أبحاث ودراسات

مدى دستورية انعقاد مجلس النوّاب كهيئة تشريعية في ظلّ حكومة مستقيلة/هادي خليفة

بقلم المحامي هادي خليفة:
La constitution, rien que la constitution, toute la constitution. (Francois Mitterrand)
إثر إجراء الإنتخابات النيابية وإعلان نتائجها بتاريخ 2022/5/17 وفقاً للأصول القانونية،
وبعد عقد المجلس المنتخب جلساته لانتخاب رئيس له ونائب رئيس، وبعد انتخاب أعضاء اللجان النيابية الدائمة في مجلس النواب، طلب بعض النواب عقد جلسات تشريعية لمجلس النواب رغم انقضاء مدّة العقد الأوّل لمجلس النواب بتاريخ 2022/5/31 ، ورغم أن الحكومة أصبحت حكومة مستقيلة وهي في مرحلة تصريف الأعمال، الأمر الذي يوجب البحث في مدى جواز التشريع في ظلّ حكومة مستقيلة على ضوء أحكام الفقرة الأخيرة من المادة 69 من الدستور.
مقدّمة
من المسلّم به، أن الدستور في الدول الديمقراطية التي تتبع مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها نظاماً لها، يقوم على مبادىء وقواعد أساسية ترعى عمل السلطات الثلاث التي تتكوّن منها الدولة – Etat- وبدون أن يغفل الدستورعن تحديد حقوق المواطنين وواجباتهم،
وإن هذه المبادىء والقواعد يغلب فيها الطابع العام، ويطغى عليها مبدأ الثبات والديمومة بغية المحافظة على استقرار مؤسّسات الدولة ولصون وحدة المجتمع، وإنّ لهذه المبادىء والقواعد البُعد الأخلاقي أكثر من البُعد القانوني بمفهومه العام رغم أنّها تتضمّن قواعد تحدّد كيفية انتظام العمل في المؤسّسات الدستورية العائدة للدولة،
ويفترض بمن يمارس السلطة، أن يُخضع نفسه للضوابط الدستورية والقانونية والإمتناع عن تقطيع أوصال تلك المبادىء والقواعد حرصاً على مبدأ الشرعية وتحصيناً لمبدأ فصل السلطات وتعاونها وتوازنها كي تبقى الديمقراطية في دولة القانون لها قيمتها الحقيقية.
إنطلاقاً من هذه المرتكزات،
فإن هذه الدراسة سوف تتناول مدى إمكانية عقد مجلس النواب جلسات تشريعية في ظلّ حكومة مستقيلة تقوم بتصريف الأعمال ضمن حدود ضيّقة على ضوء أحكام الفقرة الأخيرة للمادة 69 من الدستور.
أوّلاً: مبدأ انعقاد مجلس النوّاب كهيئة تشريعية على ضوء أحكام المادتين 32 و33 من الدستور:
أ‌- في انعقاد مجلس النواب جلساته التشريعية سنداً للمادة 32 من الدستـور:
كرّس الدستور في المادة 32 منه مبدأ انعقاد مجلس النواب كهيئة تشريعية في عقدين عاديين – sessions ordinaires- في السنة الواحدة، وأوجب عليه الإنعقاد في أوّل يوم ثلثاء يلي الخامس عشر من شهر آذار ويستمرّ هذا العقد حتى نهاية شهر أيار وهو العقد الأوّل من السنة، أما العقد الثاني فإنّه يبدأ في أوّل يوم ثلثاء يلي الخامس عشر من شهر تشرين الأوّل ويستمر حتى نهاية العام والذي تخصّص جلساته للبحث في الموازنة العامة والتصويت عليها قبل قيامه بأي عمل آخر،
وإنّ انعقاد مجلس النواب في هذين العقدين ينسحب الى حقّ مستمدّ من الدستور مباشرة، أي أنّ المشرّع الدستوري عبر نصّ المادة 32 الساري المفعول منذ العام 1926 خلق حالة ذاتية لانعقاد المجلس في هذين العقدين بدون أن تطرأ أية إرادة خارجية من شأنها أن تحدّد له هامشاً زمنياً آخر كي ينعقد، باستثناء الحقّ المعطى لرئيس الجمهورية بمقتضى المادة 59 من الدستور التي تجيز له تأجيل انعقاد المجلس شهراً واحداً ولمرّة واحدة في العقد الواحد.
