مقالات

في ذكرى رحيل آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله/فراس كنج

المحامي فراس أسعد كنج:
مرّت الأعوام، وما زال الغياب طريًّا، كأن السيد محمد حسين فضل الله رحل البارحة… لم يمت رجلٌ كالسيد، بل تنحّى الجبل عن الأفق، وهدأ النور في زاوية القلب، وغاب الصوت الذي كنّا نلوذ به كلّما ضاقت الدنيا بالوطن.
ليس سهلاً أن تكتب عن الغائب، حين يكون الحاضر فيك هو ظلّه، وصدى صوته، وملامح حكمته. فالسيد لم يكن رجلاً فقط، بل طمأنينة تسير على الأرض، لغةُ رحمةٍ تمشي بين الناس، وبوصلةٌ تشير دائماً إلى حيث يكون العدل… والإنسان.
كان وجهه وضّاءً بنورٍ لا يُرى، وصوته نابعاً من عمقٍ لا يُحدّ. كان إذا تكلّم سكتت الضوضاء، لا خوفاً، بل احتراماً. وإذا نظر، قرأت في عينيه تاريخاً من الألم المضمّد بالإيمان، ووطناً يحاول أن ينجو من عتمة الطوائف إلى ضوء المواطنة.
في زمنٍ ضجّت فيه المنابر بالتحريض، واختنقت القلوب بفتاوى الكراهية، كان هو وحده يمشي عكس الريح، حاملاً لواء الوحدة، يُصالح بين المختلفين، ويفتح صدره للجار قبل الأخ، وللوطن قبل المذهب. لم يكن مذهبه سوى الإنسان، ولم يكن سبيله إلا العقل، ولم يكن حزبه إلا كلمة الحق.


يا سيّد، كم نفتقدك اليوم… لبنان، الذي كنتَ تُضمّد جراحه بحكمة العلماء وحنان الأولياء، يُنزف الآن بلا ضماد. الساحات امتلأت بالضجيج، والمنابر فارغة من المعنى. غاب صوتك الذي كان يعلو ليُسكت الفتنة، ويُنذرنا من الغرق… فغرقنا.
لقد كنتَ الحضن في زمن القسوة، واليقين في زمن الشك، والظلّ في حرائق الناس. وها نحن نلهث خلف بقاياك في الكتب، وفي خطبك، وفي مواقفك التي ما زالت تضيء لنا الطريق.
يا من رحلت جسداً، ولم ترحل روحاً… سلامٌ عليك ما بقي لبنان يبحث عن عقل، وما بقيت القلوب تنتظر صوتاً يشبهك…
سلامٌ عليك يوم كنتَ لنا سيّداً لا باللقب، بل بالموقف… وبالصدق… وبالإنسان.
“محكمة” – الأحد في 2026/7/5

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!