أبرز الأخبارمقالات

مخالفات في رأي” التشريع والإستشارات” بشأن عدم إلزامية توقيع وزير المالية مرسوم أقدمية الضبّاط/ ضياء الدين زيبارة

المحامي ضياء الدين محمّد زيبارة:
بتاريخ 22\12\2017 أحال معالي وزير العدل إلى جانب هيئة التشريع والإستشارات كتاباً موضوعه “طلب إبداء الرأي”، عرض فيه الوزير على الهيئة نصّ المادة 47 من قانون الدفاع الوطني، وطلب إبداء الرأي حول وجوب توقيع وزير المالية على مشروع المرسوم المشار إليه في هذه المادة واعتبار هذا التوقيع معاملة جوهرية.
وتبيّن أنّ هيئة التشريع والإستشارات أبدت رأيها بموجب الإستشارة رقم 24\2018 بما خلاصته أنّ توقيع وزير المال ليس ملزماً في مرسوم الأقدمية.
لدى مراجعة طلب الرأي والإستشارة، تبيّن أنّه يعتورهما خلل فاضح في الشكل، فضلاً عن الأساس نعرض له كما يلي:
أوّلاً:”سرّي وعاجل”: أوّل ما يلفت في طلب إبداء الرأي المحال من وزير العدل عبارة “سرّي وعاجل”، وهي مخالفة أولى لأبسط القواعد التي يقوم عليها عمل القضاء بشكل عام وعمل الهيئة بشكل خاص.
ماذا تعني السرّية في المراسلات؟
عرّف الدكتور محمود نجيب حسني سرّية المراسلات “أنّها واقعة ينحصر نطاق العلم بها في عدد محدود من الأشخاص إذا كانت ثمّة مصلحة يعترف بها القانون لشخص أو أكثر في أن يظلّ العلم بها محصوراً في ذلك النطاق”.
وأوردت الدكتورة فوزية عبد الستّار بأنّ “الواقعة تعدّ سرّاً إذا كانت هناك مصلحة معترف بها في القانون في حصر العلم بها في شخص أو أشخاص محدودين”.
وبالعودة إلى النصوص الخاصة بأصول طلب الإستشارة، يتبيّن أنّ قانون تنظيم وزارة العدل(مرسوم اشتراعي رقم 151 – صادر في 16/9/1983) حدّد أصول تقديم طلب إبداء الرأي وآلية سير المعاملة وصولاً إلى الإستشارة، وليس في هذه المواد إمكانية طلب إستشارة “سرّية” أو وجوب تحديد نطاق العلم بها بأشخاص محدّدين.
وعلى سبيل الإستطراد لهذه الجهة، إذا كان لطلب الإستشارة الطابع السرّي، فلماذا أفشيت في الإعلام؟ وقبل العلم بها من السلطات الدستورية والوزارات المعنية!
ثانياً: الوزير المختص بإحالة طلب إبداء الرأي: نصّت المادة 8 من قانون تنظيم وزارة العدل المشار إليه:
“1- تتولّى هيئة التشريع والإستشارات بناء على طلب الإدارات المختصة:
أ- إعداد وصياغة مشاريع القوانين..
ب- إبداء الرأي في مشاريع القوانين والمراسيم الإشتراعية والمراسيم والقرارات التنظيمية والتعاميم و…”.
ونصّت المادة 9 منه: “تتولّى هيئة التشريع والإستشارات أيضاً بناء على طلب من الوزير المختص:
1- تفسير النصوص القانونية… “.
ونصّت المادة 47 من قانون الدفاع الوطني (موضوع طلب إبداء الرأي) “منح الأقدمية للترقية:
1- يمكن منح الضابط أقدمية للترقية تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنتين تقديراً لأعمال باهرة قام بها خلال عمليات حربية أو عمليات حفظ الأمن أو اشتباك مسلّح في الداخل.
2- تمنح الأقدمية للترقية بموجب مرسوم بناء على اقتراح وزير الدفاع الوطني المبني على إنهاء قائد الجيش وموافقة المجلس العسكري”.
ونصّت المادة 54 من الدستور اللبناني”مقرّرات رئيس الجمهورية يجب أن يشترك معه في التوقيع عليها رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصون …”.
وعليه حصرت المادتان 8 و 9 من قانون تنظيم وزارة العدل إمكانية تقديم طلب إبداء الرأي حول عمل قانوني بالوزير المختص أو الإدارة المختصة بهذا العمل، وثابت أنّ الوزير المختص في هذا المجال هو وزير الدفاع أو وزير المالية حصراً، وإنْ كان ثمّة نقاش غير دستوري وغير قانوني لناحية اعتبار توقيع وزير المال ليس ملزماً، إنّما يبقى من الثابت بشكل قاطع أن لا علاقة لوزير العدل بهذه المسألة ولا يحقّ له طلب إبداء الرأي حولها، وكان من الواجب أن يردّ طلبه شكلاً قبل البحث فيه.
