علم وخبر

الشرعية الدولية سقطت تحت أنقاض الجنوب/آية ياسين

د. آية ياسين:
بعد ما يقارب الأحد عشر عاماً من الغوص في أعماق القانون، والتنقيب بين نصوص الدساتير والمواثيق الدولية، ومناقشة النظريات القانونية التي قيل لنا إنها تُشكّل الضمانة الكبرى للإنسان وحقوقه، جاء الواقع اللبناني ليكشف حقيقة مؤلمة، وليُسقط آخر أوراق التوت عما يُسمّى بـ”الشرعية الدولية”.
فعذراً من فقهاء القانون وفلاسفة العدالة، وعذراً من كل الكتب التي أمضينا سنوات ندرسها ونؤمن بما ورد فيها، لأن القانون الحقيقي الذي نشهده اليوم لا يُكتب بالحبر، بل يُكتب بالدم، ولا تُقرره النصوص، بل تفرضه موازين القوة.
لقد نشأنا على الإيمان بأن العالم تحكمه منظومة قانونية دولية متكاملة، وأن الأمم المتحدة ومواثيقها وقراراتها وشرعة حقوق الإنسان تشكل مظلة لحماية الشعوب من العدوان والظلم. واستندنا إلى مقدمة الدستور اللبناني التي أكدت في فقرتها (ب)(1) أن لبنان ملتزم مواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأن الدولة تجسد هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء.
وتعلمنا أن الفقرة (ط)(2) من مقدمة الدستور كرّست وحدة الأرض اللبنانية، وحق كل لبناني في العيش على كامل تراب وطنه بكرامة وأمان، تحت مظلة سيادة القانون.
ثم انتقلنا إلى دراسة ميثاق الأمم المتحدة(3)، فقرأنا المادة الأولى التي تتحدث عن حفظ السلم والأمن الدوليين، والمادة الثانية التي تحظر إستخدام القوة والاعتداء على الدول والشعوب. ودرسنا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(4) الذي جعل الحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي حقاً مقدساً لا يجوز المساس به.
وتعلمنا أن اتفاقية جنيف لعام 1949(5) جاءت لحماية المدنيين زمن الحروب، وأن إستهداف المنازل والمستشفيات وفرق الإسعاف والبنى التحتية والأعيان المدنية يُعد جريمة موصوفة يعاقب عليها القانون الدولي. كما قيل لنا إن جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك(6) تمثلان الحد الأدنى من التضامن العربي عندما تتعرض دولة عربية للخطر.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة:
أين ذهبت كل هذه النصوص عندما احترقت القرى الجنوبية؟
وأين اختفت هذه الشرعية عندما تهدمت المنازل فوق رؤوس أصحابها؟
وأين كانت المواثيق الدولية عندما استُهدف المدنيون، وهُجّر السكان، ودُمّرت مصادر الرزق والحياة؟
إن ما يشهده لبنان اليوم، ولا سيما الجنوب اللبناني، ليس مجرد مواجهة عسكرية أو حدث أمني عابر، بل هو اختبار أخلاقي وقانوني وجودي لمنظومة الشرعية الدولية بأكملها. إختبارٌ كشف أن المشكلة ليست في غياب النصوص، بل في غياب الإرادة.
فالعالم لا يعاني نقصاً في القوانين، بل يعاني نقصاً في الشجاعة لتطبيقها.
لقد اكتشفنا أن القانون الدولي يصبح شديد الصرامة عندما يتعلق الأمر بالضعفاء، وشديد المرونة عندما يتعلق الأمر بالأقوياء. وأن العدالة الدولية ليست دائماً عمياء كما قيل لنا، بل كثيراً ما تنظر بعين السياسة وموازين المصالح.
أما العروبة التي تغنّينا بها في المدارس والجامعات، والتي كرّسها الدستور اللبناني جزءاً من هويتنا وانتمائنا، فقد بدت اليوم غريبة عن واقعها. فجامعة الدول العربية، التي كان يُفترض أن تكون صوت الشعوب العربية وحصنها الأخير، اختارت الصمت في أكثر اللحظات حاجة إلى الموقف والكلمة والفعل.
وأمام هذا المشهد المؤلم، يصبح السؤال أكثر قسوة:
ما قيمة النصوص إذا عجزت عن حماية طفل؟
وما قيمة المواثيق إذا لم تستطع إنقاذ مستشفى؟
