أدْخِلْها إِنِ اسْتَطَعْتَ!/جمال الحلو
القاضي جمال الحلو:
ليستِ المراتبُ السَّنيَّةُ دليلًا على الشَّرف، ولا الأختامُ الرسميَّةُ صكًّا بالعِصمة، ولا المقاعدُ الرفيعةُ ضمانًا للخُلود؛ فكم من امرئٍ رفعه المنصبُ، فلمَّا استبدَّ به الفسادُ هوى إلى أسفلِ دركاتِ المهانة، وكم من رجلٍ استعبدَه بريقُ المال، فباع ضميرَه بثمنٍ بخس، فأصبح يهابُ الخلقَ، ولا يهابُ خالقَ الخلق.
وإنَّ أخطرَ ضروبِ الفسادِ وأشدَّها وَطأةً ما يتسرَّبُ إلى محرابِ العدالة؛ لأنَّ فسادَ القضاء لا يفتكُ بفردٍ واحد، بل يغتالُ ثقةَ الأمَّة، ويقوِّضُ أركانَ المجتمع، ويغرسُ اليأسَ في الأفئدة، حتى يصبحَ الحقُّ غريبًا في موطنه، والباطلُ سيِّدَ ساحته.
وفي دولةٍ مُتخيَّلةٍ تُدعى كونكان الديمقراطية، اعتلى أحدُ القضاةِ ذروةَ السُّلَّمِ القضائي، غيرَ أنَّه حوَّل ميزانَ العدلِ إلى ميزانِ مساومة، وجعل القضاءَ سوقًا تُباعُ فيه الأحكامُ وتُشترى. فما كان يرى في الدعاوى إلَّا صُرَرًا من الذهب، ولا كان يُصغي إلى أنينِ المظلومين، وإنَّما يُرهفُ سمعَه لِرَنِينِ الدنانير.
ففي قضايا القتلِ يُطلَقُ الجاني بريئًا، ويُساقُ المقتولُ إلى مقامِ الاتهام. وفي قضايا المخدِّراتِ ينقلبُ تاجرُ السُّمومِ مُجرَّدَ متعاطٍ، ويُوسَمُ الضحيَّةُ بوصمةِ الاتِّجار. وفي قضايا الشيكاتِ يُجعلُ المعتدي صاحبَ حقٍّ، ويُرمى صاحبُ الحقِّ بالإفكِ والافتراءِ. وهكذا تُقلَبُ الموازين، فيغدو الباطلُ حقًّا، والحقُّ باطلًا، والظلمُ عدلًا في معجمِ الفساد.
ولم يقنعْ بذلك، بل أحاط نفسَه بِزُمْرَةٍ من أشباهِه، فأقصى ذوي الضمائرِ الحيَّة، ونحَّى أهلَ النزاهةِ والكفاءة، وفتحَ الأبوابَ للمنافقين والانتهازيين، حتى غدا الفسادُ مؤسَّسةً قائمةً، والرشوةُ منهجًا متَّبعًا، وصار الولاءُ للمصلحةِ يعلو على الولاءِ للحق.
أيُّها القاضي الذي باع ضميرَه، أما علمتَ أنَّ المنصبَ ظلٌّ زائل، وأنَّ الكرسيَّ لا يردُّ عن صاحبِه قضاءَ الله؟ أما قرأتَ خبرَ قارونَ حين أغرته كنوزُه فخسفَ اللهُ به وبداره الأرض؟ أما تأمَّلتَ مصرعَ فرعونَ حين ادَّعى ما ليس له؟ أما وعيتَ أنَّ كلَّ جبَّارٍ، مهما استطالَ في الأرض، قد صار حديثًا بعد عين، وعبرةً لكلِّ ذي بصر؟
أفتحسبُ أنَّ الأموالَ التي اكتنزتَها سترافقُك إذا حُمِلتَ على الأعناقِ إلى حفرةٍ ضيِّقةٍ لا يتَّسعُ فضاؤها إلَّا لجسدِك وعملِك؟
إنِّي أقولُ لك: أَدْخِلْها إنِ استطعت!
