أبرز الأخبارعلم وخبرميديا

“إتهامية بيروت” غير المختصة للبتّ باستئناف ردّ إخلاء السبيل: قرارات المحقّق العدلي تقبل الطعن/علي الموسوي

كتب علي الموسوي:
هل يمكن استئناف قرارات المحقّق العدلي برفض أو قبول إخلاء سبيل أيّ موقوف في أيّ قضية عالقة أمامه وقيد التحقيق الإستنطاقي لديه والمتابعة منه؟
وهل أمر النظر في هذا الاستئناف سلبًا أم إيجابًا يدخل ضمن صلاحية الهيئة الاتهامية في بيروت كون مقرّ وجود المحقّق العدلي يقع في قصر العدل في بيروت، أمّ أنّه يتعدّاها لانعدام النصّ القانوني الواضح والصريح والملزم، وخلو قانون أصول المحاكمات الجزائية من إشارة واحدة ولو تلميحًا على أقلّ تقدير، من مواد وأحكام قانونية تضبط عمل المحقّق العدلي لجهة مسألة الجهة القضائية المخوّلة النظر في قراراته كافة وليس إخلاء السبيل وحسب؟
ولماذا لم يجر الإلتفات إلى هذه الثغرة التشريعية طوال السنوات الماضية، ولم يتحرّك أحد من المشرّعين لمعالجتها بالشكل المناسب؟
وهل هو إصرار سياسي مبطّن بالتشريع على إبقاء المحقّق العدلي بغضّ النظر عن اسمه والملفّ المعروض عليه، فوق القانون ورهن إشارة الرياح السياسية كلّما هبّت وحتّى ولو تغيّرت العهود السياسية؟
وهل الإختصاص النوعي والمكاني معطى للهيئة الإتهامية في بيروت أو سواها من الهيئات الإتهامية الموجودة في بقيّة المحافظات اللبنانية لقول كلمة الفصل في أيّ استئناف لأيّ قرار يصدره المحقّق العدلي؟
إنّ ما استرعى إعادة طرح هذه الأسئلة الضرورية، إضطرار الهيئة الإتهامية في بيروت إلى الإطلاع على استئناف طلب إخلاء سبيل قدّم إليها من الرئيس السابق للجنة المؤقّتة لإدارة واستثمار مرفأ بيروت المهندس حسن كامل قريطم الموقوف في ملفّ انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، فقدّمت جوابًا قانونيًا معلّلًا خلصت فيه إلى ردّ هذا الإستئناف في الشكل، ليقينها بأنّها غير مختصة لا نوعيًا ولا مكانيًا لبتّ هذا الاستئناف، وبأنّها ليست المرجع الصالح لأداء هذا الدور، في ظلّ انتفاء النصّ القانوني الذي يوليها هذه المهمّة.
ولا شكّ أنّ تفرّد المحقّق العدلي بإطالة أمد التوقيف الإحتياطي لأيّ موقوف لديه من دون وجود مرجع قضائي محدّد بشكل جلي يصحّح الخطأ في حال وقوعه أو وجوده، يتعارض مع حقوق الإنسان، فليس بالضرورة أن يكون كلّ مدعى عليه موقوف في واحدة من دعاوى “الاعتداء على أمن الدولة والجنايات ذات الخطر الشامل” في حال تطابق هذا الوصف الوارد في متن المادة 108 أ.م.ج. مع الإنفجار في مرفأ بيروت، وهو ليس كذلك بحسب ما يرشح من مندرجات التحقيق، من فئة الأشخاص الخطرين. وثمّة أسبقيات في قضايا أحيلت على محقّقين عدليين وأظهرت المحاكمات لاحقًا عدم وجود أيّة صلة لهم بالجريمة التي كانوا يحاكمون بسببها بصورة وجاهية، ومنها قصّة التوقيف الشهيرة للفلسطيني يوسف شعبان في جريمة اغتيال الدبلوماسي الأردني في بيروت عمران المعايطة، فبقي سنوات خلف قضبان السجن إلى أن ظهرت الحقيقة على يد القضاء الأردني واستدعت تعديلًا قانونيًا لبنانيًا للفقرة الثانية من المادة 366 أ.م.ج. بجعل أحكام المجلس العدلي قابلة للإعتراض وإعادة المحاكمة أمام المجلس نفسه بعدما كانت فقط “غير قابلة لأيّ طريق من طرق المراجعة العادية وغير العادية” وفق منطوق القانون رقم 711 تاريخ 9 كانون الأوّل 2005.
