مقالات

تصغر أحلامنا عندما نكبر/أنطونيو الهاشم

انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
في كتابه «وزنة القلوب»، كتب الدكتور دوريد عوده عبارةً استوقفتني طويلاً، وأيقظت في داخلي كثيراً من الأسئلة والذكريات: «تصغر أحلامنا عندما نكبر».
بدت لي هذه العبارة، للوهلة الأولى، حزينةً كاعترافٍ متأخّر بهزيمة الإنسان أمام الزمن. لكنني، كلّما تأمّلتها، وجدتها لا تتحدّث عن موت الأحلام، بل عن نضجها. فالأحلام لا تصغر دائماً لأنّنا فقدنا القدرة على التمنّي، بل لأنّ الحياة تعلّمنا أن الأشياء الأثمن لا تحتاج إلى مساحة كبيرة، وأنّ السعادة الحقيقية قد تسكن في تفصيل صغير لا يلتفت إليه العابرون.
في طفولتنا، نريد العالم كلّه. نحلم بأن نبلغ السماء، وأن نصير أبطالاً لا تهزمهم الأيام، وأن تكون الحياة طريقاً مستقيماً لا يعرف الانكسار. نريد بيتاً كبيراً، ونجاحاً يراه الجميع، ومجداً تتردّد أصداؤه في البعيد. وحين نكبر، نكتشف أنّ السماء أبعد ممّا تخيّلنا، وأنّ الطرق ليست مستقيمة، وأنّ البطولة الحقيقية ليست في ألّا نسقط، بل في أن ننهض كلّ مرّة وقلبنا ما زال قادراً على الخفقان.
عندما نكبر، لا نعود نحلم بأن نملك العالم، بل بأن نجد فيه مكاناً آمناً لقلوبنا. لا نطلب كثيراً، بيتاً لا يسكنه الخوف، ووجهاً نطمئنّ إليه، ويداً لا تفلت يدنا في منتصف الطريق، وصحّةً تمنحنا القدرة على أن نعيش أيامنا بكرامة. يصبح حلمنا أن نجتمع بمن نحبّ ، وأن نسمع صوت أمّ غابت، أو ضحكة أبٍ أرهقه العمر، أو خطوات ولد يعود سالماً إلى البيت.
تصغر أحلامنا لأنّ خساراتنا تكبر. فكلّ غياب يعيد ترتيب أمنياتنا، وكلّ وجع يعلّمنا قيمة النعم التي اعتدناها، وكلّ موت يوقظنا على هشاشة الحياة. من كان يطلب المجد، قد يصبح أقصى ما يتمناه ساعةً أخرى إلى جانب حبيب. ومن كان يحلم بالثروة، قد يعطيها كلّها في سبيل شفاء جسدٍ متعب. ومن كان يركض خلف التصفيق، قد ينتهي به الأمر باحثاً عن كلمة صادقة واحدة تقول له «أنا أفهمك، وأنا هنا».
ولعلّ الأحلام لا تصغر حقاً، بل تتجرّد من زينتها الزائفة. فالكبير في أعين الناس قد يكون صغيراً في ميزان الروح، والصغير في نظر العالم قد يكون حياةً كاملة. كوب قهوة في صباح هادئ، نافذة تدخل منها الشمس، رسالة من صديق قديم، عودة مسافر، مصالحة بعد خصام، نوم بلا قلق، وضمير بلا ندم . أليست هذه التفاصيل الصغيرة وجوهاً خفيّة للسعادة؟
إنّ النضج لا يعلّمنا كيف نطلب أقلّ فحسب، بل كيف نرى أكثر. نرى أنّ الغنى ليس في كثرة ما نملك، بل في قلّة ما نحتاج إليه لنكون مطمئنّين. ونفهم أنّ النجاح ليس دائماً أن نصعد أعلى، بل أن نحافظ على إنسانيتنا ونحن نصعد. وأنّ القوّة ليست في قسوة القلب، بل في بقائه رقيقاً رغم ما أصابه. وأنّ أجمل الانتصارات قد تكون أن نعبر الحياة من دون أن نصبح نسخةً عمّن آذونا.
لكنّ ثمّة فرقاً بين أن تصغر أحلامنا حكمةً، وأن تصغر قهراً. فليس جميلاً أن يتنازل الإنسان عن أحلامه لأنّ الظلم أقنعه بأنّه لا يستحق، أو لأنّ الخوف علّمه أن يرضى بالقليل. الأحلام التي تهذّبها الحكمة تصبح أكثر صفاءً، أمّا الأحلام التي يقتلها اليأس فتترك في الروح فراغاً لا يملؤه شيء. لذلك ينبغي أن نحافظ، مهما كبرنا، على طفلٍ صغير في داخلنا . طفلٍ ما زال يؤمن بأنّ الغد قد يحمل مفاجأة جميلة، وأنّ الأبواب المغلقة لا تعني نهاية الطريق.
نعم، تصغر أحلامنا عندما نكبر، لكنّها تصبح أعمق. تضيق مساحتها وتتّسع دلالتها. نكفّ عن طلب الأشياء الكثيرة، ونطلب الشيء الحقيقي. نكفّ عن البحث عمّن يملأ حياتنا ضجيجاً، ونبحث عمّن يملأ صمتنا طمأنينة.
وفي آخر الطريق، قد يكتشف الإنسان أنّ أعظم أحلامه لم تكن قصراً ولا مجداً ولا اسماً خالداً، بل قلباً أحبّه بصدق، وبيتاً عاد إليه مطمئنّاً، وأثراً طيّباً تركه في نفوس الآخرين.
تصغر أحلامنا عندما نكبر، لأنّنا ندرك أخيراً أنّ الحياة نفسها، بكلّ هشاشتها وقِصَرها، هي الحلم الأكبر.
“محكمة” – السبت في 2026/10/17

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!