ثالثاً: مخالفة الأصول الواجب اتباعها وعدم إحالة طلب الرأي بواسطة المدير العام للوزارة: يتبيّن من خلال الإطلاع على طلب إبداء الرأي والإستشارة أنّ الطلب أحيل من قبل وزير العدل إلى رئيس هيئة التشريع والاستشارات بتاريخ 22\12\2017 حيث سجّل في قلم الهيئة بتاريخ 26\12\2017 ثمّ أعيدت المعاملة مرفقة بالإستشارة إلى الوزير بعد صدورها بتاريخ 3\1\2018 ، دون أن يتبيّن إيداع الطلب المديرية العامة لوزارة العدل وتسجيله في الديوان.
ومن المفيد في هذا المقام أن نعرض للقرار رقم 2/1 – الصادر في 17/1/1980عن وزير العدل آنذاك يوسف جبران. (شغل بتاريخ سابق، منصب رئيس مجلس القضاء الأعلى وله عدّة كتب حقوقية تدرّس في الجامعات) حدّد هذا القرار الصادر بعد استشارة مجلس شورى الدولة “الأصول الواجب اتباعها لدى استشارة وزارة العدل”، فنصّ على ما يلي:”المادة 1- يودع طلب الرأي المديرية العامة لوزارة العدل ويسجّل في الديوان، ومن ثمّ يحال إلى هيئة التشريع والاستشارات ويسجّل في القلم.
المادة 2- يحيل رئيس قلم هيئة التشريع والإستشارات فوراً إلى الديوان كلّ طلب رأي يرد الهيئة خلافاً للمادة السابقة”.
وعليه كان يقتضي على رئيس قلم الهيئة أن يعيد الطلب إلى الديوان لمخالفته الأصول الواجب اتباعها تبعاً لعدم إيداع الطلب المديرية العامة لوزارة العدل.
مع الإشارة إلى أنّ صلاحية مدير عام وزارة العدل المنصوص عليها في مجال طلب إبداء الرأي والإستشارة، بقيت ذاتها بين المرسوم رقم 15704 \ 64 (قانون تنظيم وزارة العدل القديم) والقانون الجديد المعمول به حالياً.
رابعاً: لا يحقّ للهيئة تفسير النصّ الدستوري: إنّ إبداء الرأي في نصّ المادة 47 من قانون الدفاع الوطني يحتّم الرجوع إلى النصوص الدستورية لا سيّما المادة 54 من الدستور، وهذا ما فعلته الهيئة حيث أوردت ما حرفيته “أوّلاً في الدستور: حيث إنّ المادة 54 فقرة أولى تنصّ على أنّ اللبناني” مقرّرات رئيس الجمهورية يجب أن يشترك معه في التوقيع عليها رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصون … وحيث إنّ الفقرة الثانية من المادة66 …”.
ففي هذا المجال، أيّ في معرض التفسير، من المستقرّ عليه التمييز بين الدستور والقانون، وبالتالي بين النصّ الدستوري والنصوص القانونية، ففي حين يحقّ للقاضي أن يفسّر النصوص القانونية لا يحقّ له – وبالتالي لهيئة التشريع والإستشارات – تفسير النصّ الدستوري، ومن المسلّم به أنّ المجلس النيابي هو صاحب الحقّ بتفسير الدستور.
وعندما طرحت المادة 19 من الدستور للنقاش في الطائف لجهة إعطاء هذا الحقّ أيضاً للمجلس الدستوري، أقرّ المجلس اقتراح “الشطب” بالإجماع وبقيت صلاحية تفسير الدستور منصوصاً عليها للمجلس النيابي حصراً.
وفي هذا الصدد، من المفيد أن نعود إلى المداولات التي حصلت خلال إقرار وثيقة الوفاق الوطني، والتي كانت قد أوردتها جريدة “السفير” في مقال تحت عنوان – من يفسّر الدستور – للكاتب أحمد زين – ٢٤\١٢\٢٠١٦ جاء فيها: “قال رئيس حزب الكتائب الوزير الأسبق الدكتور جورج سعادة (إنّ إعطاء المجلس الدستوري صلاحية تفسير الدستور أمر خطير جدّاً، لأنّ التفسير يعود لمجلس النوّاب حصراً…) وأيّد الرئيس رشيد الصلح النائب سعادة، وقال النائب بطرس حرب بعد أن تبنّى ما قاله(بعد مراجعتنا فإنّه في الجمهورية الرابعة والجمهورية الخامسة في فرنسا تنحصر صلاحيات المجلس الدستوري بمراقبة دستورية القوانين)، وأيّد النائب نصري معلوف ما قاله سعادة أيضاً، وقال النائب خاتشيك بابكيان(إنّ المجلس الدستوري يطبّق الدستور عندما يراقب وله أن يفسّر الدستور عند مراقبته دستورية القوانين ولكنّ القول بتعبير على حده أنّ له حقّ تفسير الدستور، فهذا يتجاوز حقّ المجلس الدستوري وصلاحياته، وأعتقد أنّ شطب هذه العبارة يفي بالمراد ولا يمنع المجلس الدستوري من أن يفسّر أثناء مراقبته دستورية القوانين وليس على حده) وأقرّ المجلس اقتراح الشطب بالإجماع”.