أَدْخِلْ ذهبَك إلى اللَّحدِ إن استطعت، وأَدْخِلْ خزائنَك إلى البرزخِ إن استطعت، واجعلْ رشاكا نورًا في ظلماتِ القبرِ إن استطعت، ولقِّنْ مالَك أن يُجيبَ عنك حين تُسألُ عن كلِّ دمعةِ مظلوم، وعن كلِّ حقٍّ ضائع، وعن كلِّ حكمٍ جائرٍ خطَّته يدُك، وختمتْه إرادتُك.
وأَدْخِلْ سلطانَك معك إن استطعت، وادفعْ به عن نفسِك سكراتِ الموت، واصرفْ به عن جسدِك لوعةَ المرض، وأخِّرْ به ساعةً كتبها اللهُ عليك إن استطعت. فإن عجزتَ ـ ولن تستطيع ـ فاعلم أنَّ سلطانَ الدنيا كلَّه يذوبُ عند أوَّلِ خطوةٍ إلى الدارِ الآخرة.
فهناك لا سلطانَ إلَّا للحق، ولا جاهَ إلَّا للتقوى، ولا وزنَ إلَّا للعملِ الصالح، ولا شفاعةَ لذهبٍ، ولا منزلةَ لرشوةٍ، ولا حجابَ يحولُ بين العبدِ وبين عدلِ ربِّ العالمين.
يا مَن خدعتْه الدنيا بزخرفِها، وغرَّته أيَّامُها، وظنَّ أنَّ دوامَ الحالِ من المحال، لقد بعتَ الباقي بالفاني، واستبدلتَ رضوانَ الله برضا أصحابِ المصالح، وظننتَ أنَّ المظلومَ ينسى، وأنَّ زفرةَ المقهورِ تضيع، وأنَّ دعوةَ المكلومِ لا تبلغُ السماء؛ وهي، والله، تبلغُها وليس بينها وبين الله حجاب.
إنَّ العدالةَ قد تتعثَّرُ في الأرض، ولكنَّها لا تموت، وقد يفلتُ الظالمُ من حسابِ الناس، ولكنَّه لن يفلتَ من حسابِ مَن لا تخفى عليه خافية. وسيأتي يومٌ تُرَدُّ فيه الحقوقُ كاملةً غيرَ منقوصة، ويقفُ الظالمُ والمظلومُ بين يدَي قاضٍ لا يظلمُ أحدًا، ولا يقبلُ رشوةً، ولا يُحابِي قويًّا، ولا يخشى سلطانًا؛ يومَ تُبلى السرائرُ، ويُوفَّى كلُّ امرئٍ ما كسب.
فيا كلَّ مَن أُقيمَ على ثغرٍ من ثغورِ الأمانة، اتَّقِ الله، واذكرْ أنَّ المنصبَ عاريةٌ مستردَّة، وأنَّ المالَ فتنةٌ عابرة، وأنَّ العمرَ أنفاسٌ معدودة، وأنَّ القبرَ لا يتَّسعُ إلَّا لجسدِك وعملِك. أمَّا الذهبُ، والقصورُ، والحساباتُ، والنفوذُ، فسوف تخلِّفُها وراءَك، يقتسمُها الورثةُ، وتبقى أنت وحدك تُواجِهُ الحقيقةَ العارية.
أَدْخِلْها إنِ استطعت…
أَدْخِلْ أموالَك، وذهبَك، وسلطانَك، ونفوذَك إلى قبرِك إن استطعت. فإن لم تستطع ـ ولن تستطيع ـ فاعلم أنَّ خيرَ زادٍ ليومِ الرَّحيلِ عدلٌ لا يميل، وضميرٌ لا يُباع، وقلبٌ يخشى الله، ونفسٌ أنصفتِ الناسَ قبل أن تطلبَ الإنصافَ لنفسها.
وتلك كلمةُ الحقِّ التي لا يغفلُ عنها إلَّا مَن أعماه الطمعُ، وأصمَّه الهوى، وخدعتْه زينةُ الحياةِ الدنيا.
“محكمة” – السبت في 2026/7/4



