أبحاث ودراسات
مفهوم الاخبار الكاذبة.. ولا توقيف احتياطي.. وماذا عن مذكرات الاحضار وبلاغ البحث والتحري واحتجاز المشتبه به؟/ناضر كسبار
ناضر كسبار (نقيب المحامين في بيروت سابقاً):
في مقالة سابقة، أثرت مسألة وجوب صياغة القوانين بشكل واضح، حتى لا تترك مجالاً للتفسير والتأويل، ولصدور قرارات غير موحدة على اجتهاد ثابت. وهذه المسألة تشمل طبعاً قانون الاعلام الجديد، الذي لم نطلع على كامل مضمونه، بل على المادة 104 وما يليها، والتي اثارت لغطاً واحتجاجات. كما علمنا ان القانون منع التوقيف الاحتياطي. واقتصر فقط على قضايا المطبوعات دون وسائل التواصل الاجتماعي والسايتات والتويتر وغيرها.
من هنا، فإن بحثنا يقتصر فقط على مسألة اختلاق الأضاليل والأخبار الكاذبة ومسألة التوقيف الاحتياطي.
أوّلاً: كنا ولا نزال نقول، ان التشريع يجب ان يكون مسبوكاً جيداً في الشكل وفي الاساس. اذ لا يمكن للنصوص أن تكون غامضة ومبهمة ومطاطة، وتترك المجال للتفسير والتأويل، خصوصاً إذا كان بعضها ينص على الحبس.
صحيح إنّ القوانين لا تستطيع لحظ جميع الحالات التي تتناولها، إلا أنّ ذلك لا يعني أنّه لا يمكن صياغتها بشكل واضح. إذ يمكن مثلاً الكلام عن الخبر الكاذب، والقول: ويقصد بالخبر الكاذب لتطبيق هذا النص، الخبر الذي يرد في الوسيلة الاعلامية وينسب فيه الكاتب وقائع أو أموراً تشكل جرائم جزائية في حال حصولها.
أما الأخبار الكاذبة العادية فيمكن إرسال تصويب وتصحيح، وعلى الوسيلة الاعلامية نشره في المكان ذاته والمساحة ذاتها. أمّا إذا كان كاذباً ومؤذياً، فيمكن التصحيح من جهة وتقديم دعوى مدنية للمطالبة بالعطل والضرر.
وسوف نشرح لاحقاً الفرق بين الأنواع الثلاثة مع أمثلة عنها.
ثانياً: يحتاج التشريع الى الخبرة والعلم والواقعية لمواكبة متطلبات العصر. فالعلم يركض وعلينا مواكبته والا سبقنا القطار، وبقينا على نصوص قديمة لا تحتوي على مواد تواكب التطورات الحديثة مثل وسائل التواصل الاجتماعي والسايتات والتويتر وغيرها.
كما يحتاج إلى الصبر وعدم اصدار القوانين بسبب التعب والتعصيب والنقاشات الحادة، وبسرعة دون إتاحة المجال للمناقشات ولفت النظر الى نقاط دقيقة. فيصدر القانون مبتوراً او غير واضح، وتتناقض بعض فقراته مع بعضها البعض او غير شامل.
ثالثاً: يجب الاستعانة بأصحاب الاختصاص الذين يتمرسون في المجالات القانونية، والذين يكون قد مرّ عليهم ملفات تتعلق بالقانون الذي سوف يصدر. فنستعين برجال القانون المختصين في القوانين التجارية والمدنية والجزائية. كما وبرجال القانون المختصين بالقوانين المالية والأحوال الشخصية، والمطبوعات. كل ذلك حسب كل قانون.
فالقانون قد يدوم عشرين سنة أو خمسين سنة. ويشمل خمسة ملايين مواطن، خصوصاً القوانين المتعلقة بالاعلام وبالمطبوعات وبالسايتات ووسائل التواصل الاجتماعي. فلا يمكن السماح بصدور قانون غير منطقي ويعرّض كل من يود الكتابة للملاحقة خصوصاً لدى وجود كلمات أو عبارات مطاطة.
رابعاً: لا يمكن القول بأن هذا المسؤول يكفل عدم دخول الصحفي أو المحرر أو الكاتب السجن. فالمسؤول قد يتغير من جهة. وحتى لو بقي في منصبه، ما هي صلاحياته وهل يحق له التدخل في عمل القضاء؟
خامساً: قيل لنا ان القانون منع التوقيف الاحتياطي. طبعاً سوف نتطرق الى هذه النقطة لدى بحثنا نقاطاً جوهرية لا يركز عليها الا من هو ضليع في قضايا المطبوعات والذي عانى من بعض التصرفات التي سوف نشير اليها خصوصاً في مذكرات الاحضار وبلاغ البحث والتحري واحتجاز المشتبه به مدة معينة سوف نفصلها في بند لاحق.
