مقالاتميديا

توصيف النيابة العامة لـ”حادثة حمّانا” غير قانوني/ديالا شحادة

المحامية ديالا شحادة:
فاجأنا قبل يومين، خبر توقيف خمسة أشخاص بينهم طفل وقاصرَان، لقيامهم بنزع طرف يافطة حزبية معلّقة على مدخل مركز التيّار الوطني الحرّ في حمانا (من دون تمزيقها، كما أظهر الفيديو المتداول من كاميرا مراقبة مركز الحزب المذكور).
والمفاجأة متعدّدة الأسباب،
أوّلُها أنّه تمّ توقيف الأشخاص الخمسة من منازلهم وكأنّهم ارتكبوا جرماً خطيراً، فيما أنّه لا يمكن إيجاد توصيف لفعل فكّ طرف يافطة معلّقة على مدخل عقار خاص سوى في موجب جرم المادة /733/ من قانون العقوبات المعدّل:”كلّ من هدم أو خرّب قصداً شيئاً يخصّ غيره ممّا لم يعيّن في هذا الباب، يعاقب بغرامة لا تتجاوز قيمة الضرر على أن لا تنقص عن عشرين ألف ليرة. وإذا كانت قيمة الشيء المتلف أو الضرر الناجم يتجاوز العشرين ألف ليرة، فيمكن علاوة على الغرامة أن يحبس الفاعل مدّة لا تفوق الستّة أشهر”، أيّ أنّ الجرم من نوع محاولة الجنحة البسيطة غير المعاقب عليها بالحبس سوى عند وقوع “تلف” بملك الغير (اليافطة الحزبية). وهو ما لم يتوفّر أيّ دليل عليه.
وكان الأجدى بالنيابة العامة الممثّلة للحقوق العامة التصرّف بعقلانية ومساواة بين الناس عبر استدعاء الأشخاص المشكو من فعلهم للتحقيق معهم، بدلاً من تكريس الانتهاكات الصارخة لحقوقهم بالإبقاء عليهم موقوفين في مخفر حمانا (تمّ توقيفهم من دون إشارة قضائية من قبل شرطة البلدية التي عادت وسلّمتهم إلى مخابرات الجيش (!) التي سلّمتهم إلى مخفر حمّانا بعد امتناع النيابة العامة العسكرية عن الادعاء عليهم لعدم الاختصاص العسكري).
إنّ أيّ توقيف لأيّ شخص من دون إشارة قضائية يُعدّ مخالفاً للقانون ومتجاوزاً لاستعمال الحقّ وحجزاً غير مشروع للحرّية ويُعرّض مرتكبها للملاحقة الجزائية، عدا عن أنّ النيابة العامة أهملت أصول التوقيف الخاصة بالأحداث لجهة ضرورة استدعاء ذويهم وإبلاغ اتحاد حماية الأحداث فور توقيفهم لإرسال مندوب/ة عنه.
السبب الثاني للمفاجأة، هو أنّ النيابة العامة “استدعت” بعد ساعات فقط من توقيف الفاعلين صاحب الصفة والمصلحة في الضرر الواقع، ممثّل الحزب ومركزه المُستهدف، إلى مخفر حمّانا، وقد أبدى الأخير عدم رغبته بالادعاء، أيّ أنّ النيابة العامة تأهّبت بشكلٍ استثنائي في فعل جنحي بسيط (محاولة نزع/تخريب يافطة) لم يؤدِّ إلى أيّ تلف في مُلك خاص، وأوقفت الفاعلين من دون وجود أيّ ادعاء شخصي ولا حتّى بضررٍ معنوي.
والسبب الثالث والأكبر للمفاجأة، هو أنّ النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، في “بيانها” الذي أصدرته لتحاول احتواء استهجان الرأي العام للتوقيف غير المسبوق في فعلٍ سخيف كهذا، أوضحت بأنّها وصّفت الجرم على أنّه إثارة للنعرات أو حضّ على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمّة، بحسب المادة /317/ عقوبات التي تقول: “كلّ عمل وكلّ كتابة وكلّ خطاب يقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحضّ على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمّة يعاقب عليه بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من مئة إلى ثمانمائة ألف ليرة…” (!!).
ألم تلحظ النيابة العامة أنّ جميع صور الزعماء السياسيين تمّ تمزيقها ونزعها عن أحياء طرابلس والشمال من دون أن تتحرّك النيابة العامة في محكمتها؟
هل تعتبر النيابة العامة في بعبدا أنّ قرينتها في طرابلس أهملت واجبها في ضبط أفعال “إثارة نعرات طائفية” أو “حضّ على النزاع بين عناصر الأمّة”؟
ألم تلحظ النيابة العامة أنّ الدستور كفل حرّية التعبير عن الرأي بحيث يحقّ لأيّ مواطن أن يبدي عدم تأييده لحزبٍ أو لزعيم أو مسؤولٍ سياسي من دون أن يكون قد ارتكب جرم إثارة النعرات والحضّ على النزاع؟
بلى، لحظت النيابة العامة في بعبدا ذلك ومن هنا استدعت المتضرّر الشخصي في محاولة لتبرير التوقيف المُعيب، ولكنّه امتنع عن الادعاء فكان لا بدّ من إيجاد توصيف آخر للفعل يمسّ بالمصلحة العامة بما يعلّل التوقيف، ومن هنا البدعة المُدهشة لتوصيف الفعل بالمادة /317/ عقوبات.
“محكمة” – الإثنين في 2019/11/25

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!