مقالات

التمييز بين المرأة والرجل في القانون اللبناني/ملاك خضر

المحامية المتدرّجة ملاك خضر:
ولد لبنان كدولة وككيان سياسي في الأوّل من أيلول عام ١٩٢٠، إلّا أنّ لبنان ذاته المولود منذ آلاف السنين والذي ورد اسمه في العهد القديم ٧٥ مرّة كأسطورة خالدة وكرمز للجمال، وسمّيت عاصمته بيروت بـ”أم الشرائع” و”مرضعة القوانين” أيّام الرومان، ولبنان الذي عُرف في العهد الحديث بـ”سويسرا الشرق” والذي يرى محيطُهُ العربي فيه رمزاً للتحضر والانفتاح، لبنان هذا، قوانينه ما زالت تقوم على التمييز بين المرأة والرجل في صورة رجعية تخطف من “أمّ الشرائع” صورتها المتحضرة حيث يمنح القانون اللبناني الذكر حقوقًا تفوق حقوق الأنثى اللبنانية، فدعونا نتعرّف إلى بعض أماكن هذا التمييز الجنسي بين اللبنانيين.
نبدأ من قانون الجنسية حيث تُكْتَسب الجنسية اللبنانية عن طريق الأبوة، ما يعني أنّ أولاد الذكر اللبناني هم حتمًا، لبنانيون، بينما أولاد الأنثى اللبنانية لا يحملون جنسية والدتهم، حتّى أنّ القانون ذاته يسمح للرجل اللبناني بمنح زوجته غير اللبنانية بعد سنة من زواجهما الجنسية اللبنانية، بينما المرأة اللبنانية لا يمكنها منح زوجها غير اللبناني جنسيتها.
وهذا ما كرّسه أيضًا، قانون استعادة الجنسية الصادر عام ٢٠١٥ والرامي إلى استعادة المتحدّرين من أصول لبنانية لجنسيتهم اللبنانية، والذي حصر هذا الحقّ بالمتحدّرين من أب أو جدّ فقط.
أمّا على صعيد قانون العقوبات اللبناني، فإنّ المادة ٥١٨ منه، أعطت الذكر الذي يرتكب جرم اغواء فتاة بقصد الزواج ويفقدها عذريتها، عذرًا يمحو عنه العقوبة عبر زواجه منها بشروط معيّنة. والمحزن في الأمر أنّ المادة ذاتها التي كرّست استغلال الفتاة وجعلت الزواج وسيلة للهروب من العقوبة، نصّت على أنّه لا يقبل إثبات الجرم إلّا بالرسائل والوثائق الأخرى التي كتبها المجرم.
أمّا قوانين الأحوال الشخصية للطوائف، والتي شكّلت خرقًا فادحًا لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة والتي صادق عليها لبنان عام ١٩٩٦، فتتعرّض النساء لأشدّ أنواع التعذيب والتمييز خصوصًا على صعيد حضانة أطفالهنّ، إذ تميّز أيضًا قوانين الطوائف بين الأطفال الذكور والإناث من حيث عمر كلّ واحد منهم عند الحديث عن حضانتهم، فتبلغ سنتان للذكر و٧ للأنثى لدى المحاكم الشرعية الجعفرية، ومن ٧ إلى ٩ للذكور ومن ١٢ إلى ١٤ للإناث عند الدروز.
أمّا على صعيد التمييز بين المرأة والرجل لناحية العمل السياسي، فإنّ حضور المرأة خجول جدًّا، لا شكّ أنّ لا قانون يمنعها من المشاركة، ولكن لا يوجد قانون يكرّس حقّها بـ”كوتا” نسائية تفرض نفسها في العمل السياسي الذي يديره رجال غير كفوئين وصل معهم لبنان إلى الإفلاس! ما يجعل الأمل اليوم بعنصر نساء فاعل في المشهد السياسي اللبناني، وما يكرّس معه أيضًا الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها لبنان خصوصًا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
إنّ القانون هو صورة عن المجتمع، فالمجتمع اللبناني الذي لا زال يميّز بين عمل يعتبره شائنًا إنْ صدر عن امرأة، وطبيعيًا عندما يصدر عن رجل، والمجتمع هذا الذي يميّز أيضًا في سوق العمل حيث يمنح على العمل ذاته الرجلَ أجرًا أعلى من أجر المرأة، والمجتمع الذي لا زال يعيب على المرأة ما لا يعيبه على الرجل، يجب أن يتطوّر كي تتطوّر معه القوانين اللبنانية لتعود “أمُّ الشرائع” وتضيء من جديد.
“محكمة” – الإثنين في 2022/4/10

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!