ب- في انعقاد مجلس النواب جلساته التشريعية الإستثنائية على ضوء أحكام المادة 33 من الدستور:
منح الدستور في المادة 33 منه رئيس الجمهورية بالإتفاق مع رئيس الحكومة حقّ دعوة مجلس النواب إلى عقود استثنائية – sessions extraordinaires- عبر إصدار مرسوم يحدّد تاريخ افتتاحها واختتامها وبرنامجهـا، وإن هذه الدعوة مقترنة بإرادة خارجية عن المجلس، وتبقى غير مُلزمة بالنسبة لرئيس الجمهورية ولها الصفة الإستنسابية بالنسبة له،
كما أوجب نصّ المادة 33 من الدستور من ناحية أخرى على رئيس الجمهورية دعوة مجلس النوّاب للإنعقاد في دورات استثنائية عندما تطلب الأكثرية المطلقة – majorité absolue – من مجموع أعضاء المجلس هذا الأمر، وهنا يكون رئيس الجمهورية مقيّداً بإصدار مرسوم انعقاد المجلس بعقد استثنائي،
والجدير ذكره، أنّ نصّ المادة 33 من الدستور هو شبيه بنصّ المادة 29 من الدستور الفرنسي التي تنصّ في فقرتها الأولى:
Le Parlement est réuni en session extraordinaire à la demande du Premier ministre ou de la majorité des membres composant l’Assemblée nationale, sur un ordre du jour déterminé.
يتضح من هذين النصّين أنّ انعقاد مجلس النوّاب كهيئة تشريعية يقتصر على الحالات الواردة فيهما.
ثانياً: في عقد مجلس النواب جلساته على ضوء الفقرة الأخيرة من المادة 69 من الدستور.
يقتضي الإشارة بادىء ذي بدء، إلى أنّ المادة 69 من الدستور الواردة في البند الثالث من الفصل الرابع من الدستور الذي يتناول السلطة الإجرائية تمّ استبدالها بنصّ آخر بموجب التعديلات الدستورية التي صدرت بتاريخ 1990/9/21،
وتنصّ الفقرة الأخيرة منها:
” عند استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة يصبح مجلس النوّاب حكماً في دورة انعقاد إستثنائية” حتّى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة.
يتبيّن من نصّ هذه الفقرة أنّ انعقاد مجلس النوّاب الحكمي se réunit de plein droit عند استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة خارج الإطار المحدّد في المادتين 32 و33 من الدستور له ارتباط عضوي بتأليف الحكومة وبنيلها الثقة، وإنّ طبيعة مهامه لهذه الجهة هي مهام مقيّدة – liée- وأتت لتتكامل مع البند -2- من المادة 64 من الدستور الذي يوجب على الحكومة التقدّم من مجلس النوّاب ببيانها الوزاري لنيل الثقة في مهلة ثلاثين يوماً من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها، وإنّ انعقاد المجلس الحكمي في هذه الحال يرمي إلى عدم إسقاط الحكومة عبر حرمانها من المثول امام مجلس النوّاب لأسباب سياسية قد يجد فيها فريق سياسي أو أكثر أنها تشكّلت خلافاً لتطلعاته السياسية وهذا أمر خطير في انتظام عمل المؤسّسات الدستورية، وهذا ما حصل في عهد الرئيس الراحل سليمان فرنجية إذ لم تتمكّن حكومة أمين الحافظ من المثول أمام مجلس النوّاب لنيل الثقة بتاريخ 12 حزيران من العام 1973 بسبب معارضة أكثر من فريق سياسي لها وكانت النتيجة إستقالتها، ولو أنّ المشرّع الدستوري أراد أن يكون للمجلس النيابي حقّ التشريع في ظلّ حكومة مستقيلة أو اعتبارها مستقيلة لما كان عاجزاً عن تعديل حالات انعقاده والمحدّدة في الماتين 32 و33 من الدستور، وأنّ الإنعقاد الحكمي لمجلس النواب هو مماثل بطبيعته لانعقاده الحكمي لانتخاب رئيس الجمهورية وفقاً لأحكام كلّ من المادتين 73 و75 من الدستور مع الإشارة إلى أنّ المادة 75 من الدستور لم ينلها أيّ تعديل منذ العام 1927، وهذا ما يكرّس بدوره مبدأ انتظام عمل المؤسّسات الدستورية ومنع تعطيلها لأهداف سياسية،
