الذكاء الاصطناعي كقاض.. مستقبل العدالة في عصر التكنولوجيا/ راشد شاتيلا

راشد شاتيلا:
في عالم يتجه نحو الرقمنة والتكنولوجيا بسرعة، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة قوية يمكن أن تغيّر بشكل جذري ملامح النظام القانوني.
تتزايد التساؤلات حول إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي كقاضٍ، مما يثير نقاشًا حادًا حول العدالة، الأخلاقيات، ودور المحامين في عصر التكنولوجيا الحديثة.
تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بالفعل في العديد من الأنظمة القانونية حول العالم. على سبيل المثال، في الصين، تم استخدام نظام “الذكاء الاصطناعي القانوني”، الذي يعتمد على خوارزميات متقدمة لتحليل البيانات القانونية وتقديم توصيات للمحاكم. هذا النظام لا يسهم فقط في تسريع عملية اتخاذ القرارات، بل يعزز أيضًا دقّة التحليلات القانونية. وفقًا لتقرير صادر عن وزارة العدل الصينية، ساعدت هذه الأنظمة على تقليل الوقت المستغرق في البت في القضايا بنسبة تصل إلى 30%.
ومع ذلك، يثير استخدام الذكاء الاصطناعي كقاضٍ تساؤلات جدية حول التحيز والعدالة. فعلى الرغم من أن الأنظمة قد تبدو موضوعية، إلا أنها تعتمد على البيانات التي تم تدريبها عليها. إذا كانت هذه البيانات تحتوي على تحيزات تاريخية أو تعكس انحيازات معينة، فقد تؤدي إلى قرارات غير عادلة. لذلك، يجب أن تكون هناك معايير صارمة لضمان أن البيانات المستخدمة تعكس تنوع المجتمع وتضمن العدالة للجميع.
تجدر الإشارة إلى المثال الأمريكي حيث تم استخدام خوارزميات التنبؤ بالجريمة، مما أثار جدلاً حول تحيزات هذه الأنظمة. وأظهرت دراسات أن بعض الخوارزميات كانت تتنبأ بمعدلات الجريمة بشكل غير عادل في المجتمعات ذات الأقليات، مما يعكس الحاجة الملحة لتطوير معايير أخلاقية واضحة في هذا المجال.
إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على اتخاذ قرارات قانونية، فإن ذلك سيؤثر بشكل كبير على مهنة المحاماة. سوف تتقلص بعض الأدوار التقليدية، مثل البحث القانوني والتحليل، ولكن في الوقت نفسه، ستظهر فرص جديدة تتطلب مهارات تحليلية وتكنولوجية متقدمة.
يجب على المحامين التكيّف مع هذا الواقع الجديد من خلال تطوير مهارات جديدة تتناسب مع التطورات التكنولوجية، مثل الفهم العميق للذكاء الاصطناعي وكيفية استخدامه بشكل أخلاقي وفعال.
يجب أن نرى الذكاء الاصطناعي كأداة تعزز العدالة وليس كبديل للقضاة. يمكن أن يعمل الذكاء الاصطناعي على تحسين كفاءة النظام القانوني، وتسهيل الوصول إلى العدالة، وتقليل التكاليف. ومع ذلك، يتطلب ذلك وضع إطار قانوني واضح يحدد كيفية استخدام هذه التكنولوجيا، بما في ذلك القوانين التي تحكم الخصوصية وحقوق الأفراد.
على سبيل المثال، يمكن أن تتضمن التشريعات المستقبلية متطلّبات للشفافية في كيفية عمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي، مما يضمن أن يكون لدى الأفراد الحق في فهم كيفية اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتهم.
في الختام، يمثّل استخدام الذكاء الاصطناعي كقاضي خطوة مثيرة نحو المستقبل، لكنه يجب أن يتم بحذر. يجب أن نضمن أن التكنولوجيا لا تعوض عن القيم الإنسانية الأساسية للعدالة والمساواة. من خلال دمج الذكاء الاصطناعي في النظام القانوني بطريقة مدروسة، يمكننا تعزيز العدالة وتحقيق نتائج أفضل للمجتمع.
إذا أردنا أن نحقق نظامًا قانونيًا يتسم بالعدالة والشفافية، فإنّ الحوار حول دور الذكاء الاصطناعي يجب أن يستمرّ، وأن يكون جزءًا أساسيًا من تطوير القوانين والتشريعات المستقبلية. إن مسؤوليتنا كمهنيين في المجال القانوني هي التأكد من أن التكنولوجيا تُستخدم لخدمة الإنسانية، وليس العكس.
“محكمة” – السبت في 2025/4/5