علم وخبر

بين بيان مجلس القضاء الأعلى والواقع: من المسؤول عن إبطال قانون تنظيم القضاء العدلي؟.. ومبارك للقاضي أحمد رامي الحاج/عليا المعلم

المحامية عليا المعلم:
يوم الخميس الواقع فيه 30 نيسان 2026، وقُبَيل انعقاد جلسة مجلس الوزراء التي كان من المعروف أنه سيتمّ خلالها تعيين النائب العام لدى محكمة التمييز ورئيس هيئة التفتيش القضائي، إلتأم مجلس القضاء الأعلى وخرج ببيان، في سابقة لم يشهد الرأي العام مثلها، إذ لم يُصدِر مجلس القضاء الأعلى بيانات مماثلة قبل جلسات مجلس الوزراء التي حصلت خلالها تعيينات في مواقع قضائية أخرى.
لا يُخفى على المُتابِع أن سبب هذا الاجتماع والبيان هو تعيين النائب العام لدى محكمة التمييز (أسماه البيان، بشكل غير دقيق ومخالف لقانون أصول المحاكمات الجزائيّة، “مدعٍ عام لدى محكمة التمييز”!)، إذ إنه ذُكِرَ في أكثر من مكان في وسائل الإعلام أن رئيس مجلس القضاء الأعلى يُعارض بشدّة تعيين القاضي أحمد رامي الحاج في هذا المركز، ولم يَصدُر أي نفي حول هذا الموضوع من أي مرجع.
ما يهمُّنا في هذا البيان، هو أن مجلس القضاء الأعلى، بعد الإشادة بدور رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس الوزراء ووزير العدل في إقرار قانون تنظيم القضاء العدلي، بدا وكأنه يبحث عن دورٍ في عمليّة تعيين النائب العام لدى محكمة التمييز، لا تُقرّه له المادة 13 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة التي حصل التعيين بالاستناد إليها، وذلك في محاولة للإستناد إلى ما كان ينصّ عليه قانون تنظيم القضاء العدلي من أنه هو المرجع في تسمية ثلاثة قضاة لهذا المركز ويختار مجلس الوزراء واحداً منهم.
يشير المجلس في بيانه إلى أن هذا القانون الأخير “أُبطِل بموجب قرار صادر عن المجلس الدستوري”، ولعلّه من المُفيد هنا التذكير بالسبب الذي أبطل المجلس الدستوري القانون بالاستناد إليه، كي لا يعلق في ذهن الرأي العام أن قرار المجلس الدستوري هو المشكلة، وكي لا تُحرَف الأنظار عن المسؤوليّات التي يجب أن تترتَّب عن إبطال القانون، وذلك بغض النظر عن موقفنا منه، وقد أعربنا عن ذلك بمقال منشور في موقع “محكمة” بتاريخ 2026/2/25 بعنوان: “قرار المجلس الدستوري بإبطال قانون تنظيم القضاء العدلي: وزير العدل يُمثّل مجلس القضاء الأعلى في اجتماعات لجنة الإدارة والعدل!”
إن سبب إبطال القانون هو أن وزير العدل مثَّل مجلس القضاء الأعلى في الاجتماعات الأخيرة للجنة الإدارة والعدل المُعدّة لمناقشة هذا القانون بناءً على طلب رئيس مجلس القضاء الأعلى، ولم نعرف لغاية الآن ما إذا كان قرار رئيس مجلس القضاء الأعلى لهذه الجهة هو قرار فردي صادر عنه أم أن هناك قراراً صدر رسميّاً وأصولاً عن مجلس القضاء الأعلى وأبلغه رئيس مجلس القضاء الأعلى من الوزير ومن رئيس لجنة الإدارة والعدل.
إستناداً إلى هذه المخالفة الجسيمة، أبطل المجلس الدستوري القانون، وأورد الحيثيّة التالية، التي تنطوي على درس يُفترَّض أن يُلمَّ به من هم معنيّون باستقلال السُلطة القضائيّة: “وحيث فضلاً عن ذلك، إنّ مسألة تكليف وزير العدل بتمثيل مجلس القضاء الأعلى بإبداء الملاحظات لا تنسجم مع الغاية الأسمى للقانون المطروح ألا وهي استقلاليّة السلطة القضائيّة وفصلها عن السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة، وعن التدخل السياسي…”.
إذاً، إن “دولة القانون والمؤسسات” التي ينشدها مجلس القضاء الأعلى في مُستهلّ بيانه كان من المُفترَض أن تبدأ من هنا؛ من حضور ممثّل عنه من قضاته أو من القضاء العدلي أثناء مناقشة القانون الذي يُفترَض أنه يُشرَّع لتحديد دقائق استقلاليّة هذا القضاء، ويبدي كلّ ما يلزم من آراء وحجج تُعزّز هذه الاستقلاليّة، لا أن يكون تمثيله مُستغرَقاً بوزير العدل، الذي هو أحد أركان السُلطة التنفيذيّة؛ فهل يُمكن لأي منطق أن يتصوَّر سُلطة تُمثّلها سُلطة أخرى في دولة يقوم نظامها على مبدأ فصل السُلطات؟ وكيف إذا كان الموضوع يتعلّق بالسعي إلى تكريس استقلال السُلطة المُمثَّلة عن السُلطة المُمثِلة.
ولو حصل ذلك، لانتفى سبب إبطال القانون، ولما كان مجلس القضاء الأعلى بحاجة إلى بيان يضمنّه ما يشبه “التمني”، حتى لا نقول شيئًا آخر، على السُلطة التنفيذيّة لاستطلاع رأيه أو إلى زيارات واتّصالات لإيصال آراء رئيسه وبعض أعضائه إلى المراجع المعنيّة بالتعيين، ولكان رشّح ثلاثة قضاة لتولّي مركز النائب العام التمييزي بصورة رسميّة وشفافة وعيَّن مجلس الوزراء واحداً منهم. فتكون المسؤوليّة المباشرة في عدم تحقيق “أمنيته”، في حدّ أدنى، على رئيسه، الذي، بحسب قرار المجلس الدستوري، اتّخذ قرار التمثيل بواسطة وزير العدل، ما أدى إلى إبطال القانون.
يبقى أن أخطر ما في بيان مجلس القضاء الأعلى، التشكيك المسبق باستقلالية النائب العام لدى محكمة التمييز، بصرف النظر عن القاضي الذي اختاره مجلس الوزراء لتولي هذا المنصب الحساس. والمفارقة في ذلك أن من عيّنته السلطة السياسية في منصبه، وفقاً لما ينصّ عليه الدستور والقانون، قرر التشكيك، مسبقاً، باستقلالية قاضٍ عيّنته السلطة ذاتها، بالطريقة عينها. إزاء ذلك، يصبح من واجبنا، نحن أبناء العدلية، اعتبار أن أي قاضٍ تولى هذا المنصب هو مستحِق، قانوناً ودستوراً.
وبناءً عليه نقول: مبارك للنائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج.
“محكمة” – السبت في 2026/5/2

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!