مقالات

لا موجب بتسجيل الشكوى الجزائية حكماً والسير بها/ ناضر كسبار

ناضر كسبار (نقيب المحامين في بيروت سابقاً):
كنت ولا أزال أقارب المواضيع القانونية والوطنية والحياتية والاجتماعية بمحبة ومنطق، بعيداً عن السياسة الضيقة وعن الشعبوية. وهذا أمر نتمنّى على كلّ كاتب أو ناقد اتباعه.
منذ بدء العمل بالقوانين، وخصوصاً الجزائية، والسؤال يطرح: هل كلّما قرّر شخص تقديم شكوى جزائية اأو إخبار أمام النيابة العامة بحقّ شخص آخر، على النيابة العامة تسجيلها حكماً وقبولها وبدء التحقيق فيها؟
سؤال دقيق وجدير بالدراسة العيمقة. لأنّ محاذير الشكوى الجزائية ليست كالدعوى المدنية والتجارية والادارية وغيرها. اذ يتداخل فيها عمل الدرك والشرطة القضائية والتحرّي، وقد يُطلب من المدعى عليه الذهاب الى المخفر للتحقيق معه مع ما يستتبع ذلك من انتظار ووقت واتصال بالنيابة العامة والبقاء أحياناً حتى منتصف الليل أو إلى اليوم التالي. أو قد يأتي رجال التحري والشرطة القضائية إلى المنزل إو إلى مكان العمل واصطحاب المدعى عليه إلى المفرزة.
وبالتالي، فإنّ على ممثّل النيابة العامة أن يكون حذراً بهذا الخصوص، وألا يقبل الشكاوى التي يعرف نتائجها مسبقاً أو التي تحمل الطابع المدني والهدف منها الضغظ على المدعى عليه، أو إذلاله، خصوصاً متى علمنا أنّه في مثل هذه الحالة قد يعمد أيّ شخص أو متنفّذ أو صاحب مصلحة الى الاستعانة بإنسان فقير أو محبّ للمال، ومن اجل حفنة من الدولارات، ويطلب منه تقديم الشكاوى ضد سياسيين أو قضاة أو محامين أو اطباء، أو تجّار أو ضدّ شقيقه وجاره غير آبه بتقديم شكوى افتراء ضدّه، فهل هذا هو الهدف من تقديم الشكاوى والاخبارات؟ وهل على النيابة العامة موجب تسجيل أيّ شكوى تردها من دون التدقيق فيها، وقبل المباشرة بالتحقيق؟
يوم كان القاضي القاضي الكبير موريس خوام مدعياً عاماً في جبل لبنان، طلب مني الاستاذ اوغست باخوس تقديم شكوى جزائية عن شخص من المتن يهمه أمره كثيراً، ويتردّد دائماً الى مكتبنا، وبأنه مظلوم لأن أحد أصدقائه طلب منه استدانة مبلغ من المال، فاحتاط للأمر وجعله يوقّع على ما يسمّى “سند أمانة”. وبالتالي فإنّ اتباع الطريق الجزائي أسهل خصوصاً وأنّ المدعى عليه لا يملك أيّ عقار أو سيّارة للحجز عليهما. وعندما اطلع القاضي خوام على الشكوى، قرر بلباقة عدم تسجيل الشكوى وقال ان موضوعها مدني وليس جزائياً.
وبالتالي ليس كل من يقرّر تقديم شكوى أو إخبار يجب حكماً تسجيلهما والسير بهما، ويبقى الأمر خاضعاً لفطنة وحكمة وخبرة ويقظة ممثل النيابة العامة.
“محكمة” – الخميس في 2026/10/15

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!