أبرز الأخبارعلم وخبرميديا

أما آن للنقيب خلف أن يرفع الحجز عن لقمة عيش المحامين؟/علي الموسوي

كتب علي الموسوي:
منذ يوم الجمعة الواقع فيه ٢٨ أيّار ٢٠٢١ ونقيب المحامين في بيروت ملحم خلف يدخل إلى قصر عدل بيروت سيرًا على الأقدام من جهة المخفر والنيابة العامة الإستئنافية مزهوًا بإضرابه عن العمل، فيلقي السلام يمنة ويسرة على من يصادفه في طريقه من الموظّفين والمساعدين القضائيين دون المحامين الذين خلت قاعة “الخطى الضائعة” منهم بعدما كانوا يملأونها بضجيجهم وحركتهم ونقاشاتهم وأصواتهم وثوبهم الموحّد النبيل كمهنتهم.
ومنذ 28 أيّار 2021، والنقيب خلف يقيم حفلة الإضراب عن العمل ومقاطعة القضاء تحت عنوان السعي إلى تحقيق سلسلة مطالب، بعضها قد يكون محقًّا، وبعضها تشتمّ منه رائحة المبالغة حتّى ليبدو خلف كمن دخل في نفق ولم يعد يعرف طريق الخروج منه، أو لا يريد الصعود منه مصرًّا على التصعيد غير المجدي، في وقت يفرض الكبرياءُ التواضعَ عندما تلوح أضرار ما، خصوصًا إذا كانت هذه الأضرار تصيب أهل البيت من المحامين قبل سواهم من القضاة والمتقاضين.
أنشودة الإستقلالية
فمطلب استقلالية السلطة القضائية ليس حكرًا على أحد، وليس أنشودة ثانوية وسنوية تقال مرّة كذاك المرء الذي يتضرّع إلى الله عند اشتداد المصائب والنوائب عليه ويمضي بقيّة ساعات الفرج والفرح في التلهّي بشؤون أخرى، وممارسة هوايات أخرى.
وثمّة قضاة ومحامون وحقوقيون يطالبون بهذه الإستقلالية المعنوية منذ سنوات وسنوات تسبق اعتلاء خلف منصب نقيب المحامين في بيروت في خريف العام 2019. ومع أنّه شعار برّاق وجذّاب وفضفاض يغري الجميع بالحديث عنه مع يقينهم بصعوبة تحقيقه بين ليلة وضحاها، إلّا أنّ خلف أراد انتزاعه من السلطة السياسية “الغاشمة” و”الجائرة” و”الفاسدة” في غضون ثلاثة أسابيع مرّت كسحابة صيف عابرة دون أن تثمر عن حرف إضافي في كتاب هذه الإستقلالية التي تنبع في الأساس من القاضي وليس من النصّ الموجود في الدستور والقوانين، ومع ذلك أراد خلف مواصلة الإضراب غير آبه بوجع المحامين في زمن اقتصادي ومالي ومعيشي ليس صعبًا وحسب، بل ومنهار أيضًا، ويكاد اللبناني يُحتضر فيه ويخسر أنفاسه الأخيرة والحياة.
لا شكّ أنّ النقيب خلف يعرف أنّ إقرار أيّ قانون مكانه المجلس النيابي ويحتاج إلى فترة زمنية لا علاقة للقضاء في تحديدها ولا في تشريع القانون، والأمر بالنسبة إلى نقابة المحامين فليست هي من تملك مفتاح التشريع.
إقفال العدلية بذكرى اغتيال القضاة
ومطلب التعاطي الإيجابي بين المحامين والقضاة مطلوب وموجود من ضمن التقدير المتبادل بين فريقين يُكملان بعضهما بعضًا حتّى أنّهما جسد واحد، وليس من حقّ أحد أن يتطاول على الآخر وإن اختلفت وجهات النظر في تفسير القوانين وتنفيذها. وكم من محام خسر دعواه أمام قاض أو هيئة محكمة ورضي بذلك لقناعته منذ البدء بهذا الحكم ولم ينبسّ بكلمة تتعارض وأصول التخاطب وأخلاقيات المهنة والآداب العامة، ولم يهدّد بإقفال العدلية كما فعل خلف بعد دقائق معدودة على احتفال القضاء بذكرى اغتيال القضاة الأربعة في العام 1999.
إنتخاب كرم تحت القصف
وهذه العدلية لم تقفل أبوابها أيّام الحرب اللبنانية، ولم يجرؤ أحد على إقفالها، لا بل اجتمع المحامون فيها وانتخبوا الكبير عصام كرم نقيبًا لهم في العام 1983 غير آبهين بزنّار النار والدمار والموت المحيط بهم من كلّ جانب. جاؤوا تحت القذائف والتهديد بالقصف المُركّز وانتخبوا رجل الأدب والشجاعة العروبي الأصيل عصام كرم، وهكذا هم المحامون عند الملمّات والأزمات من أهل العزم والتحدّي.
بعض المهن
وإذا كان ثمّة خلاف في مقاربة نصّ المادة 111 من قانون أصول المحاكمات الجزائية لجهة تفسير عبارة “عدم ممارسة بعض المهن” وما إذا كانت المحاماة ضمنها أم لا، فالقضاء ينفّذ القانون، والتعديل يُطلب من المشرّع، ويمكن للنقيب خلف أن يستفيد من النوّاب المحامين المنضوين في صفوف كلّ التيّارات والاتجاهات والأحزاب السياسية لكي يجري تقديم اقتراح قانون بتوضيح هذه المادة وتعديلها بالشكل الذي يُخرج المحاماة منها مع تضييق حصرية الإستفادة منها، لأنّه لا يجوز أيضًا أن يتمتّع المحامي بحصانة تجعله فوق القانون وهو مسؤول قبل سواه عن الإلتزام بالقانون وتنفيذه بحذافيره لكي يكون قدوة لسواه من أهل المجتمع.