سادساً: وهنا المهم والخطير. صحيح أنّه يحظر التوقيف الاحتياطي، إلا أنّ الحبس غير محظر بموجب حكم نافذ. إلا ان ما يجب التركيز عليه كما أشرنا أعلاه هو أنّ القاضي يستطيع إصدار مذكرة إحضار بحق المدعى عليه، كما يمكن إصدار بلاغ بحث وتحري بحقه، كما يمكن احتجازه لمدة 48 ساعة قابلة للتمديد حتى 72 ساعة.
ولندخل في التفاصيل: قلائل هم من يعلمون أنّ المدعي العام لا يصدر مذكرة توقيف ولا يخلي سبيل المدعى عليه. وأنّ قاضي التحقيق عندما يستمع الى المدعى عليه إما يتركه ( ولنركز على كلمة يتركه لان البعض يستعمل كلمة يخلي سبيله) او يصدر مذكرة توقيف بحقه. إخلاء السبيل يكون بعد صدور مذكرة التوقيف بحق المدعى عليه. اما اذا لم يوقفه فيترك ويسمى قرار ترك. وبالتالي التوقيف الاحتياطي يكون من قبل قاضي التحقيق وليس النيابة التي بعد التحقيق اما تترك المدعى عليه او تحيله موقوفاً امام قاضي التحقيق او القاضي المنفرد.
اما في قضايا المطبوعات صحيح ان التوقيف الاحتياطي من قبل قاضي التحقيق غير مسموح. وصحيح أن النيابة العامة لا يمكنها إحالة الصحافي أو المحرر أو حتى الكاتب في قضية مطبوعات موقوفاً. إلا أنّه يجب النظر إلى أمور أخرى لا تقلّ خطورة في هذا المجال.
فالمادة 24 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تنص على إصدار بلاغ بحث وتحر من قبل النيابة العامة في حال عدم العثور على الشخص المشكو منه أو المشتبه فيه، أو جهل محل إقامته، يتضمّن كامل هويته والجرم المسند إليه. وأنّ هذا البلاغ يسقط حكماً بعد مرور عشرة أيّام من تاريخ صدوره، إلّا إذا قرّر النائب العام تمديده لمدّة ثلاثين يوماً يسقط بعدها حكماً.
كما تنص المادة 47 من القانون عينه على احتجاز المشتبه فيه في النظارة بقرار من النيابة العامة ضمن مدّة لا تزيد عن ثمان وأربعين ساعة، يمكن تمديدها مدّة مماثلة فقط بناء على موافقة النيابة العامة.
فهل انتبه أحد لهذه الأمور؟ الإحضار وبلاغ البحث والتحري والإحتجاز لمدّة معيّنة، ليست توقيفاً احتياطياً بالمعنى القانوني، أيّ أنّ التوقيف الاحتياطي يصدر عن قاضي التحقيق ولا تدخل الأمور الأخرى ضمن هذا التوقيف. فكيف نعالج هذه النقطة؟ عندما يتقدم أحد بشكوى أمام النيابة العامة وتحيلها أمام المرجع الأمني للتحقيق، سواء أمام الدرك أو أمام رجال التحري…الخ. فماذا يحصل؟ سوف ترسل في طلب الصحافي أو الإعلامي أو الكاتب للحضور. وقد يمكث في المخفر عدّة ساعات أو وقتاً أطول كما أشرنا أعلاه إلى مدّة 48 ساعة قابلة للتجديد. وهذا ليس توقيفاً احتياطياً. هذا استدعاء للإستماع إليه وأخذ إفادته وإجراء مقابلة مع آخرين مثلاً. فهل يمكن القبول بهذه التصرفات؟
قديماً، وخلال حرب السنتين. كان مكتب المحامي الوزير ميشال اده في كليمنصو في غرب بيروت. وكان كلّما مرّ على أحد الحواجز يصرخون فيه ويقولون: صف على اليمين. وبعد وقت ليس بقصير يأتي من يعتذر منه قائلا: ما تواخذنا يا معالي الوزير. هذه عناصر غير منضبطة. إلى أن ضاق خلقه مرّة وقال لرئيس الحاجز: يا أخي ما منشوف إلّا العناصر غير المنضبطة حرقة بقلبي اتعرف على العناصر المنضبطة. وهناك مثل معروف أيّام العثمانيين كانوا يصادرون الجمال لنقل المعدات والبضاعة، عندما هرب الواوي. وعندما سألوه لماذا تهرب والمطلوب الجمال وليس أنت. اجابهم: حتى يعرفوا إذا كنت واوي أو جمل بتكون راحت عليي.
صحيح ان لا توقيف إحتياطيًا في قضايا المطبوعات. ولكن يجب أيضًا عدم إصدار قرارات بالإحضار وببلاغات البحث والتحري، وبالإستماع إليهم في المخافر، بل فقط من قبل المدعي العام أو المحامي العام المكلف. هذا إذا لم نطلب تعديلًا آخر حيث يتم حصر حضور المدعى عليه في دعاوى المطبوعات أمام محكمة المطبوعات وبالتالي إمّا تُقدّم شكوى مباشرة أمامها، أو إذا تمّ تقديم شكوى أمام النيابة العامة نحيلها فوراً أمام محكمة المطبوعات التي تقوم بما عليها القيام به.
