مقالات

أمريكا بعد 3 تشرين الثاني: عندما أسقط الناخب منطق الحرب…ولبنان من أول المستفيدين/عماد جعارة

المحامي عماد مارسيل جعارة:
لم تكن انتخابات 3 تشرين الثاني 2026 انتخابات نصفية عادية. ما حصل في أمريكا ليل الثلاثاء – الأربعاء لم يكن مجرد تبدّل في أرقام الكونغرس، بل كان انقلاباً هادئاً في منطق الحكم.
الديمقراطيون لم يربحوا مجلس النواب فقط، بل ربحوا مجلس الشيوخ أيضاً، وبأغلبية هي الأكبر في النواب منذ عام 1990. والأهم من الأرقام، هو الجغرافيا: تكساس، كانساس، ساوث كارولينا، آيوا، أوهايو، مين. هذه ليست ولايات زرقاء، هذه هي قلب أمريكا المحافظة. عندما تسقط هذه الولايات من يد الحزب الحاكم، فهذا يعني أن الناخب لم يصوّت عقائدياً، بل صوّت معيشياً.
الناخب الأمريكي لم يقل “نحن ديمقراطيون”، بل قال “نحن متعبون”. متعبون من الغلاء، من التعرفة الجمركية، من كلفة الحرب، ومن شعوره بأن البيت الأبيض يخوض حروبه وحده ويدفع هو الفاتورة.
في الداخل: عودة التوازن الدستوري
قانونياً، ما حصل هو عودة لجوهر النظام الأمريكي: Checks and Balances.
في السنتين الماضيتين، كان الرئيس يحكم بثلاثية: البيت الأبيض والشيوخ والنواب. اليوم انتهت هذه الثلاثية. مجلس النواب الجديد، برئاسة متوقعة للسيد لهاكيم جيفريز، يملك الآن سلاحين لا يملكهما الرئيس:
الأول: سلطة التحقيق والاستدعاء. أي لجان تحقيق علنية في ملفات الحرب والإنفاق والعقود.
الثاني: سلطة المحفظة. فلا ميزانية حرب ولا تمويل استثنائي بدون توقيع المجلس.
هذا يعني أن التشريع سيتحول من فرض إلى تفاوض، وأن أي تعيين قضائي فيدرالي جديد سيمرّ عبر غربال ديمقراطي. والقاضي، كما نعلم، يبقى ثلاثين سنة، والرئيس يبقى أربع سنوات.
باختصار، انتهى زمن الحكم منفرداً.
إيران: نهاية الحرب المفتوحة
كانت الحرب على إيران العامل الثاني بعد الغلاء في هزيمة الجمهوريين. تحليلي هو أن الناخب سأل سؤالاً بسيطاً ومنطقياً: لماذا ندفع وقوداً أغلى وحرباً بعيدة بينما مدارسنا ومستشفياتنا تنهار؟
النتيجة الحتمية: الكونغرس الجديد لن يموّل حرباً مفتوحة بلا سقف وبلا مخرج. بالرغم من أن الرئيس يبقى قانوناً القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنه لم يعد يستطيع تمويل حرب طويلة بدون الكونغرس. هذا هو الدرس الدستوري الذي يجب أن نتذكره.
الاحتمال الأرجح ليس الحب لإيران، بل الضغط نحو تجميد التصعيد وفرض طاولة تفاوض، لأن الكونغرس لن يوقّع شيكاً على بياض للرئيس ترامب او لأي حرب أخرى.
لبنان: هامش جديد للمناورة
لبنان سيكون أول المستفيدين، لسبب بسيط: عندما يضعف التيار الذي يدفع نحو مواجهة عسكرية شاملة في المنطقة، يرتفع هامش المناورة الدبلوماسية في بيروت.
لبنان لم يعد مضطراً للاختيار بين الحرب والاستسلام. يستطيع العودة إلى لغة القرار 1701، والتفاوض، وبناء الدولة.
لكن حذار: الديمقراطيون يربطون المساعدات بالإصلاحات: جيش قوي، قضاء مستقل، شفافية مالية. وهذا قد يبدو قاسياً، لكنه قانونياً وأخلاقياً أفضل للبنان من مساعدات أمنية غير مشروطة كانت تذهب للحرب فقط.
الخطر الوحيد: أن يتحول لبنان إلى ورقة مساومة بين البيت الأبيض والكونغرس إذا تعطّلت الميزانية الأمريكية بسبب الخلاف الداخلي.
سوريا: المستفيد الصامت
أعتقد أن سوريا قد تشهد انفراجاً نسبياً في 2027. الكونغرس الجديد أكثر ميلاً إلى رفع العقوبات جزئياً مقابل إصلاحات، ودعم إعادة الإعمار عبر الأمم المتحدة بدلاً من منطق الوجود العسكري.
إذا أحسنت دمشق قراءة اللحظة ولم تراهن على طرف أمريكي واحد، فقد تفتح لها نافذة لم تكن موجودة منذ سنوات.
*إسرائيل: مثل العادة ستبقى الابنة المدبلجة وسيبقى الدعم مستمرًا ولكن سيكون مشروطًا
يعني هنا المعادلة معكوسة. إسرائيل كانت تعتمد على دعم جمهوري شبه مطلق وغير مشروط. هذا الدعم سيبقى قوياً، لأن إسرائيل ليست محل خلاف أمريكي، لكنه سيصبح مشروطاً ومساءلاً.
لن يقطع الكونغرس الدعم، لكنه سيضع له سقفاً قانونياً وسياسياً: أسئلة عن المدنيين، عن المساعدات، عن خطة اليوم التالي. وضغط أكبر نحو حل سياسي، لأن الديمقراطيين يريدون إنهاء الحروب لا إدارتها.
طيب ما هي اذا الخلاصة ؟
الانتخابات لم تغيّر أمريكا، بل كشفتها. الناخب قال ثلاث جمل بمنطق بسيط يفهمه أي مواطن في بيروت أو دمشق أو طهران:
لا يريد الشعب الامريكي أن يدفع ثمن حروب لا يفهم او يعرف نهايتها.
لا نريد رئيساً يحكم وحده بدون كونغرس.
نريد أن نعيش بكرامة قبل أن نحرر العالم.
ومن يفهم هذا المنطق في منطقتنا، سيفهم أن السنوات القادمة لن تكون سنوات حرب شاملة، بل سنوات مساومة وتحقيق وتوازن قوى.
وهذا، في منطقة مثل منطقتنا، قد يكون ربما أصعب من الحرب، لكنه بالتأكيد أكثر عدلاً.
“محكمة” – الاربعاء في 2026/11/4

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!