الأخبار

النقيب أنطونيو الهاشم و”دولة المواطنة: لبنان الكبير نموذجًا”

ضمن “الحوارات الصباحية” التي يقيمها “ملتقى التأثير المدني” في فندق جفينور – روتانا الحمرا، عقد اللقاء العشرون تحت عنوان “دولة المواطنة: لبنان الكبير نموذجًا” بمشاركة قضاة ومحامين وأساتذة جامعيين وإداريين وضباط وناشطين وإعلاميين.
وقد قدّم نقيب المحامين السابق في بيروت أنطونيو الهاشم ورقة العمل التالية:
في الأول من أيلول 1920 أُعلنت دولة لبنان الكبير. لم يكن الإعلان توسيعًا جغرافيًا فقط، بل مشروعًا لتحويل جماعات متعددة إلى شعب واحد ودولة يتقدم الانتماء إليها على الانتماءات الخاصة. بعد أكثر من قرن، لم يعد السؤال هل رُسمت الحدود وقام الكيان وتحقق الاستقلال؟ بل هل نجحنا في بناء وطن للمواطنين أم وطن للطوائف؟ نجح لبنان في تثبيت حضوره السياسي والثقافي والاقتصادي، وفي إنتاج صيغ وطنية: الميثاق الوطني، الاستقلال، اتفاق الطائف، والعيش المشترك. لكن النجاح بقي ناقصًا.
بالنسبة إلى الكيان والمواطن، فقد نجحنا في بناء الكيان، لا في بناء المواطن. ونجحنا في إعلان الوطن، لا في جعل الدولة حاضرة عادلة وقادرة وحامية. الصيغة الطائفية طمأنت الجماعات في التأسيس، لكنها تحولت إلى نظام محاصصة دائم. وبدل أن تلتقي الجماعات داخل الدولة، توزعت الدولة بين الجماعات، وصارت المؤسسات امتدادًا لموازين القوى الطائفية.
أمّا الدستور والممارسة، لقد نشأ لبنان الكبير جغرافيًا، لكنه لم يصبح كبيرًا بالمواطنة. المأساة أن أبناءه بدأوا يتوقفون عن الشعور بأنه وطنهم. الدستور أعلن لبنان وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، يقوم على الحرية والعدالة والمساواة. لكن الفارق كبير بين وجود دستور وقيام دولة الدستور. الدستور يعلن المساواة، والمحسوبية تنتج التفاوت؛ ويتحدث عن الجدارة، والوظائف تُمنح بالولاء أو التوازن الطائفي. وعندما تعجز الدولة عن إيصال الحق مباشرة، يبحث المواطن عن واسطة أو زعيم أو طائفة، فيصبح الانتماء الطائفي نظام ضمان بديلًا من الدولة.
المواطنة الحيّة، ليست خطبةً في عيد الاستقلال، وليست حبّ العلم والنّشيد في المناسبات، بل مستشفى لا يسأل عن الطائفة، ومدرسة جيدة، وقضاء لا يعرف هاتف السياسي، ووظيفة للأكفأ، وقانون يتساوى أمامه الجميع. وعندما تصبح الدولة عادلة، يصبح الانتماء إليها طبيعيًا. أخفقنا أيضًا في بناء السيادة الكاملة والمستقرة، وفي بناء ذاكرة وطنية مشتركة. لكل جماعة حربها وشهداؤها وخوفها وروايتها. لكن الأوطان لا تقوم إذا بقي كل فريق يبكي موتاه وحده. المصالحة تبدأ حين نتذكر معًا، والعيش المشترك شراكة في الألم والكرامة والمسؤولية والمصير. إنّ بناء المواطنة يبدأ من الطفل، وأن يعرف الآخر شريكًا لا خصمًا، وأن يتعلم الدستور كعهد للحياة المشتركة. المطلوب ألا تكون الطائفة سلطة تحل محل الدولة، بل بيتًا روحيًا واجتماعيًا. والانتقال من الطائفة إلى المواطنة عودة إلى الدستور، لا خروج عليه. أمضينا زمنًا طويلًا نسأل عن حصة الطوائف. آن الأوان لنسأل: ما حصة المواطن من لبنان؟ من العدالة والتعليم والصحة والأمن والكرامة والأمل والمستقبل؟ فما نفع أن تكون جماعتك قوية إذا كان وطنك ضعيفًا؟
إنّ أخطر مؤشرات الإخفاق تظهر في المطارات: شباب يحملون حقائبهم وشهاداتهم. هذه ليست هجرة فقط، بل استفتاء صامت على الوطن. لكن العودة إلى المواطنة ليست مستحيلة. لبنان لا يحتاج إلى حدود جديدة، بل إلى مواطن جديد: كبير بحريته وكرامته وحقوقه، يرى في المختلف عنه شريكًا في الوطن لا خطرًا عليه. عندها يصبح الدستور أكثر من نص، والمواطنة أكثر من شعار، ولبنان وطنًا بحق.
“محكمة” – الاربعاء في 2026/10/7

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!