثارة النعرات المذهبية وإضعاف الشعور القومي، يستحقّ الملاحقة والتجريم وتشديد العقوبة قدر ما يتيح القانون، كونها إعلامية مسؤولة عن أقوالها وليست مجرّد شخص عادي غُرّر به أو دفعته ظروف ما إلى تقديم خدمات معيّنة، ثمّ أنّ للدعاية التي يقدّمها الإعلامي الممتهن مفاعيل كثيرة لدى الرأي العام وتفوق ما يفعله عميل أو جاسوس.

ماريا المعلوف

والأفظع من كلّ ذلك، أنّ فعلة المعلوف تأتي والصراع مع العدوّ الإسرائيلي لم ينته، وللدعاية في زمن الحرب قوّة كبيرة تختلف عمّا تكون عليه في زمن السلم، إذ لا يمكن للإنسان إلّا أن يزن أقواله ويقيسها بميزان الوطنية الصحيحة، لا أن يرمي إلى إثارة النعرات المذهبية وتأليب الشعب ضدّ بعضه بعضًا، أو فتح قنوات ومسارات تهدف إلى تحطيم الشعور القومي، بدلًا من العمل لزيادة رصيده ورفع معنويات الناس الذين هم الحاضن الرئيسي لأيّ مقاومة جدّية وفاعلة.
والتطبيع مع العدوّ والذي هو نوع متطوّر من محاكاة الإنصهار والتوحّد والإستمالة والإستلاب، بلباس من العمالة، يشكّل خطرًا وجوديًا إن لم يجر الإقتصاص منه ووضع حدّ لأيّ ترويج له.
ولا يخفى على أحد أنّ العدوّ يسعى إلى استثمار أيّ ظهور إعلامي للتسويق للتطبيع، لذا فإنّ المعلوف كانت على دراية تامة بفعلتها الجرمية أو على أقلّ تقدير كانت مقتنعة بما أقدمت عليه عن سابق إصرار وترصّد، وهو ما يمكن استنتاجه من وضوح كلامها ومواقفها العدائية تجاه حزب الله، وقد كانت يومًا ما مؤيّدة له وتستضيف مسؤولين فيه وأبناء مسؤولين في برامجها على المحطّات التلفزيونية اللبنانية التي عملت فيها وفتحت لها طريق الظهور على الرأي العام.
واعتبرت قاضي التحقيق العسكري نجاة أبو شقرا في قرارها الذي حمل الرقم 2022/84، أنّ كلام المعلوف وإن قيل خارج الأراضي اللبنانية ومن منبر إعلام إسرائيلي تحريضي، إلّا أنّ مفعوله بما فيه من نيّة مقصودة لإضعاف الشعور القومي، وصل إلى لبنان وقد يرتّب نتائج معيّنة، فضلًا عن أنّ تلقي الدعوة لإضعاف الشعور القومي حصل في لبنان نتيجة التطوّر الهائل لوسائل التواصل والإتصالات حيث تحوّل العالم بأسره إلى “قرية صغيرة”، ولم يعد من المجدي القول إنّ أحدًا لم يسمع به، وبالتالي لا يوجد له تأثير كبير!
وخلصت القاضي أبو شقرا إلى اتهام المعلوف بمخالفة قانون مقاطعة إسرائيل وبإثارة النعرات المذهبية وإضعاف الشعور القومي، وتصل العقوبة مجتمعة إلى الأشغال الشاقة، وأحالتها على المحاكمة أمام المحكمة العسكرية الدائمة.