وعليه كان على الهيئة أيضاً، أن تردّ طلب إبداء الرأي لعدم صلاحيتها في تفسير النصّ الدستوري.
خامساً: في عدم جواز الإستناد بشكل كلّي على قرار صادر عن جهة قضائية أخرى: يتبيّن من خلال الإستشارة أنّ الهيئة تبّنت في رأيها حرفية ما ورد في قرار مجلس شورى الدولة – مجلس القضايا – قرار رقم 22 \ 91- 92 تاريخ 16\12\1991.
إنّ هيئة التشريع والإستشارات هي هيئة مستقلّة في عملها القانوني والفقهي لناحية تفسير النصوص القانونية وإبداء رأيها في تلك النصوص، فعلى الهيئة عند تفسير نصّ قانوني أن تستنبط رأيها هي في تفسير هذا النصّ لا أن تستند إلى قرارات صادرة عن جهات قضائية أخرى، فالمطلوب بموجب طلب الإستشارة رأي الهيئة، وليس رأي مرجع قضائي آخر، حتّى أنّه من غير المستحبّ أن تستأنس بقرار ما، فكيف الحال في تبني قرار بكلّه وكلّيته؟.
خاتمة:
• ختاماً نشير إلى أنّ رأي هيئة التشريع والإستشارات غير ملزم للإدارة، وهذا ثابت من خلال نصّ المادة 14 من قانون تنظيم وزارة العدل، وأيضاً من خلال الإجتهاد فورد ” حيث إنّ مخالفة استشارة وزارة العدل لا يعدّ، بأيّ حال، مخالفة لقاعدة قانونية، فيردّ السبب لعدم قانونيته”.محكمة التمييز – الثالثة – حكم رقم 28/2012 – تاريخ 26/1/2012، الرئيس سهير الحركة – المستشاران فايز مطر وغسّان فوّاز.
ونشير أيضاً إلى أنّه سبق للهيئة وأن أعطت آراء متناقضة حول المسألة عينها، نورد على سبيل المثال أنّه في الإستشارة رقم 999 \ 2013 تاريخ 16\12\2013 بناء على طلب وزير المالية يتعلّق بقانونية أو عدم قانونية إعفاء الطوائف الإسلامية من الضريبة على القيمة المضافة، أوردت الهيئة في متن الإستشارة ما حرفيته “وحيث إنّه تجدر الإشارة بادئ ذي بدء، إلى أنّ الطوائف اللبنانية ليست من أشخاص الحقّ العام…” رغم أنّ طلب إبداء الرأي يتعلّق بطلب مقدّم من الطوائف الإسلامية التي هي جزء من تنظيمات الدولة وتتمتّع بسلطتها العامة في كلّ ما يتعلّق بالأوقاف والشؤون الدينية والأحوال الشخصية، وهذا ما عادت وأكّدت عليه الهيئة نفسها في الإستشارة رقم 663 \ 2015 تاريخ 24\8\2015 حيث أوردت ما حرفيته “إنّ دوائر الأوقاف الإسلامية تعتبر من الإدارات العامة …”.
• وأخيراً نعيد التأكيد على ما ورد في مقالنا السابق تحت عنوان “قراءة قانونية في عدم قانونية منح الأقدمية بمرسوم” ونشير إلى أنّه فضلاً عن عدم دستورية المرسوم لعدم توقيع وزير المال عليه، فهو باطل للأساب القانونية التالية:
1- منح حوالي 190 ضابطاً أقدمية سنة عن فترة كانوا فيها خارج المدرسة الحربية أيّ “تلامذة ضبّاط مع وقف التنفيذ”.
2- وعن فترة تعود لحوالي ثمانية عشر عاماً رغم المبدأ المستقرّ عليه قانوناً واجتهاداً بسقوط حقوق العسكريين والموظّفين بمرور الزمن (إذا سلّمنا أنّ لهم حقاً بالأقدمية).
3- عدم بيان سبب منحهم الأقدمية وعدم توفّر أيّ من أسباب منح الأقدمية المنصوص عليها في 47 من قانون الدفاع الوطني.
“محكمة” – الثلاثاء في 2018/01/23

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!