“جنايات جبل لبنان” برئاسة القاضي زلفا الحسن تنزل عقوبة “المؤبّد” بقاتل هيثم الزين في مزرعة الضهر عمدًا/علي الموسوي
المحامي المتدرّج علي الموسوي:
بعد سبع سنوات ونيّف على وقوع جريمة القتل في بلدة مزرعة الضهر الشوفية حيث أقدم المتهم مالك وديع عيد على قتل هيثم كمال الزين بإطلاق عيار ناري من نوع “التسع غلل” ذخّر بها بندقية الصيد الخاصة به من مسافة لا تزيد على المتر لمجرّد دخول المغدور مع رفاقه إلى عقاره أثناء ممارسة هواية الصيد، أصدرت محكمة الجنايات في جبل لبنان والمؤلّفة من القضاة زلفا الحسن رئيسة ووفاء تيماني مستشارة مكلّفة ونادين أبو علوان مستشارة، حكمًا معلّلًا بالوجهة القانونية توجّته بإنزال عقوبة الأشغال الشاقة المؤبّدة بالقاتل الموقوف.
ولم تكتف المحكمة بالعقوبة السجنية والتعويض المالي لورثة المغدور المدعين، والذي بلغ مئة وخمسين ألف دولار أميركي، بل قرّرت وضع القاتل في حالة الحجر طوال فترة تنفيذه للعقوبة المنزلة به.
وأسهبت المحكمة في شرح مفهوم القتل العمد بعدما صنّفت الجريمة ضمنها، فسردت الواقعات بتفاصيلها منذ أنّ جهّز القاتل نفسه وذخّر بندقية الصيد الخاصة به بعيار قاتل، مصمّمًا على طرد الصيّادين من عقاره بطريقة القتل، وليس الترهيب أو إطلاق النار في الهواء، ولم يتردّد منذ أن سمع وقع أقدام المغدور الزين على النيل منه، إذ كان يفترض به عندما التقاه أن يتحدّث معه وأن يطلب منه الخروج من كرمه، لا أن يكمل ما عزم عليه بتنفيذه فورًا، ولو فعل لاستدرك جريمة إزهاق روح لم تضرّه في شيء، إذ يبقى ما يُعتقد أنّه ناجم عن إضرار صيّاد ببستانه ومزروعاته أقلّ وطأة من قتل إنسان بريء خرج مع رفاقه لممارسة هواية صيد فعاد إلى منزله جثّة هامدة.
ولم يعدل المتهم عن فكرة القتل أو إطلاق النار تجاه من يراه في حقله، بل ثابر على تنفيذ ما قرّره مسبقًا حتّى ولو كان الواقف أمامه إنسان مثله وليس حيوانًا، وهو حاول أن يوهم المحكمة أنّه اعتقد بوجود خنزير، وما لبث أن وضع تصميمه موضع التنفيذ المكلف جدًّا.
وتوهّم المتهم عيد أنّه يمكنه الإفلات من العقاب بمجرّد عرضه على طبيبة نفسية بناء لطلبه للقول بأنّه كان واقعًا تحت تأثير مرض نفسي، لكنّ النتيجة جاءت خلافًا “لتوقّعاته”، إذ لم يثبت بالوجه الطبّي العلمي أنّه مريض نفسي أو مصاب بالعته أو الجنون.
وتوكّل المحامي سعيد الزين عن ورثة المغدور الزين، وطلب إنزال أشدّ العقوبات بالمتهم عيد الذي كان قد حضر إلى عقاره شاهرًا بندقية صيد من عيار 12 ملم ومتأبّطًا خرطوشتين الأولى من نوع تسع غلل مخصّصة لقتل الحيوانات البرية، والثانية خردق عادي، ولدى وصوله سمع خشّة وظهر فجأة شخص أمامه فوضع خرطوشة الغلل في البندقية وأطلق النار باتجاه ذاك الشخص بهدف تخويفه فأصابه وهرب من المكان تاركًا القتيل ينزف حتّى الموت بدلًا من العمل على إسعافه وخبأ خرطوشة “التسع غلل” داخل حديقة جاره ونظّف البندقية ووضعها في المرآب وكأن شيئًا لم يحصل.
وزعم المتهم بأنّه اعتقد وجود خنزير عندما أطلق العيار الناري، لكنّه هرب من العقار لأنّه كان على يقين تام بأنّه قتل إنسانًا.
ورأت المحكمة في باب القانون أنّ “استعمال المتهم بندقية معدّة بطبيعتها لإطلاق مقذوفات قادرة على إحداث الوفاة بعد أن عمد خصيصًا إلى إحضارها وتجهيزها بالذخيرة ثمّ إطلاق النار منها باتجاه المغدور من الخلف ومن مسافة تزيد على المتر وإصابته في منطقة الرقبة وهي من المناطق الحيوية في جسم الانسان، إنّما يشكّل بمجمل هذه العناصر وتكاملها دليلًا واضحًا على أنّ إرادة المتهم لم تكن متجهة إلى مجرّد التخويف أو التنبيه أو الإبعاد وإنما انصرفت إلى إزهاق روح المغدور.
