قرار المجلس الدستوري وقانون العفو العام: حين يصبح إحترام الدستور اختباراً للسلطات/جاد طعمه
المحامي الدكتور جاد طعمه:
لم ينهِ قرار المجلس الدستوري رقم 12 الصادر في 12 تشرين الأول 2026 بشأن قانون العفو العام رقم 2026/70 الجدل القانوني الذي أثاره القانون؛ بل نقل النقاش إلى مستوى أعمق يتعلق بحدود الرقابة الدستورية، ومدى سلطة المجلس في تفسير النصوص، والقوة الإلزامية لقراراته، ومسؤولية السلطة التشريعية عن جودة القوانين التي تقرّها.
لقد انقسمت الآراء بين من رأى في التحفّظات التفسيرية التي اعتمدها المجلس وسيلةً لتصويب قانون شابه الغموض والتفاوت، ومن اعتبر أنّ بعضها اقترب من إعادة صياغة أحكام تشريعية، بما يثير تساؤلات عن حدود الفصل بين السلطات. وهذا الاختلاف، في ذاته، مشروع. لكن لا يجوز أن يتحوّل إلى خلط بين مناقشة حدود اختصاص المجلس، وبين الامتناع عن احترام قرار صدر عنه في معرض ممارسته هذا الاختصاص.
أوّلاً: الرقابة الدستورية ليست محصورة بعبارات الطعن
من المسائل التي تستحق التوضيح أن المجلس الدستوري، متى وُضعت يده على مراجعة طعن مستوفية شروطها، لا يتحول إلى مجرد جهة تجيب عن أسئلة أصحاب المراجعة بنداً بنداً، بمعزل عن بقية النص التشريعي. فوظيفته هي مراقبة دستورية القانون المطعون فيه، في ضوء أسباب الطعن والقواعد والمبادئ الدستورية ذات الصلة، وله أن يثير من تلقاء نفسه ما يلزم بحثه عند الاقتضاء.
وهذا ما يظهر في القرار المتعلق بقانون العفو العام، إذ لم يحصر المجلس نظره في الأسباب التي عرضها الطاعنون، بل تناول أحكاماً وإشكاليات رأى أنها تستدعي البحث في مدى توافق القانون مع الدستور. فالرقابة على الدستورية ليست مراجعة لغوية لنصوص القانون، ولا تقتصر على التحقق من صحة الوقائع التي يسوقها الطاعنون؛ إنها وظيفة دستورية غايتها صون سمو الدستور ومنع نفاذ أحكام تشريعية مخالفة له.
غير أن هذه السلطة ليست مطلقة. فبحث القانون في مجموعه لا يعني أن للمجلس أن يستبدل بإرادة المشرّع إرادة أخرى، أو أن ينشئ قواعد لا يحتملها النص. وتبقى الحدود الفاصلة بين التفسير الذي يحفظ دستورية القانون والتعديل الذي يقترب من الوظيفة التشريعية مسألة تستحق البحث في كل حالة على حدة.
ثانياً: التحفظ التفسيري بين حدود الاختصاص والقوة الملزمة
يتمحور جانب أساسي من الجدل حول التحفظات التفسيرية الملزمة التي اعتمدها المجلس. فهناك من يرى أن المجلس، حين وسّع نطاق استثناء جرائم التزوير والفساد، أو حدّد آثار بعض أحكام العقوبات، تجاوز التفسير إلى إعادة بناء النص. وهناك من يعتبر أن هذه التحفظات أزالت غموضاً كان من شأنه أن يؤدي إلى تطبيق القانون على نحو يتعارض مع الدستور ومبادئ المساواة والعدالة.
لا يكفي لحسم هذا الخلاف وصف التفسير بأنه ملزم، كما لا يكفي وصفه بأنه تعديل تشريعي لإثبات تجاوز الاختصاص. المعيار القانوني هو مدى إمكان استخلاص المعنى الذي اعتمده المجلس من النص وبنيته وغاياته الدستورية، وما إذا كان قد استبعد تأويلاً مخالفاً للدستور أم استحدث حكماً لا يحتمله القانون.