وتوقّفت الهيئة الإتهامية أمام مضمون المادة 362 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تنصّ على أنّ “للمحقّق العدلي أن يصدر جميع المذكّرات التي يقتضيها التحقيق دون طلب من النيابة العامة. إنّ قراراته في هذا الخصوص لا تقبل أيّ طريق من طرق المراجعة”، لتجد أنّ كلّ قرارات المحقّق العدلي تقبل طرق المراجعة والطعن باستثناء تلك المتعلّقة بمذكّرات التوقيف، وبالتالي “لا يمكن اعتبار قرار تخلية السبيل من قبيل المذكّرات التي يصدرها المحقّق العدلي والتي لا تقبل أيّ طريق من طرق المراجعة” كما أوردت الهيئة الإتهامية، ولكنّ المشرّع لم يحدّد الجهة القضائية التي يمكن اللجوء إليها للبتّ طعنًا بأيّ استئناف كما هو حال استئناف ردّ طلب إخلاء السبيل، لذلك ارتأت الهيئة الإتهامية في بيروت أنّها مرجع قضائي استئنافي محصورة مهامه بالنظر والبتّ في ما يصدره قاضي التحقيق دون المحقّق العدلي، من قرارات، ولا تملك الإختصاص المكاني والنوعي لإعطاء موقف قانوني من ردّ المحقّق العدلي طلب إخلاء سبيل الشخص الموقوف وهو هنا حسن قريطم.
وبمعنى أوضح، لا يمكن للهيئة الإتهامية في بيروت أو في أيّ محافظة أخرى، أن تنظر في ما يصدره المحقّق العدلي من قرارات لأنّها ليست مرجعًا قضائيًا صالحًا للعب هذا الدور ما دام المشرّع لم يعطها هذه الوظيفة ولم يعيّن في الأصل هذه الجهة، وإنْ كان المنطق يقول بأنّه المجلس العدلي لضبط عمل المحقّق العدلي ولجم تصرّفاته إذا ما حادت عن جادة الصواب.
وتجدر الإشارة إلى أنّه سبق للهيئة الإتهامية في بيروت أن أصدرت قرارًا في ما يتعلّق باستئناف ردّ إخلاء سبيل محمّد المولى الموقوف في قضيّة انفجار مرفأ بيروت واستفاضت في تعليلها ونشرته “محكمة” أيضًا تحت عنوان:”صلاحيات خارقة للمحقّق العدلي و”اتهامية بيروت” غير مختصة للنظر باستئناف قراراته”.
“محكمة” تتفرّد بنشر كامل القرار الجديد للهيئة الإتهامية في بيروت لما فيه من إضافات قانونية، وذلك على الشكل التالي:
إنّ الهيئة الاتهامية في بيروت المؤلّفة من القضاة، الرئيس ماهر شعيتو والمستشارين جوزف بو سليمان ومحمّد شهاب منتدبًا،
لدى التدقيق والمذاكرة،
وبعد الإطلاع على الأوراق كافة،
تبيّن أنّ المدعى عليه حسن محمّد كامل قريطم، وكيله المحامي خليل شباني، قدّم بتاريخ 2021/12/14 أمام هذه الهيئة استئنافًا طعنًا في القرار الصادر عن المحقّق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت المنتهي إلى ردّ طلب إخلاء سبيله، والذي يطلب بموجبه قبول استئنافه شکلًا وأساسًا وفسخ القرار المستأنف ورؤية الدعوى وإصدار القرار بإخلاء سبيله، مدليًا بأنّ المادة 364 أصول محاكمات جزائية تُبقي على الهيئة الاتهامية كمرجع صالح للنظر باستئناف القرارات الصادرة عن المحقّق العدلي باستثناء قرار الاتهام الذي يُحال مباشرة إلى المجلس العدلي، وأنّ ما أوردته المادة 362 أصول جزائية يُفهم منه بشكل واضح أنّ ما لا يقبل الاستئناف من قرارات المحقّق العدلي هو فقط القرارات التي يُصدر المذكّرات بموجبها، أمّا سوى ذلك من القرارات فإنّه يخضع لأصول الطعن العادية المنصوص عليها في المواد 135 حتّى 139 أصول جزائية، وبالتالي فإنّ القرار المستأنف راهنًا يقبل الاستئناف وتحديدًا أمام الهيئة الاتهامية في بيروت كون مركز المحقّق العدلي هو في بيروت، كما أنّ الأعمال الجرمية محلّ الملاحقة الراهنة حصلت في بيروت، وأنّ التنازع الإيجابي للصلاحية لا ينزع الصلاحية تلك، وأضاف أنّ حالة التحقيق الراهنة وعدم ارتكاب المدعى عليه لأيّ جرم ومدّة توقيفه، توجب إجابة طلب تخلية سبيله فورًا وتاليًا فسخ القرار المستأنف،