“محكمة” تنشر كامل القرار الاتهامي للقاضي أبو شقرا بحقّ ماريا المعلوف على الشكل التالي:
نحن، نجاة أبو شقرا، قاضي التحقيق لدى المحكمة العسكرية،
لدى التدقيق،
وبعد الاطلاع على ورقة الطلب رقم 2021/17908، تاريخ 2021/11/29 ومرفقاتها،
وعلى مطالعة حضرة مفوض الحكومة المعاون تاريخ 2022/2/7،
وعلى الأوراق كافة،
تبيّن أنّه أسند إلى المدعى عليهما:
١ـ ماريا هاني العموري المعلوف، والدتها منى، مواليد ١٩٧٤، لبنانية رقم سجّلها ٥٤/ سيّدة النجاة، (أوقفت غيابيًا بتاريخ 2022/2/2 ولا تزال متوارية)،
٢ـ كلّ من يظهره التحقيق،
بأنّها، خارج الأراضي اللبنانية، خلال العام ٢٠٢١، أقدمت على مخالفة قانون مقاطعة إسرائيل بإجراء مقابلة تلفزيونية مع أحد الإسرائيليين على إحدى القنوات التلفزيونية التابعة للعدوّ، كما أقدمت على إضعاف الشعور القومي وإيقاظ النعرات المذهبية من خلال تصاريحها في المقابلة المذكورة،
الجرم المنصوص عنه في المادة الأولى معطوفة على المادة السابعة من قانون مقاطعة اسرائيل والمادة /٢٩٥/ عقوبات،
وأنه بنتيجة التحقيق تبين ما يلي،
أوّلاً: في الوقائع:
أنّه بتاريخ 2021/11/4 أجرت المدعى عليها ماريا المعلوف مقابلة مع الصحافي “الإسرائيلي” روي قيس على شاشة محطّة تلفزيونية تابعة للعدوّ الإسرائيلي هي قناة “كان ١١” العبرية، وقد أوردت في كلامها بأنّها لا تعتبر إجراءها لهذه المقابلة عمالة وإنّما انفتاح، لأنّ “إسرائيل” لم تعد عدوّة للبنان، وأنّ حزب الله الذي أسمته “حزب إيران في لبنان” وأمينه العام السيّد حسن نصر الله اختطفا لبنان ويريدان إرجاعه إلى العصر الحجري، وأنّها واجهت نصر الله ونعتته بأنّه مجرم وقاتل، لقتله أطفال سوريا وأطفال العراق وأطفال اليمن، وحمّلته مسؤولية انفجار مرفأ بيروت، ولامته على ما اعتبرته تهديدًا صدر عن المذكور للسعودية، وأضافت بأنّ حاجز الخوف انكسر لديها، بعد أن كُسِرت شوكة حزب الله في لبنان، وأنّها تركت لبنان لأنّ البلد بأسره تحت التهديد، وأنّها قد تخضع للمحاكمة في لبنان إن هي كتبت رأيها، وأنّ سلاحها هو القلم، وأنّ قلمها أقوى من الرصاص، وأنّها تعرّفت إلى يهود أميركا ووجدتهم محبّين للآخرين، في حين أنّ الفلسطينيين يسعون دومًا لأخذ الأموال من العرب، وأنّ اتفاقيات السلام ستطال لبنان يومًا، ويمكنها عندها العودة إليه، لتكون “إسرائيل” حينها الداعم الأكبر للاقتصاد اللبناني، وتمّنت التخلّص من سلاح حزب الله، وختمت معلنة عن رغبتها بزيارة “إسرائيل” وبأنّها تتمنّى زيارة كنيسة بيت لحم والمسجد الأقصى،
وقد تبيّن بحسب حركة دخول وخروج المدعى عليها أنّها سجّلت حركة خروج بتاريخ 2017/3/9 متجهة نحو دبي، ولم تسجّل بعدها أيّ حركة دخول إلى لبنان،
وقد صدرت بحقّها مذكّرة توقيف غيابية،
ثانيًا: في الأدلة:
تأيّدت هذه الوقائع:
ـ بالادعاء والتحقيقات الأولية والاستنطاقية،
ـ بالقرص المدمج،
ـ بمجمل الأوراق،