لكن ثمة مسألة أخرى لا ينبغي أن تختلط بهذا النقاش: القوة الإلزامية للقرار بعد صدوره.
فقرار المجلس الدستوري ليس رأياً استشارياً، ولا اجتهاداً فقهياً يجوز للسلطات أن تأخذ به أو تتركه بحسب ملاءمته السياسية. والتحفظات التفسيرية التي قرر المجلس صراحة إلزاميتها تدخل في الإطار الذي يجب أن يُطبّق القانون ضمنه. وبناءً عليه، لا يجوز لأي سلطة عامة أو مرجع قضائي أو إداري معني بتطبيق القانون أن يعتمد تفسيراً يناقضها، أو أن يتجاهلها بحجة عدم الاقتناع بها.
إن الاعتراض على القرار لا يمنح صاحبه سلطة تعطيله. فالنقاش العلمي حق، أما مخالفة القرار النافذ فمسألة مختلفة تماماً.
ثالثاً: دعم السلطة التفسيرية لا يعني منحها سلطة تشريعية
لا بد لنا من دعم تعزيز السلطة التفسيرية للمجلس الدستوري في معرض رقابته على دستورية القوانين، لأن الرقابة الفعالة لا تتحقق دائماً بإبطال النص كلياً أو جزئياً. ففي بعض الحالات، يمكن لتفسير دستوري محدد أن يحفظ الجزء السليم من القانون، ويمنع في الوقت نفسه تطبيقه على نحو مخالف للدستور.
ولا يعني هذا التأييد منح المجلس صلاحية مفتوحة لتعديل القوانين، بل الاعتراف بأن التفسير الدستوري أداة لازمة لحماية سمو الدستور متى بقيت ضمن حدود النص والاختصاص. فالإبطال ليس غاية في ذاته، كما أن الإبقاء على القانون ليس غاية مستقلة؛ الغاية هي منع تطبيق حكم مخالف للدستور بأقل مساس ممكن باستقرار القواعد القانونية.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس إضعاف المجلس كلما اتسعت آثار قراره، بل تطوير الضوابط التي تحكم ممارسته لاختصاصه، وتعزيز وضوح تعليله، وإتاحة النقاش العلمي حول حدود التحفظ التفسيري، مع احترام ما يصدر عنه من قرارات ملزمة.
والأهم أن تتطور الرقابة الدستورية من امتياز محدود في تحريكها إلى ضمانة أوسع لحماية الحقوق. فحصر الطعن المباشر بفئات محددة من السلطات والنواب يثير سؤالاً مشروعاً عن إمكان تمكين الأفراد من الاعتراض على دستورية قانون يمس حقوقهم، من خلال آلية قضائية منظمة تتيح إثارة الدفع بعدم الدستورية أمام المحاكم، ثم إحالة المسألة إلى المجلس وفق شروط وضوابط واضحة تماماً كما هو واقع الحال في فرنسا على سبيل المثال.
إن توسيع الوصول إلى الرقابة الدستورية، عبر تعديل دستوري أو تشريعي مناسب بحسب طبيعة الآلية المطلوبة، من شأنه أن يعزز حماية الحقوق ويجعل الدستور أقرب إلى المواطن، من دون تحويل المجلس إلى درجة تقاضٍ إضافية أو تعطيل سير المحاكمات.
رابعاً: المجلس الدستوري وأزمة التشريع
بعد مرحلة لم يحظَ فيها المجلس الدستوري بالاهتمام العام الذي تستحقه وظيفته، أعاد قرار العفو العام تسليط الضوء على موقعه في النظام الدستوري اللبناني. لكن من الخطأ أن يتحول هذا الاهتمام إلى تمجيد غير نقدي للمجلس، كما أنه من الخطأ اختزال دوره في اتهامه بالتدخل في صلاحيات مجلس النواب.