والإضراب في الأصل هو رسالة احتجاج واعتراض على أمر ما، ورفضٍ لإطلاقه أو إيجاده أو بقائه، على أنّ استمرار الإضراب دون أفق أو سقف زمني محدّد يُخرجه عن هدفه، سواء أكان صحيحًا أم خاطئًا، ويدخله في التعطيل، ولم تكن المحاماة يومًا سلاحًا للتعطيل، ولن تكون في أيّ عهد من العهود، بل هي قدوة في إنارة الطريق إلى الحقّ لكلّ أبناء البشرية باختلاف جنسياتهم وألوان بشرتهم وميولهم السياسية والفكرية والعقائدية والدينية.
الإستعراضات
وإذا ما كانت هنالك خلافات في أمور أخرى، فإنّها تحلّ في الغرف المغلقة في اجتماعات بين المعنيين في القضاء ونقابة المحامين، وهذا ما حصل مرارًا وتكرارًا، وليس في الخطابات والإستعراضات والكلام الجارح الذي يُفرّق ولا يجمع.
ومنذ اللحظة الأولى لخروج قرار الإضراب من اجتماع مجلس نقابة المحامين في بيروت يوم الخميس الواقع فيه 27 أيّار 2021، كان يفترض حصره بيومي عمل على الأكثر، فيكون رسالة مدوّية وسريعة تساعد لاحقًا على تحقيق الأهداف المرجوة، لكنّ التمادي في هذا الإضراب أساء إلى المحامين أنفسهم وباتوا يدفعون فاتورته الباهظة الثمن من جيوبهم ومعيشتهم، وبات من الضروري سماع صرختهم التي يسمع صداها بشكل مرتفع في مجالس المحامين في مكاتبهم ومجموعات المحادثة الخاصة بهم على تطبيق “واتساب” وصفحاتهم على مواقع التواصل الإجتماعي.
أين النقباء؟
لذا، أما من عاقل يصلح ذات البين بين المحاماة والقضاء؟ هل انعدم سعاة الخير؟ لماذا لم تفضِ المبادرات إلى حلّ مقنع؟
ألا يجدر بالنقباء السابقين للمحامين، وهم من الأخيار والعقلاء والحكماء، أن يتدخّلوا لتضميد جرح الخلافات والإختلاف، وأن يجترحوا الحلول لوقف النزيف اليومي، فثمّة شريحة كبيرة من المحامين إلّا من استثني ونال إذنًا خاصًا من خلف، تئنّ من قلّة العمل وتراجع المداخيل والأتعاب التي باتت تدفع بالليرة اللبنانية وفقدت قيمتها الشرائية بعدما كانت تُدفع بالدولار الأميركي؟ أليست مسؤولية نقيب المحامين أن يجبر خاطر هذه الفئة فكيف إذا كان آتياً من “فرح وعطاء”؟
تاريخ مشرق ومشرّف
وماذا بعد؟
لا بدّ من العودة إلى تاريخ نقابة المحامين المضيء للعبرة والإعتبار.
في 4 كانون الثاني من العام 1961 عقد مجلس نقابة المحامين في بيروت جلسة برئاسة النقيب فيليب سعادة ووجّه دعوة إلى الجمعية العمومية غير العادية للإلتئام والبحث في موضوع رفض إنشاء “معهد الحقوق العربي” التابع لجامعة بيروت العربية.
وبالفعل عُقدت الجمعية العمومية في 15 نيسان 1961 وأعلنت الإضراب المفتوح الذي دام نحو تسعة شهور لغاية 18 كانون الثاني 1962 بعدما تجاوبت الحكومة اللبنانية برئاسة رشيد كرامي مع جزء من مطالب النقابة بوضع شرط على الراغب في الإنتساب إلى معهد الحقوق أن يكون حائزًا على شهادة البكالوريا اللبنانية ومنعت الترخيص بإنشاء معاهد جديدة للحقوق لمدّة إثنتي عشرة سنة.
أمّا اليوم، فقد اتخذّ مجلس نقابة المحامين برئاسة النقيب الدكتور ملحم خلف من تلقاء نفسه ودون العودة إلى الجمعية العمومية قرار الإضراب المفتوح، مع أنّ الجمعية العامة هي المرجع الأعلى للمحامين وفقًا لنصّ المادة 35 من قانون تنظيم مهنة المحاماة.
لذلك لا بدّ أن يبادر مجلس نقابة المحامين إلى دعوة الجمعية العمومية غير العادية للإجتماع عملًا بالمادة 37 من قانون تنظيم مهنة المحاماة، ويعود لهذه الجمعية أن تتخذ القرار الملزم لجميع المحامين بشأن الإستمرار في الإضراب أو وقفه والرجوع إلى ساحات العمل في العدليات والمحاكم بعدما بلغ الإضرار بمصالح الموكّلين ذروته، وهكذا يوضع حدّ للإختلاف الصارخ بين المحامين، إذ لا يجوز أن يبقى وضع المحامين على هذه الحال.
فهل من مجيب؟!
“محكمة” – الأربعاء في 2021/7/7
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً على أيّ شخص، طبيعيًا كان أم معنويًا وخصوصًا الإعلامية ودور النشر والمكتبات منها، نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر، مع وجوب ذكر إسم موقع “محكمة” الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink)، كما يمنع نشر وتبادل أيّ خبر بطريقة الـ”screenshot” ما لم يرفق باسم “محكمة” والإشارة إليها كمصدر، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!