ثالثًا: في القانون:
حيث إنّ الوقائع المساقة أعلاه وبالأدلّة المؤيّدة لها، أظهرت أنّ المدعى عليها ماريا هاني العموري المعلوف أقدمت على إجراء مقابلة مع تلفزيون تابع للعدوّ، وأساءت خلال هذه المقابلة إلى حزب فاعل في لبنان يمثّل خطّ مقاومته ضدّ هذا العدوّ، أيّ حزب الله، فحمّلته مسؤولية دماء أطفال العرب ودماء اللبنانيين، كما أساءت إلى الشعب الفلسطيني، وهي اعتبرت أنّ الكيان المسمّى “إسرائيل” لم يعد عدّوًا للبنان، ودعت للسلام معه، رغم الاعتداءات شبه المستمرّة من قبله على لبنان،
وحيث إنّ فعلها هذا يقع من ناحية أولى تحت طائلة قانون مقاطعة إسرائيل، قانون صادر في 1955/6/23، الذي ينصّ في مادته الأولى، وتحديدًا الفقرة الأولى منها، على أنّه: “يحظّر على كلّ شخص طبيعي أو معنوي أن يعقد بالذات أو بالواسطة اتفاقًا مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسيتهم أو يعلمون لحسابها أو لمصلحتها وذلك متى كان موضوع الاتفاق صفقات تجارية أو عمليات مالية أو أيّ تعامل آخر أيًا كانت طبيعته.”،
وحيث إنّ المادة /٧/ من هذا القانون حدّدت عقوبة مخالفة أحكام المادة الأولى من هذا القانون، فجعلتها الأشغال الشاقة المؤقتة من ثلاث إلى عشر سنوات، والغرامة، وجعلت لها عقوبة إضافية هي عقوبة المنع من مزاولة العمل،
وحيث يقتضي بالتالي اتهام المدعى عليها ماريا المعلوف بموجب المادة 7/1 من قانون مقاطعة إسرائيل،
وحيث من ناحية ثانية، فإنّ فعل المدعى عليها المعلوف يوقظ النعرات الطائفية والمذهبية بين أبناء وطننا ويضعف شعورهم القومي تجاه هذا الوطن،
وحيث إنّ لبنان يعدّ في حالة حرب مع الكيان المسمّى بإسرائيل،
وحيث إنّه يفهم بعبارة “الحرب” متى جاءت مطلقة من أيّ وصف يقيّدها (كوصفها بالأهلية أو الباردة)، بأنّها النزاع المسلّح الدولي، وهو النزاع الذي يحصل بين دولتين في الحال، أو دولة في الحال وأخرى في المآل، فينظّم القانون الدولي العام إطار هذا النزاع ويحدّد آثاره ويرعى حقوق الآخرين تجاه المحاربين وتحديدًا اتفاقيات لاهاي عام ١٩٠٧ واتفاقيات جنيف الأربعة عام ١٩٤٩، فتبدأ الحرب بنيّة ثمّ إرادة شنّ الحرب لدى أحد طرفيها أو كليهما، وقد يعبر عن هذه الإرادة صراحة بما يسمّى “إعلان الحرب” أو ضمنًا عبر مباشرة أعمال القتال على نطاق واسع ممّا لا يدع مجالًا للشكّ باتجاه إرادة القائم بهذه الأعمال القتالية إلى بدء الحرب بمعناها القانوني الدقيق، وتنتهي الحرب بتصرّف قانوني يدلّ عن ذلك صراحة، كالإستسلام أو إبرام معاهدات السلام، لكنّها لا تنتهي بوقف العمليات القتالية فقط ولا بإعلان الهدنة الذي يرمي إلى وقف أعمال الحرب لكنّه لا ينهيها وهو لا يحلّ السلام بين الدولتين المتحاربتين ولا يعيد إحياء العلاقات الدبلوماسية بينهما ولا ينشئها إن كانت مفقودة أصلًا،