إن تكرار إبطال نصوص تشريعية كلياً أو جزئياً، أو إخضاعها لتحفظات تفسيرية واسعة، ينبغي أن يدفعنا إلى مساءلة جودة العمل التشريعي نفسه. فكلما اضطر المجلس إلى إزالة عبارات غير دستورية أو معالجة تناقضات وغموض يفضيان إلى تفاوت في المعاملة، برز سؤال عن مدى العناية التي سبقت إقرار القانون، وعن كفاية الدراسات القانونية التي رافقت صياغته، وعن قدرة السلطة التشريعية على استشراف آثاره.
لا يعني ذلك أن كل إبطال دستوري يثبت، بمفرده، جهلاً تشريعياً أو تقصيراً من النواب؛ فقد تنشأ الخلافات الدستورية حتى في أكثر النظم القانونية خبرة. لكن تكرار العيوب في الصياغة، واضطرار المجلس إلى معالجة مسائل جوهرية بعد إقرار القوانين، يبرران المطالبة بتعزيز الخبرة القانونية في اللجان النيابية، وتطوير الأثر التشريعي والدستوري للدراسات السابقة على التصويت، وإتاحة وقت كافٍ لمناقشة النصوص المعقدة.
فالنواب يمارسون سلطة التشريع باسم الشعب، لكن هذه السلطة لا تعفيهم من واجب الدقة والوضوح واحترام الدستور. والمجلس الدستوري ليس بديلاً من المشرّع، كما أن وجوده لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتراجع جودة التشريع، على أساس أن المجلس سيتولى لاحقاً إصلاح ما شاب القانون من عيوب.
خامساً: ولاية المجلس الدستوري وولاية مجلس النواب
تزداد أهمية هذه المسائل حين نضع القرار في سياقه المؤسساتي. فقد صدر عن مجلس دستوري انتهت مدة ولاية أعضائه الأصلية ويعمل عملاً بمبدأ إستمرارية المرفق العام، فيما لا يزال مجلس النواب الذي أقر قانون العفو العام خارج مدة ولاية نوابه الأصلية يمارس مهامه بعد تمديد ولايته سنتين، وتأجيل الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في أيار 2026.
وهنا تبرز مسألتان تستحقان البحث الدستوري الهادئ.
الأولى تتعلق باستمرارية عمل المجلس الدستوري وتجديد عضويته. فالقواعد المنظمة للمجلس تجيز استمرار الأعضاء في أداء مهامهم إذا لم يُعيّن خلف لهم، إلى حين تعيين الخلف وأدائه اليمين. ولذلك لا يصح استنتاج فقدان المجلس صلاحياته لمجرد انقضاء مدة الولاية الأصلية. لكن استمرار هذا الوضع يطرح سؤالاً مؤسساتياً عن انتظام تجديد العضوية، وعن مسؤولية الجهات المختصة في تأمين استمرارية المؤسسات الدستورية ضمن المهل والأصول القانونية لا سيما مع إرتفاع الأصوات عن غياب مكوّن وطني عن حضور جلساته.
أما المسألة الثانية فتتصل بتمديد ولاية مجلس النواب نفسه. ففي 9 آذار 2026، أقر المجلس تمديد ولايته سنتين في ظل ظروف أمنية وعسكرية خطيرة، وأُرجئت الانتخابات التي كانت مقررة في أيار من العام نفسه. لكن المجلس النيابي الممددة ولايته أقر قانون العفو العام وهو يقر سلة من القوانين التي لا تقل خطورة. ولا يجوز تجاهل الظروف التي استند إليها قرار التمديد أو التقليل من المخاطر التي قد تهدد سلامة العملية الانتخابية. لكن الضرورة التي قد تبرر تأجيل الانتخابات في مرحلة معينة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لا يحتاج إلى إعادة تقييم.