وإنّ المتهم لم يطلق النار في الهواء أو في اتجاه لا يعرّض حياة المغدور للخطر، بل وجّه إطلاقه نحو جسم المغدور، فأصابه من الخلف في منطقة حيوية منه، الأمر الذي يدلّ على إرادته في إحداث النتيجة القاتلة التي تحققت بالفعل. كما أنّ ظروف القضية تفيد أيضًا بتوافر العمد بالمفهوم المقصود في الفقرة الأولى من المادة /549/ من قانون العقوبات، ذلك أنّ فعل القتل لم يكن وليد حركة مفاجئة أو ردة فعل لحظية حصلت بصورة آنية، وإنّما سبقه تصميم وإعداد تجليا في سلسلة من الأفعال المتعاقبة التي أقدم عليها المتهم قبل مباشرة التنفيذ. وهذه الأعمال المتتابعة لا تشكّل مجرّد تفاصيل مادية ملازمة لفعل إطلاق النار، بل تكشف عن مرحلة تحضيرية سبقت التنفيذ، تبلورت خلالها إرادة المتهم فأعدّ وسيلة الجريمة وانتقل بها إلى مكان وجود المغدور قبل أن يضع قراره موضع التنفيذ،
وحيث إنّ العمد لا يفترض أن يفصل بين التصميم والتنفيذ زمن طويل كما لا يشترط أن يكون التصميم قد اتخذ قبل ساعات أو أيام من الجريمة، بل يكفي أن تكون نية القتل قد نشأت واستقرت لدى الفاعل قبل التنفيذ، وأن تكون قد أتيحت له فرصة التفكير والعدول عما عزم عليه، إلّا أنّه أصرّ على قراره وتابع الأعمال المؤدية إلى تنفيذه،
وحيث إنّ المتهم منذ اللحظة التي سمع فيها أصوات الصيادين وحتى إطلاقه النار على المغدور مرّ بوقت كان في مقدوره خلاله أن يعدل عما اعتزم القيام به، فكان في وسعه ألا يحضر السلاح، أو ألّا يجهزه بالذخيرة أو ألا يتوجّه به إلى مكان الصيادين، أو أن يمتنع عن إطلاق النار بعد وصوله إليهم، إلّا أنّه مضى في جميع هذه المراحل حتى نفّذ فعلته، الأمر الذي يدلّ على ثبات التصميم واستمرار القرار الجرمي لديه وصولًا إلى تنفيذه،
وحيث إنّ العبرة في قيام العمد ليست بطول المهلة الزمنية بحدّ ذاتها، بل بما إذا كانت ظروف القضية تكشف عن أنّ الفاعل أعمل فكره في الجريمة واتخذ قرارًا سابقًا على التنفيذ وأعدّ الوسلة اللازمة لتحقيقه، وهو ما تستخلصه المحكمة في القضية الراهنة من قيام المتهم بعد سماعه أصوات الصيادين بإحضار بندقيته وتجهيزها بالذخيرة والتوجّه بها إلى مكان وجودهم ثمّ إطلاق النار على المغدور،
وحيث إنّ إقدام المتهم بعد كلّ ما تقدّم على إطلاق النار على المغدور من الخلف ومن مسافة تزيد على المتر وإصابته في منطقة الرقبة، إنّما يؤكّد أنّه عند بلوغه مرحلة التنفيذ، ظلّ مصرًّا على ما سبق أن عزم عليه، ووضع تصميمه موضع التنفيذ باستعمال الوسيلة التي كان قد أعدّها لهذه الغاية،
وحيث لم يثبت من تقرير الطبيبة النفسية المعيّنة بناء لطلب المتهم بأنّ هذا الأخير لم يكن يعاني من مرض نفسي معيّن أو من حالة من العته أو الجنون التي من شأنها التأثير على تصرفاته ودفعه إلى ارتكاب الجرائم،
وحيث تكون بذلك قد توافرت في فعل المتهم جميع عناصر جناية القتل عمدًا المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة /549/ من قانون العقوبات من حيث ثبوت قصد إرزهاق الروح من جهة، وقيام التصميم السابق والإعداد والتنفيذ من جهة أخرى،
وحيث إنّ هذه المحكمة وبعد تفنيد المعطيات المتوافرة لديها بالإستناد إلى مجمل الأدلة المعروضة أعلاه، لا سيما اعتراف المتهم في إفادته الأولى أثناء التحقيق الأوّلي بإطلاق النار على المغدور، وثبوت كونه قد خطّط للقتل من خلال تلقيم بندقيته برصاص قاتل، تخلص إلى أنّ مجمل ما ذكر ولّد لديها الإقتناع التام واليقين الكامل بثبوت إقدام المتهم على قتل المغدور هيثم الزين عمدًا،
وحيث في ضوء ما تقدّم، يقتضي تجريم المتهم بجناية المادة 549/1 من قانون العقوبات وإدانته بجنحة المادة 73 أسلحة تبعًا لثبوت حيازته لمسدّس حربي غير مرخّص،
وحيث إنّ المحكمة وبما لها من حقّ التقدير، ترى إلزام المتهم بدفع مبلغ قيمته مئة وخمسون ألف دولار أميركي للجهة المدعية كتعويض عن العطل والضرر اللاحق بها.”
“محكمة” – الجمعة في 2026/9/25