وأنّ النيابة العامة التمييزية أبدت رأيها بتاريخ 2021/12/16 تاركة الأمر لتقدير الهيئة،
في الشكل:
حيث إنّ البحث في الطلب الراهن يستلزم بداية بحثًا في مدى قابلية القرار المستأنف للطعن، وفي حال الإيجاب، الإنتقال للبحث في مدى صلاحية الهيئة الاتهامية للنظر في الطعن المذكور،
وحيث إنّ البحث في النقطة الأولى يوجب عرض النصوص التي ترعى عمل المحقّق العدلي،
وحيث إنّ قانون أصول المحاكمات الجزائية نظّم عمل المحقّق العدلي في الباب الخامس من القسم السادس منه تحت عنوان “المجلس العدلي” من خلال المواد من 355 إلى 367،
وحيث من خلال استعراض نصوص المواد تلك، يتبدّى أنّ المشرّع أحال على المجلس العدلي بناء على مرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء، جرائم محدّدة للنظر فيها، وأورد أنّ التحقيق يتولّاه قاضٍ يعيّنه وزير العدل بناء على موافقة مجلس القضاء الأعلى أسماه “المحقّق العدلي”، على أن يتولّى النائب العام التمييزي أو من ينيبه عنه من المحامين العامين، مهام تحريك الدعوى العامة واستعمالها، وقد أوردت المادة 362 أ.م.ج. ما حرفيته: “للمحقّق العدلي أن يصدر جميع المذكّرات التي يقتضيها التحقيق دون طلب من النيابة العامة. إنّ قراراته في هذا الخصوص لا تقبل أيّ طريق من طرق المراجعة”، في حين أوردت المادة 363 أنّ المحقّق العدلي يطبّق الأصول المتبعة لدى قاضي التحقيق، وأنّه بعد اكتمال التحقيقات وإبداء النيابة العامة التمييزية مطالعتها في الأساس، يُصدر قراره إمّا بمنع المحاكمة عن المدعى عليه أو إتهامه وإحالته على المجلس العدلي، على أن تراعى في قرار الاتهام الصادر، الأصول التي تنظّم وضع مضبطة الاتهام من قبل الهيئة الاتهامية، وعلى أن يُصدر مذكّرة إلقاء قبض في حقّ المتهم،
وحيث يتبيّن من استعراض النصوص المذكورة أعلاه، أنّ المشرّع لم يورد على الإطلاق في أيٍّ من المواد المتعلّقة بعمل المحقّق العدلي، نصًّا يذكر فيه أنّ القرارات الصادرة عن الأخير لا تقبل أيّ طريق من طرق المراجعة، خلافًا لحال قرارات المجلس العدلي،
وأنّ جُلّ ما ذكره في هذا الصدد ما أوردته المادة 362 الآنفة الذكر والتي ورد فيها صراحة أنّ المحقّق العدلي يُصدر جميع المذكّرات التي يقتضيها التحقيق، وأنّ قراراته في هذا الخصوص لا تقبل أيّ طريق من طرق المراجعة، ما يُفهم منه أنّ سائر القرارات التي يُصدرها خلافًا للمذكّرات تلك، تقبل طرق المراجعة وإلّا فما الغاية من العبارة الصريحة الواردة في متن النصّ المذكور وهي “قراراته في هذا الخصوص”، وأنّ القول بخلاف ما تقدّم وبأنّ جميع قرارات المحقّق العدلي لا تقبل أيّ طريق من طرق المراجعة، فيه تجاوز للحصر الصريح المنصوص عليه في المادة 362، كما أنّه يحمل تأويلًا لأمر لم يرد عليه أيّ نصّ، سيّما وأنّ الأصل وحمايةً لحقوق الدفاع، هو قابلية القرارات للطعن، والإستثناء هو المنع،
