لا يحقّ لأيّ سلطة كانت تجاوز الدستور لإبرام إتفاق مع العدو/فؤاد مطر
المحامي فؤاد مطر:
في التاريخ دروس وعبر إذا لم نتعظ بها ومنها، لا يمكننا أن نحصّن المستقبل، ويأتي في طليعتها حالة اليهود الذين عذبّوا السيد المسيح(ع) والحواريين الذين وضعوهم على الخشب ولم يقبل السيد المسيح أن يفاوض كهنة المعبد.
وخيانة اليهود وإخلالهم بدستور المدينة الذي ارتضوه، جعل النبي محمد (ص) أن يحكم بإجلاء يهود بني قينقاع والنضير ثمّ قريظة، جزاء على خيانتهم.
واليوم، قوّات الاحتلال اليهودي، تمنع المسيحيين من دخول كنيسة القيامة للإحتفال بسبت النور، وتحوّل مدينة القدس السلام إلى ثكنة عسكرية.
لقد حث الفاتيكان على التخلّي عن مخططات الغزو أو الهيمنة، وانتقد بابا الفاتيكان الحرب القائمة التي تشنّها اميركا وإسرائيل، ودعا إلى وقف الأعمال العدائية واحترام مبادئ حقوق الإنسان.
أمّا عن الاتصال الذي أجرته سفيرة لبنان في واشنطن السيدة ندى حمادة معوض مع السفير الإسرائيلي واتفاقهما على عقد اجتماع في مقرّ وزارة الخارجية الامريكية برعاية الادارة الامريكية ربيبة إسرائيل يوم الثلاثاء القادم الموافق في ٢٠٢٦/٤/١٤ رغم إبلاغ سفيرة لبنان عن رفض الحكومة الاسرائيلية القاطع للبحث في وقف إطلاق النار، وأنّ المناقشة فيه مرفوض، وأنّ حكومة العدو قد وافقت على بدء مفاوضات سلام رسمية مع الحكومة اللبنانية وأعلنت أنّ المفاوضات المباشرة القادمة ستكون حول عقد معاهدة سلام مع الحكومة اللبنانية دون البحث بتاتًا بوقف إطلاق النار.
ينطبق على هذه الحالة البيت الشعري المأثور:
أرضى ويغضب قاتلي فتعجّبوا
يرضى القتيل وليس يرضى القاتل
إنّ العدوّ يهدف من هذه العجالة، إلى عدم تدخّل القوى التي بلورت التفاوض في إسلام اباد.
نتساءل هنا:
أي مفاوضات مباشرة مع العدو، هي، في ظل حرب مستمرّة وشهداؤنا لم ينهضوا من الركام؟!
لماذا الإقدام على خطوة التفاوض تحت النار، والعدوّ لا يزال يدنّس أرضنا؟
أليس التوقيت بحدّ ذاته خطأ استراتيجيًا، والتفاوض المباشر مع العدو المحتل، خرقًا فاضحًا للدستور والقوانين اللبنانية ذات الصلة؟
كيف نتجاوز تاريخ الإجرام الصهيوني؟
أيّ سلام في ظلّ مشاريعه المعلنة ضدّنا؟
إنّ ما عجز عنه العدوّ الاسرائيلي في الميدان، يسعى للحصول عليه بالمفاوضات التي تجري تحت النار بالإكراه والإذعان لإملاءات وتنازلات مجانية تؤدّي بطبيعة الحال، إلى الإنهزام والإستسلام التي سيدفع ثمنه لبنان بكلّ مكوّناته.
كما أنّ التفاوض المباشر مع العدوّ الإسرائيلي يؤدّي إلى الإعتراف به كدولة لا حدود لها، تطمع باقتطاع لبنان وهي قائمة على ديانة تلمودية عنصرية خاصة بها .
لا يمكننا أن نحافظ على سيادة وطننا بالإستجداء للأعداء، ولا قيمة لأيّ مسار تفاوضي يتجاوز الكرامة الوطنية، ولا نساوم على تحرير كلّ حبّة تراب من أرضنا المجبولة بدماء الشهداء، وإنّ أيّ تفاوض لا يستند إلى ركائز وطنية هو غير شرعي يستوجب مواجهته بكافة الوسائل .