والجدير ذكره، ومن باب التأكيد بأنّ الفقرة الثانية من المادة 69 من الدستور لها البعد التظيمي لانعقاد مجلس النواب الحكمي والمُقتصر على مناقشة البيان الوزاري ومنح الثقة أو حجبها عن الحكومة، فإنّ الفقرة الأخيرة من المادة 65 من الدستور أولت الحكومة غير المستقيلة مهاماً محجوزة لها في نطاق التشريع ولا يعود لمجلس النواب حقّ التشريع فيها إلاّ من خلال ورود مشاريع قوانين تحال إليه من الحكومة ومنها تعديل الدستور والموازنة العامة والجنسية والأحوال الشخصية وحلّ مجلس النواب والإتفاقيات والمعاهدات الدولية، ولو أنّ المشرّع الدستوري أراد بالفعل للمجلس النيابي حقّ التشريع في ظلّ حكومة مستقيلة لكان سلك مساراً مغايراً لا يحجب عنه حقّ التشريع في المواضيع التي حجزها أساساً للحكومة غير المستقيلة، وإنّ الحكمة من حجز هذا الحقّ للحكومة في تلك الميادين ينبع من استكمال تطبيق مبدأ تعاون وتوازن كلّ من السلطتين التشريعية والتنفيذية الذي هو مبدأ دستوري، ولمنع مجلس النواب من تكبيل عمل الحكومة المسؤولة أمامه عبر فرض قوانين عليها قد لا يكون لها اتصال مباشر بمشروعها السياسي الذي تريد تحقيقه من خلال بيانها الوزاري، ومنعاً من الإطاحة بها.
وهكذا نجد، أنّ الفقرة الأخيرة من المادة 69 من الدستور لم يكن الهدف منها خلق حالة مدّ وجزر حول المهام الملقاة على عاتق مجلس النواب للإنعقاد عند استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة، وإنّ أيّ تفسير لمدى انعقاد المجلس كهيئة تشريعية في ظلّ وضع الحكومة المستقيلة التي تصرّف الأعمال ضمن النطاق الضيّق لتصريف الأعمال يكون فيه تفسير معبّـر عن فكرة المفسّر وليس عن فكرة المشرّع – constituant- ونكون في هذه الحال أمام تعديل دستوري مقنّع يؤسّس لسوابق غير دستورية، كما فيه تعطيل لحقّ رئيس الجمهورية الممنوح له بمقتضى المادة 57 من الدستور التي تجيز له بعد اطلاع مجلس الوزراء حقّ طلب إعادة النظر في القانون المراد منه إصداره، وهو أمر يتعذّر عليه القيام به في ظلّ حكومة مستقيلة تقوم بتصريف الأعمال، كما أنّ توسيع مفهوم انعقاد مجلس النوّاب كهيئة تشريعية خارج الحالات المحدّدة في المادتين 32 و33 من الدستور من شأنه أن يبيح لمجلس النوّاب حقّ التشريع حتّى عندما يوجّه له رئيس الجمهورية رسائل عملاً بالبند -10- من المادة 53 من الدستور والذي يجب عليه في هذه الحالة الإنعقاد وفقاً لأحكام المادة 145 من نظامه الداخلي حتّى لو كان الأمر خارج العقدين العاديين أو لم يكن قد دعي لعقد استثنائي.
في الخلاصة
إنّ المسؤولية التي تقع على ممارسي السلطة في لبنان توجب عليهم الإسراع في تشكيل الحكومة عند استقالتها أو عند اعتبارها مستقيلة، كون الدستور لا يستطيع أن يغطّي الحالات الشاذة التي تخلقها الطبقة الحاكمة عند كلّ استحقاق دستوري سواء لجهة تشكيل الحكومة أو انتخاب رئيس الجمهورية هذا من جهة، ومن ناحية أخرى، فإنّ النظام يحتّم على الحاكم أن يصون الدستور ويحفظ له حرمته، وأن يتّحد بالبعد الأخلاقي للمبادىء والقواعد الدستورية كي تنمو المؤسّسات في الدولة الديمقراطية نمواً طبيعياً، وهذه المزايا بطبيعة الحال لا تتوفّر إلآّ عند النخبة.
“محكمة” – الثلاثاء في 2022/6/21

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!