وحيث يضاف إلى ما تقدّم أنّ قرار تخلية السبيل الذي يُصدره المحقّق العدلي أو أيّ قاضي تحقيق، يعدّ قرارًا قائمًا بذاته ترعاه أصول محدّدة، وحالة قانونية مختلفة كلّيًا عن حالة إصدار المذكّرات ومنها مذكّرة التوقيف المقصودة بالمادة 362 أ.م.ج.، بمعنى أنّه لا يمكن اعتبار قرار تخلية السبيل من قبيل المذكّرات التي يصدرها المحقّق العدلي والتي لا تقبل أيّ طريق من طرق المراجعة،
هذا من نحو أوّل،
وحيث من نحو ثان، فإنّ المشرّع من خلال تخصيصه بابًا خاصًا بالمحقّق العدلي ضمن قانون أصول المحاكمات الجزائية، يُظهر أنّ نيّته اتجهت إلى خلق کیان قائم بذاته لقاضٍ يعيّنه وزير العدل بموافقة مجلس القضاء الأعلى للنظر في قضيّة محدّدة من تلك المقرّر إحالتها على المجلس العدلي سُمّي “محقّق عدلي” لا قاضي تحقيق، روعي في عمله الأصول المتبعة لدى قاضي التحقيق، وقد تبيّن بما صار ذكره أعلاه أنّ قراراته تقبل الطعن باستثناء ما ورد عليه نصّ صريح معاكس، ودون تحديد من قبل المشرّع للجهة التي يقدّم إليها الطعن، والتي لا يمكن تحديدها بالهيئة الاتهامية على اعتبار أنّ الهيئات الاتهامية بشكل عام، وبالإستناد إلى نصّ المادة ۱۲۸ من قانون أصول المحاكمات الجزائية، هي مرجع استئنافي للنظر في القرارات الصادرة عن قضاة التحقيق بشكل حصري، كما أنّها مرجع للنظر في كلّ ما يرد عليه نصّ خاص بهذا الخصوص، يضاف إلى ذلك أنّه لا يمكن أيضًا اعتبار أنّ الهيئة الاتهامية في بيروت على وجه الخصوص هي المرجع الصالح للنظر باستئناف قرار المحقّق العدلي المتعلّق بإخلاء السبيل على ما يورده المستأنف في طعنه الراهن لعدم إيراد المشرّع لنصّ خاص يوليها مثل هكذا صلاحية كما فعل بخصوص بعض القرارات التي يصدرها قاضي التحقيق العسكري،
وحيث تبعًا لعدم ورود نصّ محدّد يولي الهيئة الاتهامية في بيروت الاختصاص النوعي والمكاني للنظر بالإستئناف الراهن، لا تكون هذه الهيئة المرجع الصالح للنظر باستئناف قرار ردّ طلب إخلاء السبيل الصادر عن المحقّق العدلي، الأمر الذي يفضي إلى ردّ استئناف المدعى عليه شكلًا،
لذلك
تقرّر بالاتفاق:
أولًّا: ردّ الاستئناف شكلًا، وإبلاغ من يلزم،
ثانيًا: تدريك المدعى عليه الرسوم والنفقات القانونية،
ثالثاً: إيداع الأوراق مرجعها بواسطة جانب النيابة العامة التمييزية.
قرارًا صدر في غرفة المذاكرة في بيروت بتاريخ 2022/1/27
“محكمة” – الجمعة في 2022/1/28
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً على أيّ شخص، طبيعيًا كان أم معنويًا وخصوصًا الإعلامية ودور النشر والمكتبات منها، نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر، مع وجوب ذكر إسم موقع “محكمة” الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، كما يمنع نشر وتصوير أيّ خبر بطريقة الـ”screenshot” وتبادله عبر مواقع التواصل الإجتماعي وتحديدًا منها “الفايسبوك” و”الواتساب”، ما لم يرفق باسم “محكمة” والإشارة إليها كمصدر، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!