وما قيمة الشرعية الدولية إذا لم تتمكن من ردع المعتدي أو إنصاف الضحية؟
لقد أثبت الواقع أن القانون الدولي، رغم سمو مبادئه ونبل أهدافه، يبقى في كثير من الأحيان أسيراً للإرادات السياسية وموازين القوى الدولية.
فالعدالة لا تموت بسبب نقص التشريعات، بل تموت عندما يُسمح للقوة أن تكون فوق القانون.
ومن قلب لبنان الجريح، ومن جنوبه الصامد الذي دفع أثماناً باهظة دفاعاً عن أرضه وكرامته، تبدو الحقيقة واضحة ومؤلمة:
إن الشرعية التي لا تحمي المظلوم ليست شرعية.
والقوانين التي لا توقف العدوان ليست عدالة.
والمنظمات التي تكتفي بإصدار البيانات أمام نزيف الدم الإنساني تفقد تدريجياً مبرر وجودها الأخلاقي والإنساني.
لقد علّمتنا السنوات الماضية أن القانون يصنع الحضارات، لكن الأحداث علمتنا أيضاً أن الشعوب الحية هي التي تحمي أوطانها عندما تتخلى عنها المؤسسات الدولية.
واليوم، وبعد أحد عشر عاماً من دراسة القانون، أستطيع أن أقول بمرارة الباحث وبصدق المواطن:
لم تسقط النصوص القانونية فحسب، بل سقط معها الوهم بأن العالم تحكمه العدالة وحدها.
أما الحقيقة التي فرضها الواقع، فهي أن القوة ما زالت تكتب الكثير من القوانين، وأن الشعوب الصامدة وحدها هي التي تكتب تاريخها وتحمي حقها في الحياة والكرامة والسيادة.
لقد علّمونا في كليات الحقوق أن العدالة هي أساس الملك، وأن القانون هو الحصن الأخير للإنسان في مواجهة الظلم. لكن لبنان اليوم يطرح سؤالاً موجعاً على العالم كله: ماذا يبقى من القانون عندما يصبح تطبيقه إنتقائياً؟ وماذا يبقى من العدالة عندما تُقاس بميزان القوّة لا بميزان الحق؟
إننا لا نعلن وفاة القانون الدولي، بل نعلن سقوط الثقة بمن يدّعي حمايته. فالنصوص ما زالت موجودة، والمواثيق ما زالت مكتوبة، والمحاكم ما زالت قائمة، لكن الضمير الإنساني هو الذي يُختبر اليوم.
والتاريخ علّمنا أن الأمم لا تُقاس بعدد ما تملكه من دبابات وطائرات، بل بقدرتها على الوقوف إلى جانب الحق عندما يكون ثمن الحق باهظاً.
سيُكتب في كتب التاريخ يوماً أن الجنوب اللبناني لم يكن مجرد أرض تتعرض للقصف، بل كان مرآةً كشفت للعالم حقيقة النظام الدولي بكل تناقضاته.
وعندما تنتهي الحروب، ستُرمم البيوت وتُبنى الطرقات من جديد، أما الثقة التي سقطت بين الشعوب والمؤسسات الدولية، فقد تحتاج جيلاً كاملاً كي تُرمم.
المراجع:
1- مقدمة الدستور اللبناني مضافة بموجب المادة الأولى من القانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21-9-1990 ملحق 39 تاريخ 27-9-1990 الفقرة (ب)
2- الفقرة (ط) من مقدمة الدستور اللبناني
3- ميثاق الأمم المتحدة https://www.un.org/ar/about-us/un-charter/full-text
4- المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الانسان نصت على: لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه.
5- اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب, جامعة منيسوتا، مكتبة حقوق الانسان، المؤرخة في 12 آب/ أغسطس 1949. تاريخ بدء التنفيذ: 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1950 ، تُعد هذه الاتفاقية الحجر الأساس في القانون الدولي الإنساني.
6- معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي هي اتفاقية أمنية واقتصادية وُقعت في القاهرة بتاريخ 17 يونيو 1950 بين دول جامعة الدول العربية. تُلزم المعاهدة الدول الأعضاء باعتبار أي اعتداء مسلح على أي دولة منها اعتداءً عليها جميعاً، وتتعهد بتقديم المساعدة العسكرية والاقتصادية للدولة المعتدى عليها.
“محكمة” – الاثنين في 2026/6/22

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!