الحلقات التلفزيونية السياسية في لبنان: بين حرية التعبير والاتهام الجزافي/أنطونيو الهاشم

أنطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقًا):
في السنوات الأخيرة، أصبحت البرامج السياسية التلفزيونية في لبنان منبرًا مفتوحًا للنقاش والجدل، وأحيانًا للاتهامات غير الموثقة. ومع أنّ حرّية التعبير هي من أبرز مكتسبات النظام الديمقراطي، فإنّ ما يُمارس على بعض الشاشات يتجاوز حدود النقد البنّاء ليتحوّل إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية، وتشويه السمعة، والاتهام دون أدلة أو مسؤولية.
ما يُثير القلق هو أنّ بعض مقدّمي هذه البرامج لا يترددون في إطلاق التهم على الهواء مباشرة، مستغلين الشاشة وسعة الانتشار لبثّ أفكارهم وتوجيه سهامهم نحو شخصيات سياسية أو عامة دون حسيب أو رقيب. والأخطر أنّ هذه الاتهامات قد تكون مبنية على إشاعات أو اجتهادات شخصية، أو حتّى معلومات مجتزأة، لكنّها تصل إلى المشاهد كـ”حقائق”، مما يترك أثرًا بالغًا على الرأي العام وعلى سمعة من يُستهدف بها.
في بلد مثل لبنان، حيث الانقسام السياسي والطائفي عميق، يصبح للإعلام دور مضاعف في توجيه الخطاب العام. من هنا، فإنّ المسؤولية الأخلاقية والمهنية تفرض على الإعلاميين ومعدّي البرامج أن يتحرّوا الدقّة، وأن يلتزموا بميثاق الشرف الإعلامي. فحرية الإعلام لا تعني حرية الإيذاء، ولا تعني إطلاق الاتهامات جزافًا.
المؤسف أنّ الرقابة على هذا النوع من المحتوى غالبًا ما تكون ضعيفة، أو خاضعة للحسابات السياسية، ما يكرّس مناخ الإفلات من العقاب. وهنا يُطرح السؤال الجوهري: أين دور المجلس الوطني للإعلام؟ بل وأين دور القضاء في وضع حدّ لهذه التجاوزات؟
من واجب الجميع – من مؤسسات إعلامية، إلى هيئات رقابية، إلى الرأي العام نفسه – الوقوف في وجه هذه الممارسات. ليس دفاعًا عن شخص أو فئة، بل دفاعًا عن مبدأ: أن لا أحد يُدان أو يُشهّر به قبل أن تثبت عليه التهمة في القضاء. فالكلمة مسؤوليّة، ومن يملك منبرًا إعلاميًا يملك أيضًا أمانة التأثير، وهو مطالب باستخدامها بوعي لا بتسرّع أو بخلفيات مبيّتة.
في الختام، لا بدّ من التأكيد أنّ حرّية الإعلام يجب أن تُحمى، لكنّها لا تبرّر المسّ بكرامات الناس ولا تسمح بتحويل الشاشات إلى محاكم. الإصلاح يبدأ من احترام الحقيقة، ومن وضع حدود لمن يظنّون أنّ “الهواء المفتوح” هو مساحة للتجريح لا للنقاش.
“محكمة” – الجمعة في 2025/4/4