مقالات

الطلاق في لبنان .. عندما تتحول الظاهرة إلى قضية وطنية/ عاطف منصور

المحامي عاطف حسن منصور:
لا يكاد يمر يوم إلا وتتداول وسائل الإعلام اللبنانية تقارير وإحصاءات تتحدث عن الإرتفاع المتواصل في حالات الطلاق. وهذه التقارير على اختلاف مصادرها لم تعد مجرد أخبار عابرة، بل أصبحت مؤشرات تدق ناقوس الخطر، لما تنطوي عليه من إنعكاسات قانونية واجتماعية ونفسية تمسّ الأسرة اللبنانية التي تشكل الركيزة الأساسية للمجتمع.
بيد أن تسجيل نسبة طلاق تصل الى 28% خلال العامين 2025 و2026 هو بالفعل مؤشر رقمي خطير يعكس خللاً واضحاً في البنية المجتمعية، ويستدعي دراسة عميقة للوقوف على أسبابه والحد من تداعياته المستقبلية.
فالطلاق، وإن كان حقاً تقره قوانين الأحوال الشخصية عند توافر أسبابه، فقد تحول الى ظاهرة آخذة في الإتساع، وبات من الضروري تفكيك الدوافع التي أدت إلى استفحال هذه الأزمة، والعمل على الحد من آثاره من خلال مقاربة قانونية وإجتماعية متكاملة.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن الأزمات المتراكمة التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها الإنهيار الإقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والفقر والحروب والإعتداءات المتكررة، وما رافقها من نزوح وتهجير داخلي وتمزق إجتماعي، فضلاً عن الهجرة التي فرقت آلاف الأسر بين الداخل والخارج. كما لا يمكن إغفال ما أفرزته الإنقسامات الطائفية والمذهبية من توترات إنعكست على النسيج الإجتماعي، إلى جانب التأثير المتزايد لوسائل التواصل التي أضعفت في كثير من الأحيان خصوصية الحياة الزوجية، وجعلت الخلافات الأسرية عرضة للتداول والتدخل من هنا وهناك، الأمر الذي أسهم في تعقيد النزاعات وتسريع إنهيار كثير من العلاقات الزوجية.
ولا يقتصر التعامل مع هذه الظاهرة على دور المشرع، بل يبرز أيضاً الدور المحوري للمحاكم الدينية والقضاة الشرعيين والروحيين بحكم إختصاصهم في قضايا الأحوال الشخصية. فإلى جانب الفصل في النزاعات، يمكن لهذه المحاكم أن تؤدي دوراً وقائياً فاعلاً من خلال تعزيز جهود الإصلاح والوساطة الأسرية، والإستماع إلى أطراف النزاع وإتاحة الفرصة الكافية للمصالحة متى كانت ممكنة، والإستعانة بالإختصاصيين الإجتماعيين والنفسيين في الحالات التي تستدعي ذلك، ولا سيما عندما تكون فرص الحفاظ على الأسرة لا تزال قائمة.
ولا يقلل هذا الدور من حق أي من الزوجين في التوجه إلى الطلاق عندما تتعسر الحياة الزوجية، وإنما ينسجم مع الرسالة التي تضطلع بها المحاكم الدينية في الحفاظ على كيان الأسرة كلما أمكن ذلك، بإعتبار أن إستمرار الأسرة المستقرة يحقق مصلحة المجتمع بأسره، بينما يبقى إنهاء الرابطة الزوجية الخيار الأخير بعد إستنفاد وسائل الإصلاح المتاحة.
ومن الناحية القانونية، فإن حماية الأسرة ليست مجرد واجب إجتماعي، بل هي إلتزام دستوري وقانوني. فقد نصت المادة (9) من الدستور اللبناني على إحترام نظام الأحوال الشخصية للطوائف، كما أكدت المادة (16) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن الأسرة هي الخلية الطبيعية والأساسية في المجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة.
كذلك نصت المادة (23) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن الأسرة هي الوحدة الطبيعية والأساسية في المجتمع، وأوجبت على الدول إتخاذ التدابير المناسبة لكفالة حقوق الزوجين عند الزواج وأثناء قيامه وعند إنحلاله وتأمين الحماية اللازمة للأطفال.
صفوة القول، إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بإحصاء حالات الطلاق فحسب، بل بفهم أسبابها الحقيقية والعمل على معالجتها. فحماية الأسرة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تتكامل فيها أدوار المشرع والمحاكم الدينية والقضاة والمؤسسات التربوية والإجتماعية ووسائل الإعلام، وكل من يعنيه الحفاظ على الأسرة اللبنانية، لأن الوقاية خير من الإكتفاء بمعالجة النتائج بعد وقوعها.
“محكمة” – الأحد في 2026/7/19

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!