سابعاً: اذا دخلنا في تفاصيل المادة 104 من القانون الجديد. هذه المادة تتكلم عن الأخبار الكاذبة والمؤذية. وتنص على الحبس من ثلاثة اشهر الى ثلاث سنوات او بغرامة.
أ- المادة تتكلم عن الاخبار الكاذبة. وتتكلم عن الاخبار الكاذبة والمؤذية. غداً سوف يأتي من يفسرها على هذا الشكل. لو اراد المشترع الكلام عن الاخبار الكاذبة المؤذية لكان كتب الكاذبة المؤذية. ولكنه كتب الكاذبة والمؤذية.
ب- فما هو الفرق مع بعض الامثلة:
1- الاخبار الكاذبة هي الاخبار غير الصحيحة وقد لا تكون مؤذية وكما نقول بالعامية “بلا طعمة” كأن أقول شاهدت فلاناً اليوم في السوبرماركت، أو يقف امام مكتبه…قد يكون هذا الخبر كاذبًا بمعنى أنّه غير صحيح. ويمكن لمن كُتب عنه الخبر إرسال توضيح بأن هذا الخبر غير صحيح.
2- الاخبار الكاذبة والمؤذية قد تكون غير صحيحة ولكنها مؤذية، إلا انها لا تنسب للشخص الآخر جرماً جزائياً. كأن نقول رأيت فلانًا في الكازينو في صالة القمار. فلعب القمار في الكازينو مسموح ولا يشكل جرماً جزائياً. او كأن نقول: رأيت فلاناً في البار. فدخول البار لا يشكل جرماً جزائياً إلا انه خبر مؤذي. فالكاتب لا ينسب للشخص الآخر جرماً جزائياً، الا انه ألحق به الاذى جراء هذا الخبر. يمكن هنا للمشترع ان يعطي المجال للمتضرر ارسال توضيح طبعاً وامكانية تقديم شكوى امام محكمة المطبوعات (اذا كانت لا تزال قائمة في القانون الجديد) او امام المحكمة المدنية المختصة للحكم له فقط بالعطل والضرر جراء هذا الخبر الكاذب والمؤذي.
3- الخبر الكاذب المؤذي الذي ينسب فيه كاتب الخبر للآخر جرماً جزائياً معاقباً عليه قانوناً. كأن قد يقول بأنه شاهده يسرق او يزوّر او يقتل…الخ. او نعطي مثلاً آخر كأن يقول عنه بأنه زار اسرائيل. زيارة اسرائيل معاقب عليها لأنّها دولة عدوة. فالخبر الكاذب هنا، صحيح انه مؤذي، ولكنه ينسب للآخر جرماً جزائياً هو زيارة دولة عدوة للبنان. هنا يمكن للمشترع مثلًا أن يضع العقوبة المناسبة لأنّ الأذى ليس فقط معنوياً بل يتأتى عن نسب جرم جزائي للمدعي المتضرر.
ثامنا: هذا النوع من النصوص وما تضمنه من عقوبات، قد يحرم فئة كبيرة من الصحفيين والاعلاميين والكتاب، من الكتابة والتعليق والنقد. مما يحد فعلياً من الحرية الاعلامية وحرية الرأي التي يتغنى بها البعض ومنهم جماعة المجتمع المدني الذين يعتبر بعضهم بأنه بأنه قيمّ على هذه الحريات ويتحرك على القطعة.
تاسعاً: سوف نتابع هذا القانون فور اطلاعنا على كامل مضمونه ونفند بنوده ونشرحه وقد ننتقده اذا كان صحيحاً بأنه يجيز انشاء نقابات جديدة.
عاشراً: كلنا نعاني مما يرد في مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض السايتات المنشأة حديثاً والتي لا تراعي كرامات الناس وخصوصياتهم، والتي ترمي الاخبار السريعة غير الصحيحة والكاذبة والمؤذية، والتي تنسب جرائم جزائية للآخرين من دون حسيب او رقيب. ولكن هذا الامر لا يجب ان يكون السبب في التشدد ضد وسائل الاعلام التي تكتب ضمن حدود القانون.
حادي عشر: طبعاً تطرقنا الى الموضوع بشكل عام حول التشريع واصوله، وحول المادة 104 والتوقيف الاحتياطي. اما بقية المواد فلم نطلع عليها حتى نبدي رأينا بخصوصها. ولكن على الاقل يقتضي التحرك وعدم القبول بقانون ناقص وغامض ومبهم. واذا لم يتم التحرك اليوم، فسوف يعاني الصحفيون والمحررون والكتاب الامرين. اسألوا مجرباً ولا تسألوا حكيماً.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/8/18



