أبحاث ودراساتأبرز الأخبارميديا

أوضاع العاملات المنزليات المهاجرات في لبنان/إسراء زين الدين

إعداد إسراء زين الدين:
صدر قانون العمل اللبناني عام 1946 وتضمّن مواد تنظّم علاقات العمل بين ربّ العمل والأجير بحيث يهدف إلى حماية العامل باعتباره الطرف الضعيف وذلك بضمان حدّ أدنى لحقوقه.
إلاّ أنّ المادة السابعة منه نصّت على الفئات المستثناة من هذا القانون ومنها الخدم في بيوت الأفراد، ليبقى الخدم بذلك دون سقف قانوني يحميهم. قد يعود سبب خروجهم من دائرة حماية هذا القانون إلى خروج الخدم عن مفهوم الأجير المنصوص عنه في قانون العمل اللبناني بحيث يعرّف الأجير بأنّه كلّ رجل أو امرأة أو حدث يشتغل بأجر عند ربّ عمل في مشروع تجاري أو صناعي أو زراعي. أمّا الخدم فيعملون في المنزل أيّ ليس في مشروع تجاري أو صناعي أو زراعي.
لا يخفى على أحد الوضع السيء للعاملات المنزليات المهاجرات في لبنان ممّا دفع عددًا منهنّ للإنتحار، وإلى منع بعض الدول مواطناتها من القدوم إلى لبنان للخدمة المنزلية. وقد أدّت الأزمة الإقتصادية إضافة إلى تفشّي “كورونا” إلى تدهور كبير في أوضاعهنّ، وأبلغت كثيرات منهنّ عن زيادة الإنتهاكات خلال الحجر الصحّي أو عدم دفع أجورهنّ خاصة وأنّها بالدولار الأميركي، كما قام العديد من أصحاب العمل بترك العاملات أمام قنصليات أو سفارات بلدانهنّ وفي بعض الحالات بدون مال أو جواز سفر وبدون تذكرة عودة للعاملات اللواتي لا يمكنهنّ تحمّل تكاليف الرحلة إلى بلدانهنّ.
نتيجة لذلك، لا بدّ من تسليط الضوء على الوضع القانوني للعاملات المنزليات المهاجرات في لبنان.
بدايةً لا بدّ من الإشارة إلى ارتفاع عدد العاملات المنزليات بشكل ملحوظ بحيث تعمل في لبنان حوالي 250 ألف عاملة منزلية مهاجرة، وتخضع العمالة المهاجرة في لبنان إلى نظام الكفالة حيث يقوم صاحب العمل (أو مكتب التوظيف) بصفته كفيلاً باستقدام العامل من بلده عبر مكاتب التوظيف في البلد المرسل ويكون الكفيل مسؤولاً عن نفقات سفر العاملة كافة.
ويربط نظام الكفالة العاملات بأصحاب عملهنّ طوال مدّة العقد بحيث يمكن لأصحاب العمل حرمان العاملات القدرة على تغيير الوظيفة أو مغادرة البلد، فعلى سبيل المثال لا يمكن للعاملة العمل في منزل آخر دون الحصول على تنازل من مستخدمها الأوّل. والجدير بالذكر أنّ هروب العاملة ولو بسبب حالة الإستغلال أو العنف الجسدي يجعل وجودها غير شرعي منذ لحظة مغادرتها منزل كفيلها. كما يتمّ احتجاز الخادمة إداريًّا في حال فرارها من منزل صاحب العمل ممّا يجعل صاحب العمل في وضع أفضل عند التفاوض على حقوق العاملة.
و بالإستناد إلى المرسوم 17561 الصادر عام 1964 المتعلّق بتنظيم عمل الأجانب في لبنان وتعديلاته الذي أخضع الترخيص بالعمل للأجانب على الأراضي اللبنانية لشروط الموافقة المسبقة وإجازة العمل، فإنّه من واجب أصحاب العمل الحصول على إجازة عمل وإقامة للعاملة الأجنبية لديهم على حسابهم وذلك خلال الأشهر الثلاثة الأولى من دخول العاملة للبلاد، كما أنّهم مسؤولون عن تجديد هذه الأوراق طالما تستمرّ العاملة الأجنبية في العمل لديهم.
أمّا الإطار القانوني الذي يرعى الوضع القانوني للعاملات حالياً فهو عقد العمل الموحّد الذي بدأ العمل به في عام 2009 وقد فرض للمرّة الأولى توقيع ربّ العمل والعاملة العقد نفسه باللغة الأمّ لكلّ منهما ويتمّ العقد لدى الكاتب بالعدل.
