مقالات

الدماغ البشري… مئتا غرام من الغموض/أنطونيو الهاشم

أنطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
أيُّ لغزٍ هذا الذي نحمله فوق أكتافنا؟ مئتا غرامٍ من اللحم الرمادي، هشٌّ كالماء، لكنه أقوى من الحديد والنار. دماغ صغير، لا يزيد وزنه عن ثمرة فاكهة، ومع ذلك يُسيّر عالماً بأسره، يزرع حضارات ويقتلع أخرى، يبني مدناً ويحوّلها رماداً، يكتب أشعاراً تُبكي القلوب، ويبتكر أسلحة تُبيد أمماً.


هذا الدماغ العجيب، كأنّه غرفة مظلمة لا ندري كيف تشتعل فيها شرارة الفكرة، وكيف يولد منها الحلم أو الكابوس. فيه نتجاوز الطفولة مع الوحشية، الحنان مع القسوة، الضحكة مع الدمعة. لحظةً ينسج صورة أمّ تُغني لرضيعها، ولحظةً أخرى يبتكر آلة حرب تزرع الرعب في القلوب. ألا يحقّ لنا أن نخافه؟
وما يزيد الرعب أن هذا الدماغ قادر على الانقلاب في لحظة. تراه مسالماً، ودوداً، مشعّاً بالأمل والخيال، ثم يلمع فيه برق مظلم فيتحوّل إلى وحشٍ كاسر. يصبح العقل الذي صاغ سيمفونيةً خالدة هو ذاته الذي يُخطّط لجريمةٍ باردة. يتحوّل من يدٍ تُضمّد الجراح إلى يدٍ تمسك السكين بلا رحمة. هذه المفاجآت المخيفة تُخبرنا أنّ الدماغ ليس طمأنينة دائمة، بل بركان خامد قد يستيقظ بلا إنذار.
إنه العدو والصديق معاً. إذا صادقته صار جنةً من الإبداع والرحمة والمعرفة، وإذا خانك تحوّل إلى جحيمٍ من الوساوس والهواجس. يسرقك من نومك بأفكارٍ متزاحمة، يجلدك بذكرياتٍ لا تريدها، ويوقظ فيك خوفاً لا تعرف مصدره. أحياناً يخيفك أكثر من العالم الخارجي، لأنك لا تستطيع أن تهرب منه، فهو ساكنٌ في داخلك، يرافقك أينما ذهبت.
ومع ذلك، ما أعجب هذا التناقض: مئتا غرام فقط، لكنك ترى فيه تاريخ البشرية كله، من الكهف إلى القمر، من الطين إلى الذكاء الاصطناعي. أليس مرعباً أن يكون مصير الإنسان، بحروبه وسلامه، بسعادته وشقائه، محصوراً في كتلةٍ صغيرة، يمكن لجلطةٍ واحدة أن تُطفئها، أو لخللٍ بسيط أن يحوّل صاحبها إلى شخصٍ آخر؟
إنّنا نعيش تحت رحمة دماغنا. هو السيد الحقيقي، ونحن مجرّد بيادق بتصرفه .يقرر متى نفرح، متى نحب، متى نكره، ومتى نرتجف خوفاً. نعم، هو يدهشنا بقدر ما يُرعبنا، لأنّنا كلّما عرفنا عنه أكثر اكتشفنا أننا لا نعرف شيئاً.
“محكمة” – الثلاثاء في 2025/9/30

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!