فهل ما زالت الظروف التي استند إليها التمديد قائمة بالقدر الذي يجعل إجراء الانتخابات متعذراً؟ وهل جرى تقييم إمكان تنظيمها في ضوء تطور الأوضاع الأمنية والإدارية؟ وما الضمانات التي تحول دون تحول التمديد الاستثنائي إلى ممارسة متكررة تُضعف دورية الانتخاب والمساءلة الشعبية؟
إن عدم إعلان حالة طوارئ عامة لا يكفي وحده لإثبات توافر جميع الشروط اللازمة لإجراء الانتخابات، كما أن استمرار أزمة إنسانية وأمنية في الجنوب لا يجوز تجاهله. لكن اجتماع هذه المعطيات يفرض نقاشاً جدياً حول ضرورة مراجعة المبررات الواقعية والقانونية للتمديد، بدلاً من الاكتفاء بالإحالة إلى الظروف التي كانت قائمة عند إقراره.
وكان من المفيد أن تُثار هذه المسألة أيضاً من زاوية دستورية مؤسساتية، سواء عبر الطعون التي تدخل ضمن اختصاص المجلس أو عبر النقاش العام بشأن حدود السلطة التأسيسية والسلطة التشريعية والحقوق الانتخابية. فاحترام المؤسسات لا يعني إعفاء قرارات التمديد من المساءلة القانونية والسياسية، كما لا يعني افتراض عدم دستوريتها من دون استكمال البحث في أسبابها وحدودها.
سادساً: القرار نافذ، والإصلاح لا يحتمل التأجيل
إن الدرس الأهم من قرار العفو العام ليس أن المجلس انتصر على مجلس النواب، ولا أن السلطة التشريعية فقدت حقها في وضع السياسات العامة. الدرس هو أن السلطات، على اختلاف وظائفها، تعمل ضمن نظام دستوري لا يجوز لأي منها أن يتعامل مع حدوده باعتبارها اختيارية.
فالمجلس الدستوري يراقب دستورية التشريع، والسلطة التشريعية تضع القوانين، والمحاكم تطبقها على الوقائع الفردية، والإدارة تنفذ ما يقع ضمن اختصاصها. ولكل جهة مجالها الدستوري، لكن لا يجوز أن تتحول ممارسة أي اختصاص إلى وسيلة لإلغاء اختصاص جهة أخرى أو تجاهل قرار ملزم صادر عنها.
إن دعم السلطة التفسيرية للمجلس، وتوسيع إمكان الوصول إلى الرقابة الدستورية، وتحسين جودة التشريع، ومراجعة مبررات التمديد النيابي، ليست مطالب متعارضة. إنها حلقات في مشروع واحد غايته إعادة الاعتبار للدستور بوصفه قاعدة ملزمة للسلطات، لا نصاً يُستدعى عند الحاجة ويُتجاوز عند تعارضه مع المصالح السياسية.
وفي المحصلة، يمكن أن يظل قرار المجلس الدستوري موضع نقد فقهي وقانوني، ويمكن أن تستمر مناقشة مدى اتساع بعض تحفظاته. لكن لا يجوز أن يتحول هذا النقد إلى انتقاص من قوته الإلزامية أو إلى ترخيص بتطبيق قانون العفو خلافاً لما قرره المجلس.
فالدولة الدستورية لا تُختبر عندما تتفق السلطات على قرار واحد، بل عندما تختلف. وعند الاختلاف، لا تكون الأولوية لمن يملك أكثرية نيابية أو نفوذاً سياسياً، بل للقواعد التي تحدد اختصاص كل سلطة وتُلزمها باحترام الدستور.
إن احترام قرار المجلس الدستوري ليس انتصاراً للمجلس الدستوري على المجلس النيابي؛ ولا يجب أن تقارب المسألة بهذه الطريقة خاصة لدى نواب الأمة، بل إحترام القرار ينبع من احترام للدستور الذي يعلو على كل السلطات.
“محكمة” – الاربعاء في 2026/10/14