إلاّ أنّ هذا العقد لم يوفّر الحماية اللازمة لهنّ لأنّ عملية تطبيقه لا تخضع لأيّ رقابة على تنفيذه وخاصة من ناحية ربّ العمل وهذا ما أثبتته أوضاع العاملات في الآونة الأخيرة فهذا العقد نصّ على حالات الإنهاء بشكل قانوني سواء من ربّة العمل أو من العاملة، بحيث إنّه يحقّ لربّة العمل إنهاء العقد في حال ارتكاب العاملة غلطة متعمّدة أو إهمال أو اعتداء أو تهديد أو التسبّب بأضرار في ممتلكات ربّة العمل أو أعضاء عائلتها وأيضًا في حال ارتكاب العاملة فعلًا يعاقب عليه القانون اللبناني بالتوافق مع حكم المحكمة وفي هذه الحالات يُطلب من العاملة مغادرة الأراضي اللبنانية وتسديد ثمن بطاقة العودة إلى بلدها الأمّ من مالها الخاص. كما يحقّ للعاملة إبطال مفعول العقد في حال عدم تسديد أجرها لمدّة ثلاثة أشهر متتالية وعند ضربها أو استغلالها أو التحرّش بها، وكذلك عند استخدامها لأغراض تختلف عن تلك التي استُقدمت لأجلها من دون موافقتها وفي هذه الحالات تُرغم ربّة العمل على إعادة العاملة إلى بلادها وشراء تذكرة سفر لها. وهذا ما لم يطبَّق في الأزمة الراهنة حيث تُركنَ الواحدة منهنّ أمام القنصليات دون الحصول على حقّها من أصحاب العمل.
ويظهر بوضوح أنّ هذا العقد الموحّد يفتقر إلى الحمايات الأساسية ضدّ العمل القسري وإنهاء العقود بشكل قانوني ولا يحترم المعايير الدولية وحقوق الإنسان. ومن أبرز المشاكل فيه أنّه لا يسمح للعاملات بترك منزل أصحاب عملهنّ بدون إذن أو إنهاء عقد العمل بدون موافقة صاحب العمل إلاّ في حالات الإعتداء القصوى مع تحميل العاملة عبء الإثبات.
ومن الممارسات التعسفية في حقّ العاملات نذكر: عدم دفع الأجور، وحجز الحرّيات كحجز جواز سفرها والذي يُعتبر تصرّفاً غير قانوني، وعدم السماح لها بالخروج من المنزل أو التعاطي مع أحد، بالإضافة إلى العنف اللفظي والجسدي وحتّى الجنسي.
ويُذكَر أنّه في محاولة لمواجهة هذه المشاكل وقّع وزير العمل السابق بطرس حرب مشروع قانون العمل الخاص بالعاملين في الخدمة المنزلية في شباط 2011. ويتألّف هذا المشروع من 46 مادة. وممّا يفرضه إلزامية عقد العمل موقّعًا من كاتب العدل ومترجمًا إلى لغات بلدان دول الرعايا، ومنع المحكومين أو من ارتكبوا جرائم شائنة من استخدام عمّال منزليين، بالإضافة إلى توافر شروط صحّية وبيئية في مسكن العامل وتحديد ساعات العمل وساعات الراحة.
وبالعودة إلى نظام الكفالة، فبحسب منظمة “هيومن رايتس ووتش” يجب إلغاء هذا النظام الذي يعرّض العمالة لخطر الإستغلال والإيذاء، وهذا ما أكّدته منظّمة العفو الدولية في نيسان 2019 حيث حثّت الحكومة اللبنانية على إنهائه.
وبما أنّ “هيومن رايتس ووتش” عضو في مجموعة عمل ترأسها منظّمة العمل الدولية، فقد قامت مؤخّرًا برفع خطّة لوزارة العمل تتضمّن الخطوات التي يجب اتباعها لإلغاء الكفالة ووضع حمايات للعاملات. وأهمّ هذه الخطوات هو وضع عقد موحّد لهنّ يجسّد المعايير الدولية للعمل وحقوق الإنسان. فهذا العقد المعياري الموحّد الذي تقترحه مجموعة العمل يعالج اختلال ميزان القوى بين صاحب العمل والعاملة بحيث يصبح المصدر الرئيسي لحقوق العمّال.
لا بدّ من الإشارة أخيرًا ولكي نكون منصفين أنّه يوجد عاملات يُسئن التصرّف بحقّ أرباب العمل فمنهنّ من يَقُمنَ بعمليات السرقة والهرب والقتل أحيانًا، لذلك على الرغم من أهمّية وجود عقد موحّد إلّا أنّه لا بدّ من وجود قانون خاص بالعاملات في المنازل ينظّم شروط العمل، كما يعاقب عند المخالفة سواء قام بها أصحاب العمل أو العاملات وذلك لحماية الطرفين معًا.
المصادر:
• قانون العمل اللبناني الصادر عام 1946
• المرسوم 17561 المتعلّق بتنظيم عمل الأجانب في لبنان والصادر عام 1964.
• سؤال وجواب حول عاملات المنازل الأجانب في لبنان، آب 2009.
• نادر عبد العزيز شافي، لا قانون يرعى استخدام العاملات الأجنبيات في لبنان وبنود عقد العمل لا تحول دون الإخلال به، مجلّة الجيش، العدد 312، حزيران 2011.
• ريما سليم ضوميط، عاملات المنازل في لبنان، مجلّة الجيش، العدد 320، شباط 2012.
• آية مجذوب، لبنان لإلغاء نظام الكفالة،27 تموز 2020.
• العاملات المنزليات الوافدات في لبنان،14 آب 2020.
“محكمة” – الخميس في 2020/10/8
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يرجى الإكتفاء بنسخ جزء من الخبر وبما لا يزيد عن 20% من مضمونه، مع ضرورة ذكر إسم موقع “محكمة” الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!