إنّ الجهود السياسية أو التفاوضية تتطلّب أعلى درجات المسؤولية الوطنية بهدف وقف العدوان. وهنا يجب أن تتضافر جهود الحكومة مع ممثّلي المقاومة، وهم جزء من السلطات، حفاظًا على الإستقرار الداخلي والسلم الأهلي، وأن تنطلق من ثوابت يأتي في مقدّمتها حماية السيادة اللبنانية وبسط السلطة اللبنانية على كافة أراضيها، ورفض الضغط العسكري، مع الالتزام بالأصول والأعراف الدستورية.
يبدأ قبول المسار التفاوضي بعد انسحاب قوات العدوّ الإسرائيلي من كلّ الأراضي اللبنانية المحتلة ضمن الحدود المعترف بها دوليًا، وانتزاع إقرار منها بتحميلها المسؤولية عن الأضرار الناجمة عن العدوان ومطالبتها بالتعويض عنها.
إنّ وثيقة الوفاق الوطني أوجبت تحرير الأرض اللبنانية بالوسائل المتاحة كافة، وإنّ أيّ تفاوض لا يستند إلى هذه الركيزة، هو غير شرعي. وإنّ من يتولّى التفاوض هو رئيس الجمهورية ويتمّ إبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة ولا تصبح مبرمة إلّا بعد موافقة مجلس النوّاب.
إذن، إذا استطاع رئيس الجمهورية أن يتفاوض مع العدوّ الإسرائيلي، إلّا أنّه لا يستطيع التوصّل إلى أيّ اتفاق مع العدوّ الإسرائيلي، ولو كان إتفاقًا مبدئيًا، لا بمفرده، ولا بالإتفاق مع رئيس الحكومة أيضًا، ولا حتى بموافقة مجلس الوزراء، إلّا إذا أقرّ مجلس النوّاب قانونًا يسمح بذلك، فالإقدام على هذه الخطوة يحتاج إلى موافقة مجلس النواب، وهذا ما يدعو للعودة عن مسار التفاوض برعاية الولايات المتحدة الأمريكية بين أيّ جهة لبنانية مهما كانت، مع أيّ جهة إسرائيلية كانت، لمخالفة أحكام المادة ٥٢ من الدستور اللبناني.
لا يجوز أن يتمّ التعامل مع العدوّ الإسرائيلي مهما كانت طبيعته، إستنادًا لأحكام قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 1955/6/23.
ندعو النيابة العامة التمييزية إلى ممارسة صلاحياتها في تحريك دعاوى الحقّ العام، وملاحقة كلّ الجرائم التي تمسّ سيادة الوطن أو التي تقع على أمن الدولة الخارجي (المواد ٢٧٣ إلى ٣٠٠ من قانون العقوبات) التي تهدف إلى حماية لبنان والدولة في مقوّماتها الخاصة، وتجريم كلّ الأفعال التي تؤلّف دسّ الدسائس أو الاتصال بالعدوّ أو الاعتداء والمؤامرة على أمن الدولة، والتجسّس لمصلحة العدوّ، بالإضافة إلى الصلات غير المشروعة مع العدوّ، أو مع أحد رعاياه أو مع شخص ساكن لديه.
العالم كلّه يعلم مدى المكر لدى اليهود، ونحن عنه غافلون، وعار علينا أن نساوم مع القاتل.
لنعد إلى رسالة مطران القدس عطالله حنا إلى الشعب اللبناني وقد جاء فيها: “…بأنّ القوة تعني في مفهومهم القتل والإستبداد والإمعان في الحروب، واستهداف المدنيين. في هذا لا يتحمّل حكّام إسرائيل المسؤولية لوحدهم، بل أيضًا أولئك الذين لم يحرّكوا ساكنًا، وبعضهم صامت صمت القبور أمام هذه الجرائم المرتكبة بحقّ الإنسانية”.
“محكمة” – الأحد في 2026/4/12