وحيث إنّ اتفاق الهدنة بين لبنان والكيان المسمّى “إسرائيل” لم ينه حالة الحرب بينهما والتي لا تزال قائمة حتى تاريخه، [محمد سامي عبد الحميد، قانون الحرب، دار المطبوعات الجامعية، الاسكندرية- مصر، طبعة ٢٠٠٤، وانـظر، قرار محكمة التمييز الجزائية، الغرفة السادسة، رقم 94/184، تاريخ 1994/10/6:”إنّ اسرائيل ومنذ نشأتها في العام ١٩٤٨ هي بحالة حرب مع لبنان”، منشور في كساندر الإلكتروني (قضاء عسكري) على الرابط التالي: https://www.idrel.com/login] وحيث إنّ فعل المدعى عليها المعلوف من شأنه أيضًا أن يوقظ النعرات العنصرية بين اللبنانيين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان،
وحيث تنص المادة /٢٩٥/ عقوبات على أنّه:”من قام في لبنان في زمن الحرب أو عند توقّع نشوبها بدعاية ترمي إلى إضعاف الشعور القومي إو إلى إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية عوقب بالاعتقال المؤقت.”،
وحيث إنّ اشتراط وقوع الفعل في لبنان لا يمنع من تطبيق هذا النصّ، إذ إنّه مع اعتماد الإعلام عبر المنصّات الإلكترونية أيّ من خلال شبكة الإنترنت التي باتت موجودة في العالم بأسره، فإنّ الفعل يعدّ واقعًا في لبنان وإن صدرت الدعوة لإضعاف الشعور القومي وإيقاظ النعرات العنصرية والطائفية من بلد آخر ما دام تلقّي هذه الدعوة قد حصل في لبنان، أيّ أنّ النتيجة تحقّقت في لبنان أو كان متوقّعًا حصولها فيه، سندًا للمادة /١٥/ من قانون العقوبات، التي تنصّ على أنّه:”تطبّق الشريعة اللبنانية على جميع الجرائم المقترفة في الأرض اللبنانية. تعدّ الجريمة مقترفة في الأرض اللبنانية: ١- إذا تمّ على هذه الأرض أحد العناصر التي تؤلّف الجريمة، أو فعل من أفعال جريمة غير متجزئة أو فعل اشتراك أصلي أو فرعي. ٢- إذا حصلت النتيجة في هذه الأرض أو كان متوقّعًا حصولها فيها.”،
[جميل عبد الباقي الصغير، الجوانب الإجرائية للجرائم المتعلقة بالإنترنت، دار النهضة العربية، القاهرة- مصر، ٢٠٠٢، ص ٤٣.] [أنظر، قرار محكمة التمييز الجزائية اللبنانية، الغرفة الثالثة، رقم 2018/252، تاريخ 2018/7/12، وقرار الغرفة التاسعة، قرار رقم 2018/9، تاريخ 2018/2/22، اللذين قضيا بأنّ ارتكاب الجرم عبر شبكة الإنترنت يجعله واقعًا في لبنان، منشورين في كساندر الإلكتروني (انترنت) على الرابط التالي: https://www.idrel.com/login،
وحيث يقتضي بالتالي اتهام المدعى عليها المعلوف بموجب المادة /٢٩٥/ عقوبات،
لذلك
نقرّر وفقًا للمطالعة،
أوّلاً: اتهام المدعى عليها ماريا هاني العموري المعلوف بموجب المادة 7/1 من قانون مقاطعة إسرائيل والمادة /٢٩٥/ عقوبات، وإصدار مذكّرة إلقاء قبض بحقّها.
ثانياً: إيجاب محاكمتها أمام المحكمة العسكرية الدائمة في بيروت وتكبيدها النفقات القانونية كافة.
ثالثًا: إحالة الأوراق جانب النيابة العامة العسكرية لإيداعها المرجع الصالح.
قراراً صدر في بيروت بتاريخ 2022/4/27.
“محكمة” – الخميس في 2022/4/28

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!