الادعاء على مستورد قطع ألعاب: مسيّرات المقاومة تقلق المدعي العام/ندى أيوب
ندى أيوب*:
ببساطة، قرّر مدعي عام التمييز أحمد رامي الحاج الادعاء على مواطن لبناني بجرم حيازة ونقل أسلحة، رغم أنّ المدعى عليه لم يحز أو ينقل أي سلاح، بل استورد قطعاً إلكترونية وأدخلها إلى لبنان عبر القنوات الجمركية النظامية، بعد إخضاعها للتفتيش واستيفاء الرسوم القانونية المترتبة عليها. وهي قطع متوافرة أساساً في السوق اللبنانية والأسواق العالمية، ما يثير تساؤلات تتجاوز القضية نفسها إلى كيفية توصيف الوقائع وحدود الملاحقة القضائية والأساس القانوني لتحويل ملف تجاري إلى قضية ذات طابع أمني.
وأوضحت مصادر قضائية لـ«الأخبار» أن خلفية الملف تعود إلى طلب تقدّمت به السلطات الفرنسية عبر الإنتربول إلى النيابة العامة التمييزية في لبنان قبل نحو أسبوعين، تضمّن نشرة حمراء تطلب توقيف ر. ط. واسترداده إلى فرنسا للتحقيق معه بجرم «الانتماء إلى تنظيم إرهابي» و«الإعداد لارتكاب اعتداءات على الممتلكات». وجاء الطلب بعد توقيف لبناني يدعى ص. ب. في فرنسا، وآخر يدعى ف. ز. في ألمانيا بين عامي 2022 و2023، للاشتباه بمساعدتهما ر. ط. في استيراد قطع إلكترونية «يُعتقد أنها تُستخدم في تصنيع المسيّرات التي يستخدمها حزب الله»، بحسب مذكرة الإنتربول.
وبحسب المعلومات، يملك ر. ط. شركة معروفة في السوق اللبناني، ترتبط بعقود والتزامات مع الدولة ومنظمات دولية كبرى تعمل في لبنان، وهي مختصة باستيراد وتصدير المعدات الكهربائية وبيع وشراء أجهزة الكمبيوتر وكاميرات المراقبة وصيانتها. وخلال التحقيق معه أمام المباحث المركزية، أوضح أنه تلقّى عام 2022 طلباً من أحد الزبائن لاستيراد قطع «سيرفو» و«دينامو»، وهي مكونات متعددة الاستخدامات تدخل في صناعة الألعاب الإلكترونية والكهربائية وكاميرات المراقبة. وأشار إلى أنه، بين عامي 2022 و2023، استورد بمساعدة صديقه ص. ب. شحنات صغيرة من هذه القطع من فرنسا لصالح الزبون المذكور، وهو نشاط يندرج ضمن طبيعة عمل شركته. كما أن هذه القطع جرى شراؤها بموجب فواتير نظامية من السوق الأوروبية، ودخلت جميع الشحنات إلى لبنان بصورة قانونية عبر مطار بيروت الدولي ومرفأ بيروت، حيث خضعت للتفتيش وسُدّدت الرسوم الجمركية المترتبة عليها.
عندما تلقّى الحاج مذكرة الإنتربول، أحالها إلى المباحث المركزية، فسارع ر. ط.، فور تبلّغه بالأمر، إلى قطع سفره والعودة إلى لبنان للمثول أمامها. وبعد انتهاء التحقيقات الأولية، أُحيل الملف إلى الحاج للتوسّع في التحقيق، فأُعيد استجوابه أمام شعبة المعلومات، حيث كرّر إفادته السابقة. وفي نهاية المطاف، وبإشارة من المدعي العام التمييزي، ادُّعي عليه بموجب المادة 72 من قانون الأسلحة والذخائر، أي بجرم حيازة ونقل أسلحة وذخائر.
وبمعنى أوضح، أُوقف ر. ط. استناداً إلى طلب الإنتربول الفرنسي، ثم بدأ البحث عن توصيف جرمي يبرّر استمرار احتجازه، فكانت المادة 72 المخرج القانوني، رغم أن الموقوف لا يحوز أسلحة أو ذخائر، بل استورد قطعاً إلكترونية مدنية وباعها لشخص مدني، فيما لا يتضمّن القانون اللبناني أي نص يمنع استيراد هذه القطع. وبذلك، يبرز تساؤل جوهري حول مدى احترام قرينة البراءة، ولا سيما أن التوقيف سبق اطّلاع الحاج على الملف الذي أعدّته السلطات الفرنسية، إذ إنه طلب الحصول على الملف بعد التوقيف لا قبله.
أما المفارقة الثانية، فتتمثّل في مخالفة المعمول به قضائياً في حالات مماثلة. فعندما تطلب دولة أجنبية توقيف مواطن لبناني واسترداده للتحقيق معه، يعمد القضاء عادة إلى حجز جواز سفره ومنعه من مغادرة البلاد، بالتوازي مع فتح تحقيق. وتؤكد مصادر قضائية أن هذا الإجراء يهدف، في جزء منه، إلى «حماية الشخص» وضمان مثوله أمام القضاء. إلا أن هذا التدبير الحمائي تحوّل في هذه القضية إلى إجراء عقابي، إذ كان بالإمكان الاكتفاء بمنع ر. ط. من السفر واستكمال التحقيقات، بدلاً من توقيفه من دون جرم.
وحتى على سبيل الافتراض، إذا كان ر. ط. قد شارك في استيراد قطع يُمكن استخدامها في تصنيع المسيّرات التابعة لحزب الله، فإن عمليات الشراء تعود إلى عامَي 2022 و2023، أي قبل سنوات من صدور قرار الحكومة في 2 آذار 2026 الذي اعتبر الجناح العسكري للحزب خارجاً عن القانون. ولا يمكن بأي حال منح هذا القرار مفعولاً رجعياً وتطبيقه على وقائع سابقة، فضلاً عن أن القرار لا يُعدّ قانوناً بالمعنى التشريعي، بل قراراً سياسياً.
هذا الافتراض نفسه يتناقض أساساً مع إفادة ر. ط. التي أكد فيها عدم انتمائه إلى حزب الله وعدم استيراده أي قطع لصالح الحزب أو أي تنظيم آخر. كما أن معطيات الملف لا تتضمّن ما يربط عمليات الاستيراد بالحزب، بما في ذلك مذكرة الإنتربول التي تكتفي بالحديث عن شبهات من دون تقديم أدلة حاسمة، كما أنه ليس في الملف أي جرم يعاقب عليه القانون اللبناني.
* المصدر: جريدة الاخبار.
“محكمة” – الجمعة في 2026/6/19


